سدّ بسري بين العلم والسياسة

  • مقالات
سدّ بسري بين العلم والسياسة

كتب د. مارك م. أبو عبدالله مقالا تحت عنوان "سدّ بسري بين العلم والسياسة" جاء فيه:

في ٤ حزيران ٢٠١٥ صدر عن حكومة دولة الرئيس تمام سلام المرسوم رقم ٢٠٦٦ والمتضمن تنفيذ سدّ في مرج بسري الواقع بين قضائي جزين والشوف. ومنذ ذلك التاريخ احتدم النقاش بين أهل الاختصاص وأهل السياسة، فمنهم من اشتم رائحة صفقة واستغل الموضوع لتوجيه الانتقادات للفريق الداعم، ومنهم من انتهز حاجة بيروت الكبرى للمياه لدعم موقفه المؤيد للسدّ، ومنهم من أظهر براهين علمية مرفقة بأبحاث لكبار الاختصاصيين تُظهر المخاطر التي يُمكن ان تنجم عن إنشاء هكذا سدّ. وفي خضم هذا النقاش لا بدّ من وضع بعض الأمور في نصابها العلمي من جهة، والسياسي من جهة أخرى.

في الإطار العلمي، لا بدّ من الإشارة بداية وقبل الغوص في تفاصيل الدراسات، وما أكثرها في هذا المجال، إلى أن إقرار مرسوم إنشاء السدّ اتى بطريقة مخالفة لبعض القوانين اللبنانية المرعيّة الإجراء، كما ولبعض الشرائع الدولية التي وقع لبنان عليها. ففي مجال القوانين المحليّة، لا بدّ من التذكير هنا ان مرج بسري، ونظرًا لما يتمتع به من خصائص تراثية وزراعية وبيئية، خاضع لمرسوم ترتيب الأراضي رقم ٢٣٦٦ والصادر في ٢٠ حزيران ٢٠٠٩، والذي، ووفق المادة الثانية منه، تلتزم الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة والبلديات والاتحادات البلدية باعتماد التوجيهات التي تتوافق مع هذه الخطة في كل شأن من عملها له علاقة باستعمالات وتنظيم الأراضي. كما ان مرسوم انشاء السدّ مخالف للقانون رقم ٢١٦ الصادر بتاريخ ٢ نيسان ١٩٩٣، ومرسومه التطبيقي رقم ٨٦٣٣ الصادر في ٩ آب ٢٠١٢، والذي نصّ في مادته الثانية على وضع دراسة تقييم أثر بيئي لكل مشروع منوي إنشاؤه على البيئة وتعيين التدابير اللازمة للتخفيف من الآثار السلبية وزيادة الآثار الإيجابية على البيئة والموارد الطبيعية وذلك قبل إعطاء القرار بالموافقة على المشروع أو رفضه. وبالفعل، وبطريقة فاضحة صدرت دراسة الأثر البيئي في نيسان من العام ٢٠١٦، أي بعد حوالي سنة من إقرار مشروع تنفيذ سدّ بسري، والتي تضمّنت، ووفق المعطيات العلمية، مخاطر عديدة متعلقة بنوعية الأرض وبتسرّب المياه، وبالمخاطر الزلزالية وبانبعاث المواد السّامة من باطن الأرض، وبطمس عدد من المواقع الاثرية المقدرة بحوالي ٥٢ موقعًا، وبتهجير الناس وبتهديد حياة القاطنين بالقرب من المشروع، وبمساهمة البحيرة التي ستنشأ وراء السدّ بالتغيُّر المناخي في المنطقة ما يشكل مخالفة فاضحة لاتفاق باريس للمناخ والذي وقع عليه لبنان في ١٢ كانون الأول ٢٠١٥. وبالإضافة الى كل هذه المعطيات، تقوم الجهات المنفذة للمشروع بإخفاء بعض الحقائق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر تكلفة المشروع، إذ تشير تقارير مجلس الوزراء الصادرة عند إقرار المشروع الى ان التكلفة الاجمالية للسدّ هي بحدود ٢٦٥ مليون دولار، إلا ان التكلفة وصلت الى يومنا هذا، وباعتراف رئيس الجمهورية الى ما لا يقل عن ٣٤٠ مليون دولار في حين ان الاشغال لم تبدأ بعد. ومن الأرقام المغلوطة هي كمية المياه التي ستتجمّع وراء السدّ والتي تأتي بصورة أساسية من نهر بسري، إذ تشير تقارير مجلس الانماء والاعمار الى ان الكمية المقدرة هي بحدود ١٢٥ مليون متر مكعب، إلا ان المجلس المذكور تغاضى عن ذكر ان مجموع المياه في مجرى نهر بسري تُقدر سنويًا فقط بحوالي ٦٠ مليون متر مكعب، وانه بعد تسرب بعضها وتبخر بعضها الآخر، لن يبقى منها اكثر من ٢٥ مليون متر مكعب. وفي موضوع إخفاء الحقائق، لا بدّ من الإشارة أيضًا الى أن تقارير مجلس الانماء والاعمار تفتقد لأدنى شروط الموضوعية، إذ كيف للجهة المنفذة للمشروع ان تضع دراسة حول المشروع؟  

إن إصرار بعض الجهات السياسية الحزبية على تنفيذ المشروع ولو بالقوة يطرح العديد من علامات الاستفهام، خاصة وان تكلفة المشروع في ازدياد مضطرد، إذ نذكر في هذا الاطار قيام مجلس الانماء والاعمار في تشرين الأول من العام ٢٠١٩ بطلب قرض إضافي من البنك الدولي بقيمة ٩٠ مليون دولار. وما هذا الإصرار إلاّ انفصال الفريق السياسي الداعم والمستفيد من مشروع السدّ عن واقع الانهيار الحاصل في لبنان والذي بدأت معالمه بالظهور منذ الصيف الماضي، والذي تسببت به سياسة الاستدانة المكرّسة منذ العام ١٩٩٢ والمتبعة الى يومنا هذا. كما إصرار هذا الفريق السياسي على تنفيذ المشروع هو تجاهل وقح لما أفرزته ثورة ١٧ تشرين التي قوّت فعلاً عزيمة وإرادة الشعب اللبناني، كما وانها زادت في الشعور بالانتماء. وبالتالي لم تعد تنطلي على الشعب اللبناني، التي زادت الثقة بنفسه اكثر فأكثر، الصفقات المشبوهة، كصفقة سدّ بسري. كما ان الشعب اللبناني وبفضل نمو الوعي والادراك الوطني لديه لم يعد يُبالي بالمزايدات الطائفية، وتحويل الأمور الى حقوق طوائف ومذاهب والخلط بين التاريخ والمصالح السياسية الآنية، ولا بالخطب الرنانة والشعبوية التي تُدخل العامل الإسرائيلي في كل تفصيل داخلي بهدف الكسب السياسي من هنا وهناك.  

بناءً على كل ما تقدم، يتبيّن وبالدليل القاطع ان حزب الكتائب هو من بين القوى السياسية القليلة الرافضة وبشكل مطلق لسياسة الاستدانة والسمسرات والصفقات، ويأتي ذلك انسجامًا مع تاريخ الحزب وحرصه الشديد على القضايا الوطنية والمعيشية والحياتية. وفي هذا الاطار، تُسجّل، وللتاريخ، مواقف النائب الياس حنكش، الذي ما برح، ومنذ وصوله الى الندوة البرلمانية، يعارض وبتجرّد كامل مشروع سدّ بسري. ومعارضته هذه متأتية من عدة اعتبارات أولها اطلاعه الدقيق والمتأن على عدد من المعطيات العلمية، وثانيًا إدراكه الشديد لحجم المخالفات القانونية في المشروع، وثالثًا التزامه التام بالدفاع عن القضايا البيئية وتلك المتعلقة ايضًا بالتراث وبتاريخ لبنان في أي منطقة لبنانية. فلذلك لا يترك النائب الكتائبي مناسبة إلا ويسلّط الضوء على المخاطر الناجمة عن الاعمال التي كانت جارية في السدّ، كقطع ملايين الأشجار المعمرّة مثلاً، كما وأنه، ومن موقعه المعارض، يستمر في تذكير الحكومة بمسؤولياتها في هذا الموضوع وبضرورة وقف المشروع في أسرع وقت ممكن. وفي إطار معارضته ايضًا للمشروع يشارك النائب المتني في معظم الندوات والمحاضرات المتعلقة بالمشروع، ولا يتأخر عن التوقيع على أي مشروع قانون او عريضة يهدفان لوقف المشروع. ويُعيد حنكش بمعارضته الشديدة هذه التأكيد على ضرورة الالتزام بالقوانين والشرائع الدولية نظرًا لأهمية هذه الأخيرة في كسب ثقة الناس وثقة المجتمع الدولي واللتان أضحى لبنان بأمسّ الحاجة اليهما اليوم للخروج من الانهيار الذي اوصلتنا اليه سياسة التسويات والمحاصصة والتنفيعات.   

د. مارك م. أبو عبدالله

 

المصدر: Kataeb.org