رسالة إلى النائب الملقَّح

  • محليات
رسالة إلى النائب الملقَّح

كتبت "رشا الاطرش" مقالا في صحيفة "المدن" الالكترونية تحت عنوان "رسالة إلى النائب الملقَّح"، جاء فيه:

لا سلام ولا تحية ولا حضرة ولا سعادة.. أي سلام أصلاً في وجودك؟ هذا كي نكون واقعيين، مفتوحي العيون على ظلمتنا الدامسة، ليلاً ونهاراً فقط، ولا نبالغ ونقول: سعادة..

في مثل هذه اللحظة من تاريخنا العفن (معك وبسببك ومع كامل السلطة فاقدة الشرعية): ما هو شعورك وقد أخذت اللقاح المضاد لكورونا قبل أمهاتنا وآبائنا، جدّاتنا وأجدادنا؟ ها أنت تنحطُّ بالتساؤلات الوحيدة الممكنة، إلى مصاف البرامج الحوارية الرخيصة التي تستضيف قتَلة وتسألهم عن شعورهم إزاء ضحاياهم. لكن، طبيعي، هذا أثرك وتأثيرك.

عشرات آلاف المسنين، اضافة الى المرضى وذوي المناعة المنخفضة، المسجلة أسماؤهم في المنصة الرسمية، وغير المسجلين، هم الآن في الطابور خلفك، بعضهم وراءك بأميال. وأنت سرقت منهم طوق نجاة هم أحقّ منك به في بحر الجائحة، وفي ظل عدد اللقاحات المحدود، وفوضى المستشفيات، والدولة المفلسة. أنت أيضاً مسنّ؟ يا للذريعة الوقحة، وأنت المحمي، بطبيعة عملك، ومواردك المالية والمعنوية، ولك من الاحتياطات وشبكات الأمان ما ليس لعموم اللبنانيين ضحاياك، من قبل اللقاح ومن بعد. أنت مسؤول؟ نعم، قلها لنفسك، أنت مسؤول، كررها عشر مرات أمام المرآة، مئة مرة، علّك تفهم معناها، ولن تفهم. أنت أيضاً مسجل في المنصة؟ نجّنا يا رب من الشتيمة التي فرغ الكلام إلا منها!... نَفَس عميق... حسناً، سنتجاهل صُور تسجيلك المزعوم في المنصة، والتي أتت من دون رسالة استدعائك لأخذ اللقاح. سأتركها سارية كالنار في هشيم السوشال ميديا المشتعل غضباً وحنقاً، وسأقول: أمي أيضاً مسجلة في المنصة، وأبي، وكلاهما أكبر منك سناً. ولا أستطيع إلا أن أضيف: برقبتك ظُفر أمي الصغير إن كسَرته فيما تسعى إلى عصاها، وبرقبتك شعرة ساقطة من رأس أبي الذي لا يملك مداراة رئتيه المتعبتين إلا بالاتكال على ربّه وأدويته وعُزلته.. صدّقني أنا، وملايين اللبنانيين، نراعي ههنا لباقة الحديث إن جاء رابطاً بينك وبين أهالينا، المفترض أن لهم الأولوية عليك، لو أننا في دولة تحترم نفسها، ولا تشبهك. هذا الحديث هو قمة إتيكيت مخاطبتك.
فجأة تصبح وديعاً وشفافاً وصادقاً. تغرد بصورة تسجيلك في المنصة، و"تنسى" نشر صورة استدعائك المزعوم. تغرد بأنك تلقيت اتصالاً ليل أمس، وأنت، ابن 70 عاماً فقط، تحت سن 75 عاماً المطلوبة للتلقيح الآن. ففرحتَ به، ولبّيت النداء في اليوم التالي إلى مجلس الزُّمرة، شأنك شأن المواطن البريء الذي له رغيف من قلب الضعيف... لكنه، بعكسك، لا يناله! كأنك مثله، بلا بأس ولا نفوذ. ينادونك فتأتي يا عين أمّك، وربما لم تكن تلميذاً شاطراً في حساب الأعمار. ثم قد تستتر، أو تعتذر، على اعتبار أن لا علم لك بأي مخالفة ربما تكبّد لبنان بأسره خسارة دعم البنك الدولي في ملف اللقاح. بلاهتُك، في أحسن تقديرات النوايا، هي دفاعك. وتجد من إعلاميي البويا من يحامي عنك بأنها "ليست غلطتك، فلتُحاسَب وزارة الصحة"! ووزير الصحة سيعرف كيف يجيبهم، شِعراً ونثراً.
فعلاً، ليست غلطتك، وقد سمعت أخبار رئيس الجمهورية. بعيداً من الإعلانات الرسمية والصور، تلقى اللقاح مع عقيلته و10 أشخاص من فريقه. صحيح، لماذا لم تلتقطوا الصور كلكم؟ تخجلون؟ تخافون؟ وبعد، أهل القصر أفضل منك ليتم تلقيحهم من دونك؟ أبداً! تتساوون في الوقاحة. وإن كان الرئيس أكبر منك سناً، فمَن العشرة الملقّحين من فريقه؟ كلهم مُسنّ؟ كلهم مريض؟ معك حق. ليس مهماً أن نعرف أو تعرف، المهم أن تلحق أنت نفسك. أنت أمل الأمة، مُشرِّعها المنتخَب، الديك الصيّاح فوق قمّتها النتنة. تعلَّق بسفينة نوح. أزواجاً يدخلونها، لكن فلتمرّ أنت الآن إن استعصى الذَّكَر مع أنثاه.
كلاعب الخفة في السيرك، تسرق فرصة الحياة من مواطنيك. ليس الأمر صعباً عليك، بعدما اشتريت أصواتهم، ترغيباً وترهيباً، تجييشاً أو تحريضاً في نظام الزبائنية الطائفية... لحظة، تضحك؟ ربما يجوز لك الضحك، وليس في سرّك، بل بفمك الملآن بديدان الكلام. فحَملة الغضب على مجلس النواب، ستوازيها أخرى على القصر الجمهوري الذي سرت أخبار تلقيحاته في اليوم نفسه. كما في السياسة، سياستكم، كذلك في كورونا.
والتقريع يطاول أيضاً "الصليب الأحمر اللبناني"، بالأحرى إدارته التي سماها لبنانيون كثر اليوم، "شاهد زور" على هذه المهزلة التي لم تكلفك حتى عناء التوجه إلى أحد المراكز المعتمدة للتلقيح، في حين أن مُسعفي "الصليب الأحمر" أنفسهم، أولئك الذين رافقوك في المجلس ويرافقون الناس في المراكز، وكدّوا وتعبوا من أول الجائحة، هؤلاء لم يتلقوا اللقاح ولم يعتبرهم أحد أولوية الصفوف الأمامية. أما أنت، يا زينة الوطن، فلا مكان لك، أينما حللت، إلا في الصفوف الأمامية، فوَجَب تلقيحك. إضحك بعدُ، فأنت لستَ وحدك. معك حكومة وعهد وأحزاب، سنكتشف بِدَعها يوماً بيوم، وسنصرخ ونشتُم ونبكي أحبّة... في فايسبوك.

المصدر: المدن