جريمة المرفأ ... لعنة مزدوجة

جريمة المرفأ ... لعنة مزدوجة

لعلّ المضحك فعلا في الموضوع هو "الاجتهاد" القانوني الذي تفتّقت عنه عبقرية بعض جهابذة التشريع باعتبار أن موضوع الاستدعاءات وطلب رفع الحصانات يجب أن يكون من صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو مجلس غير مكتمل التشكيل، ما يعني أن المسار طويل ومعقّد، وتاليا دفن القضية بـ"الشمع الأحمر".

كتب أديب أبي عقل في وكالة الأنباء المركزية:

بات واضحا أن جريمة انفجار أو تفجير مرفأ بيروت وتدمير ثلث العاصمة تضغط على المسؤولين، فيما تجثم على صدور أهالي الشهداء والجرحى الذين يطالبون بكشف الحقيقة في الجريمة التي أودت بأبنائهم الأبرياء وتحديد المسؤوليات.

إلا أن محاولة تذاكي المسؤولين بالإلتفاف على قرارات الاستدعاء التي أصدرها المحقق العدلي، تكشف مدى استهتار هؤلاء بدماء الأبرياء وإدارة الظهر للقانون والقضاء، والإعلان على وسائل الإعلام أن لا تغطية لأي مسؤول، في حين أن التصرفات هي غير ذلك بالكامل.

فأمام هول جريمة كهذه تسقط تلقائيا كل الحصانات والحمايات، وكان يُفترض في مَن تمّ استدعاؤهم للمثول أمام القضاء، القيام بمبادرة ذاتية، وبدافع من ضمير وطني وإنساني وأخلاقي، ووضع كل ما يمتلكون من معطيات ومعلومات في تصرف القضاء للمساعدة في إنارة التحقيق والاضاءة على ما هو مخفي من أمور يحمل مسؤوليتها كلّ من له علاقة بالموضوع انطلاقا من مسؤولياته الأمنية أو الادارية في المرفأ.

غير أن التراجع عن الاستعداد للمثول أمام القضاء بعد الكلام عن عدالة متأخرة يعكس خفّة وخوف هؤلاء المستدعين ولجوءَهم إلى "حماية" قد تجنّبهم قرارات قضائية لتحميلهم المسؤولية، إلا أنها بالتأكيد ستبقى على ضميرهم في سقوط أكثر من مئتي مواطن بريء كانوا في عملهم يسعون للحصول على لقمة العيش بالعرق والتعب والكرامة.

ولعلّ المضحك فعلا في الموضوع هو "الاجتهاد" القانوني الذي تفتّقت عنه عبقرية بعض جهابذة التشريع باعتبار أن موضوع الاستدعاءات وطلب رفع الحصانات يجب أن يكون من صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو مجلس غير مكتمل التشكيل، ما يعني أن المسار طويل ومعقّد، وتاليا دفن القضية بـ"الشمع الأحمر".

وهذا الأمر تنبّه له أهالي الشهداء، الذين لن يتراجعوا عن المطالبة بمعرفة المسؤول عن قتل أبنائهم، في حين أن هناك مسؤولين أمنيين يُفترض بالوزراء المعنيين إعطاء الإذن بمثولهم أمام القضاء، وهو ما لم يحصل، وقد تراجع هؤلاء عن استعدادهم لإعطاء الإذن بالملاحقة بعد الكلام أيضا عن عدالة متأخرة.

وما من شك في أن هذه الجريمة باتت لعنة تلاحق المسؤولين وكذلك العهد الذي أثبت عجزا واضحا في معالجة مواضيع حياتية أساسية، ومنع التهريب الذي يقوم به أشخاص معروفون وعلى معابر "معروفة" ومعروف من يمسك بها من دون اتخاذ أي تدبير عملي لحماية أموال الدعم للّبنانيين، التي تحولت أرباحا خيالية خارج الحدود.

فالحكم هو إدارة شؤون اللّبنانيين وتأمين احتياجاتهم المعيشية وتحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق القوانين المرعية من دون أي اعتبار سياسي أو شخصي أو مصلحة لمقربين ومحظيين.

الحكم هو إحقاق الحق من خلال قضاء مستقل، لا تزال تشكيلاته محتجزة لأسباب سياسية، فيما المطلوب إبعاد السياسة عن القضاء كي يكون مستقلا، وفي استطاعته عندئذ إيصال كل ذي حق إلى حقّه، ومعاقبة كل مسؤول عن جريمة تُرتكب سواء كانت فردية أو جماعية كجريمة المرفأ.

الحكم ليس عراضات وبهورات على الشاشات ووسائل الاعلام والتواصل، بل هو عمليا عجز عن حلّ أية مشكلة ويحمّل المسؤولية إلى تراكمات ثلاثين سنة سابقة. فالمطلوب وقف الانهيار وليس زيادة الأمور سوءا كما هو حاصل اليوم في شتّى المجالات من الغذاء إلى الدواء إلى المحروقات وغيرها.

الحكم هو التبصّر في مصلحة الوطن، وعدم الذهاب به إلى محاور تبحث في استنقاذ نفسها ودورها وتمسك بهذا الحكم- المستسلم لمشيئتها بالكامل- كورقة تفاوضية بعد تراجع نفوذها في أوراق كانت تمسك بها من العراق إلى سوريا إلى اليمن.

الحكم هو التعالي فوق المصالح والأنانيات الشخصية والعمل على تشكيل حكومة اختصاصيين تبدأ رحلة الانقاذ، وليس بالضغط المتواصل على أي رئيس مكلّف تأليف الحكومة، للسير بما يريده أهل الحكم للمرحلة المقبلة وخصوصا في "تسوية" رئاسية جديدة، و"الانتصار" باعتذار الرئيس المكلف هو في الحقيقة خسارة ستظهر نتائجها في الأيام المقبلة، مع تعذّر التسمية للتكليف قبل بدء الاستشارات النيابية الملزمة، خصوصا وأن الرئيس المكلّف الجديد، لن يكون في مقدوره الخروج عن خط بياني موضوع ويحظى برعاية دار الفتوى، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام أزمة تأليف جديدة.

والحكم ليس بالكلام عن أزمة نظام أو أزمة حكم إذا تعذّر تأليف حكومة جديدة، مقدار ما هو أزمة تصرّف وتعاطٍ إيجابي وتدوير زوايا ميّز مسؤولي العهود السابقة الذين نجحوا في تجاوز أزمات سياسية وحكومية، ونجحوا كذلك في حفظ الوطن وأبنائه.

المصدر: وكالة الأنباء المركزية