حكومة "الزير" الايراني و"البير" الفرنسي

حكومة

قد لا يكون في مقدور الحكومة اجتراح الحلول، خصوصا وأنها تحمل بذور تفجيرها من الداخل من خلال انتماءات أعضائها الحزبية، ما يعني أن أي انتكاسة في المسار الدولي الذي تكتمل صورته في خواتيم محادثات الملف النووي الايراني ويحدد مسار المرحلة المقبلة، تعكس نفسها مباشرة على وضع الحكومة اللبنانية.

كتب أديب أبي عقل في موقع المركزية:

 

الحكومة التي أبصرت النور بعد 13 شهرا من العراك السياسي والشروط والاشتراطات واستعادة العناوين التي كانت في السابق محطات عرقلة وتأخير في التأليف، لم يستغرق تشكيلها الحقيقي في الواقع أكثر من ثلاثة أيام شهدت تقاطعات دولية وإقليمية ومحلية أسقطت كل المعطيات التي شكّلت على مدى عام عوائق أمام التأليف مع رئيسين مكلفين اعتذرا عن إكمال المهمة التي تم إنجازها مع الرئيس نجيب ميقاتي.

 

ذلك أن الرئيس ميقاتي كان المرشح المفضّل للفرنسيين تحديدا بعد استقالة الرئيس حسان دياب إثر جريمة تفجير المرفأ في الرابع من آب من العام المنصرم. إلا أن التوجه الشعبي المحلي وضغط الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لوجوب قيام حكومة اختصاصيين مستقلين بالكامل عن الأحزاب، دفعا نحو تكليف السفير مصطفى أديب الذي أفشلت الطبقة السياسية مسعاه في هذا الاتجاه، وكذلك الأمر لاحقا مع الرئيس سعد الحريري.

 

على أن المطالب، بدءا من الثلث المعطّل مرورا بالحصول على حقائب محددة، وصولا إلى التشارك في تبادل بعض التسميات، كانت نفسها مع المكلفين الثلاثة. إلا أن الحركة الدولية والاقليمية في المحيط الاقليمي الأبعد من الشرق الأوسط، فرضت ايقاعها بوضوح، وليس على طريقة القطبة المخفية، كما سابقا، على هذا الملف، وأنجزته على طريقة "ليس في الامكان أفضل مما كان"، لدرجة أن ما كانت تطالب وتنصح به في شكل الحكومة تم نسيانه وغض الطرف عنه، وجاءت حكومة تقاسمها أهل السلطة أنفسهم، بغض النظر عن السير الذاتية للأشخاص الذين تم تعيينهم، مع العلم أن الانطباع غير المشجّع الذي أعطاه البعض منهم في إطلالاتهم الاعلامية الاولى، على رغم تمرسهم ، لا يوحي بالأمل في النهوض.

 

فالانسحاب الأميركي من أفغانستان المفتوحة على تنافس روسي وايراني وتركي على النفوذ، في موازاة عودة داعش، الذي يعكس تركيز سياسة الادارة الأميركية على التوجه نحو الصين و"تكليف" فرنسا وايران مدعومتين من روسيا وتحت السقف الأميركي، فتح باب تأليف الحكومة في لبنان. فقد سارعت فرنسا- التي حصلت على عقد بـ 27 مليار دولار لشركة "توتال" في العراق، واستثمارات مماثلة بنحو 130 مليار دولار في قطاعي النفط والطيران في ايران، إلى صفقة "تفاهم"، توّجها اتصال ماكرون بنظيره الايراني الذي أرادت بلاده توجيه رسالة ايجابية إلى الأوروبيين والولايات المتحدة للإفراج عن تأليف الحكومة. فكان أن تولى صهر آل ميقاتي القنصل مصطفى الصلح وصهر رئيس الجمهورية النائب جبران باسيل تظهير "التخريجة" الحكومية التي حملها ميقاتي إلى رئيس الجمهورية ووقعها على الفور بعد استدعاء رئيس مجلس النواب إلى قصر بعبدا، وهو كان التقى قبل ذلك سفير المملكة العربية السعودية في إشارة إلى عدم ممانعة سعودية.

 

والعبرة في التأليف على النحو الذي حصل هي الرغبة الاقليمية والدولية المزدوجة على خطين: الأول، في أن يكون للبنان حكومة، أي حكومة في الشكل، لتستطيع الجهات الدولية المانحة مساعدته لتخطي صعوبات هذه المرحلة، أقله في الأمور المعيشية والحياتية لتمريرها بأقل خسائر وضغوط ممكنة. والثاني، أن تبقى الساحة مضبوطة أمنيا في المرحلة المقبلة على الأقل، في انتظار الانتهاء من رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة لعقود مقبلة، حيث بدا واضحا الدور الروسي المتناغم مع التوجه الدولي في إطلاع رئيسَي ايران وسوريا (اللذين التقيا الرئيس فلاديمير بوتين) على التصور الموضوع، وما هو مطلوب من القوى الاقليمية، والدور الذي على كل دولة لعبه.

 

من هنا قد لا يكون في مقدور الحكومة اجتراح الحلول، خصوصا وأنها تحمل بذور تفجيرها من الداخل من خلال انتماءات أعضائها الحزبية، ما يعني أن أي انتكاسة في المسار الدولي الذي تكتمل صورته في خواتيم محادثات الملف النووي الايراني ويحدد مسار المرحلة المقبلة، تعكس نفسها مباشرة على وضع الحكومة اللبنانية، التي يؤمل منها تحقيق بعض الانفراجات حيث المساعدات الدولية الموعودة  رهن أدائها، خصوصا وأن تعليق العقوبات الأوروبية هو مثابة فترة سماح لها.  

 

إلا أن المطلوب دوليا من الحكومة اللبنانية بدء التحضير لإجراء الانتخابات النيابية وفق قانون متطوّر وعصري يمهّد لاجراء الاستحقاق الرئاسي المقبل الذي يبقى بيت القصيد في كل المفاوضات الجارية، ومحاولة إبرام "صفقة" وتسوية جديدتين عبر تسهيل ولادة هذه الحكومة التي ستسير على وقع التفاهم الاقليمي الدولي حيث الايراني هو "الزير" والفرنسي هو "البير"، وهي لن تستطيع أن "تشيل الزير من البير".    

المصدر: وكالة الأنباء المركزية