دعم الخارج ينتظر من يتلقّفه.. الملف الحكومي امام فرصة ثمينة واخيرة!

  • محليات
دعم الخارج ينتظر من يتلقّفه.. الملف الحكومي امام فرصة ثمينة واخيرة!

لم تبق لغة على وجه الأرض إلّا وقاربت الملف اللبناني المعقد بالنصيحة، وكلّها سعت الى محاولة إقناع اطراف الصراع الداخلي بنزع الصواعق المهددة للاستقرار الداخلي، وإطفاء فتائل التعطيل المانعة تشكيل حكومة، وبالتالي التفاهم على صيغة حكومية تنقل البلد من مسار الانفجار الى مسار الانفراج. وكل هذا التزخيم من الخارج، أُحبط واصطدم بالتعطيل والتطنيش في الداخل.

فالحراك الدولي الاخير الذي تكثّف في الآونة الاخيرة بشكل ملحوظ في اتجاه بلورة حل للأزمة الحكومية في لبنان، عكس تحذيراً بأنّ الوقت يضيع على لبنان، ووقت الحلول ينفد ولا يوجد متّسع منه. كذلك عكس توجّه المجتمع الدولي الى مدّ اليد للبنان، والنأي به عن كلّ النقاط المتوترة او المتفجرة في المنطقة. هذا ما اكد عليه العرب مع الحضور المصري مع جامعة الدول العربية، كما قُرىء في خلفية الحضور الأميركي، وهو الأول في ظل ادارة جو بادين، الذي يتّسِم بزخم ورسائل واضحة ومباشرة الى معطّلي الحياة السياسية والحكومية في لبنان، تدعو الى «كسر الشر» والتفاهم على حكومة. ويَتوازى مع ذلك الحضور الروسي الذي يمكن وصفه بـ»النوعي»، كذلك الحضور الالماني من الباب الاقتصادي والاستثماري وعرض اعادة اعمار مرفأ بيروت.

كل ذلك، يُضاف الى الحراك الفرنسي المتواصل مع أهل السياسة والقرار منذ إطلاق مبادرتهم الانقاذية في آب من العام الماضي، اصطدم بعمق الهوة الفاصلة بين المعطّلين القابضين على الحل في لبنان، وبخشية جدية من ان ينضم هذا الحراك الى ما سبق من محاولات فاشلة أخفقت حتى الآن في سحب هؤلاء المتصارعين من حلبة الحقد والكراهية الشخصية والسياسية المتبادلة بين مَن يدّعون انّهم أمناء على البلد، فيما هم في الحقيقة قد قرروا سلفاً ان يبيعوه لقاء وزير من هنا، أو حقيبة وزارية من هناك، ويتاجروا به عند أي مفترق شعبوي أو محطّة استثمارية على السياسة وغير السياسة.

واشنطن

المشهد الداخلي العام بعد هذه الزحمة الدولية، يمكن وصفه بالأقل سواداً مما كان عليه قبل ايام قليلة، الّا انه في قمة الارباك، فكل الداخل منهمك في قراءة أبعاد وخلفيات زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركية دايفيد هيل وما تؤسّس له في الحاضر والمستقبل.

وعلى ما تقول مصادر سياسية وثيقة الصلة بالاميركيين لـ»الجمهورية»: يجب التعمّق ملياً في زيارة هيل أولاً. وخلافاً لكل ما قيل من قبل البعض في لبنان ان هذه الزيارة هي زيارة وداعية يقوم بها هيل لقرب مغادرته منصبه مع الادارة الاميركية الجديدة، فإنّ الاميركيين مع هذه الزيارة أعطوا اشارة لكل الاطراف في لبنان خلاصتها: «نحن هنا، ولن نترك لبنان»، وهم بذلك لم يؤسّسوا فقط لعودة فاعلة تجاه لبنان، بل لاندفاعة اكثر فعالية في مقاربة ملفاته، وهو ما اكد عليه هيل خلال مروحة اللقاءات الواسعة التي أجراها في بيروت.

واللافت في هذا السياق، هو التساؤلات التي أحيط بها الحضور الاميركي عبر هيل، والتي بحثت عما اذا كان حضور الولايات المتحدة الاميركية بصورة فاعلة في الملف اللبناني، بعد فترة طويلة من الانكفاء، مُزاحماً للمبادرة الفرنسية او حاجباً لها او مكمّلاً او رافداً. الّا ان

المصادر الوثيقة الصلة بالأميركيين وقفوا في الاساس مع المبادرة الفرنسية، وثمة رغبة مشتركة بين واشنطن وباريس لبلورة حل في لبنان. الا أنّ تحرّكهم الحالي في اتجاه لبنان يندرج في سياق برنامج اميركي لحل سياسي يقود الى حكومة متوازنة في لبنان تلبي طموحات وتطلعات الشعب اللبناني، وتجري اصلاحات بنيوية وتكافح الفساد وتحاسب الفاسدين، وتعيد بناء الثقة بلبنان وتفتح باب المساعدات الدولية. وبالتالي، كل هذا الحراك الخارجي يتقاطع عند هذا الهدف، سواء أكان عبر المبادرة الفرنسية، التي لا شك انها لم تعد بالزخم الذي كانت عليه في السابق، او عبر الحراك الاميركي الاخير الذي له بالتأكيد ما يكمله.

ورداً على سؤال، حول توقيت زيارة هيل في هذا الوقت بالذات، قالت المصادر نفسها: لنكن صريحين، الزيارة من الاساس جاءت بحسب التوقيت الاميركي، ويجب ان يفهم مغزى هذا الحضور جيداً الذي ارادت ادارة جو بايدن ان تقول من خلاله انها معنيّة بلبنان واستقراره، وهذا يَتأمّن عبر تشكيل حكومة، ولا تضع الادارة الاميركية اي شروط

 

سياسية او غير سياسية امام هذه الحكومة سوى ان تعبّر هذه الحكومة عن تطلعات اللبنانيين، وتتمتع بالارادة الجدية في العمل واتخاذ الاجراءات الاصلاحية المطلوبة. والأهم، وقبل كل ذلك هو ان يتوفر الشريك اللبناني الصادق والجدي في السير بحكومة كهذه، تشكل المعبر الى خلاص لبنان، والى اصلاحات تفتح الباب على تدفق المساعدات اليه.

حراك داخلي مكثف

واذا كانت زيارة هيل وما رافقها من رسائل اميركية اضافة الى الرسائل السياسية والاقتصادية التي عكستها زيارة الرئيس المكلف سعد الحريري الى موسكو، قد حرّكت المشهد السياسي وفرضت حالاً من الترقب الداخلي للنتائج وما اذا كان منسوب الايجابيات سيطغى على السلبيات الآسِر للملف الحكومي منذ ما يزيد عن أشهر، فإنّ مصادر سياسية موثوقة على صلة مباشرة بالملف الحكومي، أبلغت الى «الجمهورية» قولها: يبدو انّ المياه الحكومية ستتحرّك، فالملف الحكومي ومع زخم الاتصالات، يبدو انه امام فرصة ثمينة واخيرة. ولكن في ظل الخلاف العميق بين عون والحريري لا يمكن المجازفة بتوقع ايجابيات ملموسة.

مبادرة بري أولاً

وبحسب المصادر، ان الحراك الدولي الاخير فتح الباب مجددا على حركة مشاورات مكثفة على الخط الحكومي. والساعات المقبلة ستكون زاخرة باتصالات على اكثر من خط، خصوصاً ان كل الخارج اكد على الحاجة الى تشكيل حكومة في لبنان في اسرع وقت ممكن، فضلاً عن ان هذا الحراك الخارجي تجاه لبنان، حشر المعطّلين في الزاوية، وحصرهم في «مكان واحد»، خصوصاً ان كل العناوين التي تم طرحها على حافة ملف التأليف، من التدقيق الجنائي، الى ملف ترسيم الحدود وغيرها، قد اصطدمت كلها بحائط مسدود، وبمعنى ادق بحائط الفشل على تمريرها، وبحائط الحاجة الى تشكيل حكومة تقوم بهذه الامور، الى جانب ما هو منتظر منها على صعيد المهمة الأم التي ستشكّل على اساسها الحكومة، وهي الشروع في إجراء اصلاحات واتخاذ الخطوات المطلوبة لأخذ الوضع اللبناني الى واحة الانتعاش من جديد.

وتوقعت المصادر ان يكون الحراك الداخلي المتجدد بوتيرة اكثر كثافة، وذلك بالاستفادة من الظروف التي خلقها الحضور الخارجي، والاميركي تحديداً، لتشكيل حكومة اصلاحية متوازنة. واكدت ان وتيرة الاتصالات هذه ستشهد الزخم الواضح مع عودة الرئيس المكلف سعد الحريري الى بيروت.

على ان الأرضية التي سيتركز عليها الحراك الجديد، كما تشير المصادر، هي مبادرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري، التي تحظى بدعم خارجي عام، سواء من الفرنسيين او من الاميركيين الذين اكدوا على هذا الأمر خلال زيارة هيل، كونها وحدها تشكّل النافذة التي يمكن ان يعبر منها الحل الى حكومة متوازنة من اختصاصيين لا سياسيين، ولا ثلث معطلاً فيها لأيّ طرف. وبحسب المصادر، فإن طريق المبادرة ربما هي الآن أسهل مما كانت عليه قبل الزيارات الخارجية والاميركية الى بيروت، والتي أعادت تحديد خريطة الطريق الدولية الى الحل في لبنان عبر حكومة اصلاحات، وهو ما تؤكد عليه مبادرة بري. فضلاً عن ان هذه المبادرة قد قطعت اكثر من ثلاثة ارباع المسافة الى الحل، وما يبقى منها (ما يتصل بوزارة العدل وبالوزيرين المسيحيين من خارج الحصة الرئاسية) ليس من النوع الصعب على الحل، بل هو قابل للحل سريعاً اذا ما توفّرت النية بتغليب تسهيل الحكومة على تعطيلها، وكذلك توفرت الرغبة والارادة الجدية والصادقة في تشكيل حكومة البلد في أمَسّ الحاجة اليها.

ورداً على سؤال اكدت المصادر ان هامام القوى السياسية حائط، وثمة من حاول المراوغة بطرح امور مستحيلة، وثبت للجميع ان من يسلكون طريق الهرب من تشكيل الحكومة لا يملكون ان يتابعوا هذا الهرب، وصاروا وحدهم معزولين امام العالم كله، ولا يستطيعون اقناع احد بحججهم، ولذلك هناك حائط مسدود، ومبادرة الرئيس بري تتلمّس في هذا الحائط ثغرة للنفاذ منها، ودفع القوى السياسية الى التفاهم، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف. فمهما كان قرارهما او قرار اي منهما بعدم التفاهم والتعايش مع الآخر، فهما تِبعاً لواقع الحال اللبناني محكومان بأن يتفاهما في نهاية الامر ولو رغماً عنهما. ومبادرة بري موجودة، وليوفّرا على البلد هذا الانتظار.

واشارت المصادر الى ان التعويل حالياً هو على حراك التأليف، حيث اذا ما امكن تحقيق خطوات الى الامام، فساعتئذ يمكن اعتبار الاسبوع المقبل حاسماً على الصعيد الحكومي.

لا شيء في الأفق

الّا ان مصادر سياسية معنية بملف التأليف لا ترى في الافق ما يؤشر الى امكان توافق حكومي لا الآن ولا في المدى المنظور. وحقيقة المواقف تلخّصها حقيقة المشاعر الحاكمة للعلاقة بين رئيس الجمهورية وفريقه السياسي والرئيس المكلف وفريقه السياسي. فضلاً عن ان ايّاً من الطرفين لم يبد اي تجاوب حتى الآن في الانفتاح على الآخر او التجاوب معه.

وقالت المصادر لـ»الجمهورية»: الواضح من كل الحراك الذي حصل وقد يحصل انه يهدف الى حشر رئيس الجمهورية وحمله على تليين موقفه من تشكيل الحكومة.

ولفتت المصادر الى انها لا تعوّل على اي حراك سابق ولاحق، كما لا تعوّل على اي اتصالات داخلية قد تحصل، فكل ذلك لن يُبدّل في واقع الحال اللبناني، فقد سبق ان جُرِّب وفشل، وذلك لسبب اساسي هو ان كل ذاك الحراك أكان اتخذ شكل اتصالات او زيارات او نصائح او تمنيات، لم يقترن بما يجب ان تقترن به، اي الضغوط الجدية التي تحمل الاطراف المعنيين بتعطيل الحكومة على التراجع والتنازل والتفاهم على تشكيل حكومة بمعزل عن الشروط التعجيزية التي تطرح.

المصدر: الجمهورية