سليم الصايغ- أنا في صُلبِ الثورة وهْيَ في قلبي أصبو للتغيير وحوار الأحرار طريقي

  • محليات
سليم الصايغ- أنا في صُلبِ الثورة وهْيَ في قلبي أصبو للتغيير وحوار الأحرار طريقي

تعالوا نتحاور، حِوارَ الثورة، حِوارَ الأحرار، حِوارَ الأوادم، في كُلِّ منزلٍ وشارعٍ وخَيْمةٍ ونادٍ ومُنتَدى، وعلى كُلِّ مِنبَرٍ لِبناءِ "عامِّيةَ لبنانَ" الجديد.

مَسارُ التغييرِ مسارٌ طويل، وحِوارُ الثورةِ حِوارُ حياة، حِوارٌ بَنّاء، حِوارُ تواصُل، حِوارُ ثقافةٍ وسَلامٍ وتَقَدُّمٍ وارتِقاء. رُبَّ قائلٍ ما هذا القلقُ الذي يَقُضُّ المَضجَع والوَجَعُ العميقُ الذي لا يَستَكين بِأيِّ مُهَدِّئ؟ ألَم نَيْأس بَعدُ، بَعدَ سِنينَ نِضالٍ طويلة؟ لماذا لا نَقبَلُ المُساكَنة مع الإستِقرارِ الهَشّ، والرَّخاءِ الماديّ، ولا ننامُ مُطمَئنّين على إنجازاتٍ هُنا وهُناك وهُنالِك؟
قُلوبُ وعُقولُ وسَواعِدُ وأقدامُ أحرارِ لبنان تَمشي مع تلامِذَة لبنان اليوم، الصُوَرُ التي بُثَّت على الإعلام والتواصُلِ الإجتماعي، أعادَت إلى ذِهني ثَورةَ الطُلّاب في سِتّينات وسَبعيناتِ القَرنِ المُنصَرِم والإنجازاتِ التي حَقَّقَتها ثَورَتُهُم في ذَلِكَ الزَمان، وآملُ اليوم أن تُعطَى طُلّابَ لبنان فُرصَتُهُم لِتَدوينِ نِضالِهِم في مَسارِ هذا الوطنِ الذي قُدِّرَ له أن يَكتُبَ كُلُّ جيلٍ نضالَه بِشَكلٍ مِنَ الأشكال.
ومَع مُرورِ الأيّام تَطَوَّرَ مَفهومُ الثورة في داخِلي خصوصاً عندما قرأتُ موريس الجميّل، الذي نَجَحَ أن يُزاوجَ بين المبادرةِ الفرديّةِ الخاصَّة وضرورةِ التَّصميمِ والتَّخطيطِ الرسميّ. ويومَ غُصتُ في بَحرِ المُطران غريغوار حداد الذي نَجَحَ بدمجِ مُتناقِضَين بالظاهِر فكَتَبَ عَنِ العلمانيّةِ المُؤمنة. ويومَ تَوَغَّلتُ في فِكرِ كارل ماركس الذي لَمَعَ بـ"نقد النقد" قبلَ كُتُبِهِ المعروفة. ويومَ أحبَبتُ الإمامَ موسى الصدر قبلَ أن أتَعَرَّفَ إلى فِكرِهِ وأُعجَبُ بِهِ بعدَ سِنينَ طويلة. ويومَ دَخَلتُ في عواصِفِ جبران خليل جبران المُتَمَرِّدَة قبلَ أن تَستَكينَ نفسي في كلامٍ نبيه، يومَ عشقتُ المسيح مُحَرِّراً ومُعَلِّماً وقُدوةً فغَدا الأبَ والأخَ والرفيق في ثورةِ الحقِّ على الباطِل، العَدلِ على الظُلم، الضُعفِ على القوّة، الجُرأةِ على الخُنوع، القيامة على الموت، النور على الظُلمة، حينَها أدرَكتُ أنَّ كرامةَ الإنسان هي ماهيّةُ الإنسان وصِفَتُهُ المميّزة وعِلَّةُ سُمُوِّهِ فَوقَ كُلِّ الكائنات، هي المقدّسُ الذي إذا ما انتُهِكَ تَداعى وتَلاشى ومَعَهُ تَتداعى وتَتلاشى كُلُّ القِيَمِ الفاضلة ومُقَوِّماتِ المَدَنيّة وأوَّلُها دولةُ الحقّ.
يَستَحضِرُني في مشهدِ طُلّابِ مدارس وجامعات لبنان الأحرار ذِكرى الإنتفاضةِ التي انطَلَقَت عِندما كُنتُ طالِباً فوَقَفتُ مع رِفاقٍ لي نُطلِقُ ثورةَ الطُلّاب في كسروان ضدَّ الزيادةِ التَعَسُّفيّة على الأقساطِ المدرسيّة عام ١٩٧٨، فقُلتُ حينَها كرئيسٍ لرابطاتِ طُلّابِ كسروان على منبرِ مدرسة سيّدة اللويزة التي كان يرأسُها الأب بشارة الراعي "كما كانت لِفرنسا ثورتُها الطُلابيّة عام ١٩٦٨ فلِلبنان ثورتُه الطلابيّة في ١٩٧٨"، لم نَتَوَقَّف يَومَها إلّا بعدَ تراجُعِ المدارس عَن تِلكَ الزيادة، ثورتُنا حينَها لَم تأبَه بتَهديداتِ المُخابراتِ السورية وقُوّاتِ الرَّدع التي كانت لا تزالُ مُتَمَركِزَةً في جونيه.
تُذَكِّرُني إقامةُ الإعتصام في بيروت وكَسرِ الحواجزِ بَينَ المَناطقِ والطوائف بزَمَنِ عالميّةِ النِّضال عِندما كُنتُ طالِباً في باريس فذَهَبتُ مع زملائي إلى برلين لنَضَعَ يدَنا بيَدِ الثوّار لإسقاطِ حائطَ برلين الذي هو أكثرُ بكثيرٍ مِن حجارةٍ مَرصوفة بل رمزٌ لخَطٍّ فاصِلٍ بَينَ الحريّة والعبوديّة!
إنَّ حلقات الأساتذة في ساحاتِ الثورة، دعوةٌ لكُلِّ جامعيّ للإنضمامِ إلى الشارع لقراءةِ أحلامِ شبابِنا والتعلُّمِ مِنهُم لمَرَّةٍ على الأقلّ، عندما لا تُحَرِّكُ الجامعةُ الشارع تُصبحُ أسيرتُهُ، وعندما لا تأتي الأنوارُ مِنَ الحِوار في ساحاتِ الحريّة يَعُمُّ ظلامُ الجهل فهَلُمّوا بِنا لمناصَرَةِ الحقوقِ الإجتماعيّة والإقتصاديّة مُشارِكينَ الثوّارَ في بناءِ المُواطنيّة عِبرَ تنميةِ الإنسان كلّ الإنسان بكُلِّ أبعادِهِ.
المُجتمعُ المَدَنيّ مُطمَئنّ وتَجرِبَتي مَعَهُ طويلة وأذكرُ كَم تَأثَّرتُ واقتَنَعتُ بِهِ عِندما عَمَلتُ مُنَسِّقاً لِمشروعِ الإتّحادِ الأوروبي "خُطّة عمل مِن أجلِ لبنان" عام ٢٠٠٥ الذي وَضَعتُهُ مَعِ المُجتَمَعِ المَدَنيّ (ضَمَّ أكثَرَ مِن مئةِ مُمَثِّلٍ عَن النقابات والجَمعيّات والأحزاب والهيئاتِ الإقتصادية) كَخُطَّةٍ بَديلة لِلشَراكة بين لبنان والإتِّحاد. ومِنَ الضرورة التذكير أنَّ المُواطِنَ يُصبِحُ مَسؤولاً عندما نحترمُه ونعترفُ أنَّ الحِوارَ مَعَهُ مُفيدٌ ومُجدي ومُنتِج.
أستَذكِرُ "ثورةَ الأرز" أو "انتفاضةَ الإستقلال" التي أعتَبِرُها حَرَكَةً عامّة أسقَطَت حكومةً لها امتداداتٌ إقليمِيَّة وأَخرَجَت سوريا وحَرَّرَتِ الإرادةَ الوطنيَّة لكنّها فَشِلَت في تحريرِ الإنسان مِن عُقدةِ الخَوفِ مِنَ الآخَرِ المُختَلِف طَوراً باسمِ التمايُزِ الثقافي وأطواراً باسمِ الطائفيّةِ والخصوصِيَّة وحَقِّ الجَماعة والديمقراطيّةِ التوافُقِيّة ومُستَلزماتِ العَيشِ مَعاً، فبتُّ أبحثُ عَن مُواطنٍ مُكتَمِلِ المُواصفات في وطنٍ غَيرِ مُكتَمِلِ المُواصَفات، وعَرَفتُ حينَها أنَّ ثورةَ الأرز لَن تَستَمِرّ إلّا بِتَخَطّي الساحةِ الواحِدة والطائفةِ الواحِدة والحقيقةِ الواحدة والمَرجعيّةِ الواحدة، فكَتَبتُ وناضَلت راجِياً أن تُصبِحَ كُلُّ فِكرَة حَبَّةَ حنطة في الأرضِ الخَصبة.
الثورةُ والسُلطة تتطلّبان ميثاقاً اجتماعياً وهو ما وَضَعناهُ في وزارةِ الشؤونِ الإجتماعية التي خَدَمتُ فيها (٢٠٠٩-٢٠١١) حينَ أشرَفتُ على وَضعِ الميثاقِ الإجتماعي مع المُجتمعِ المدني، للإنتقالِ بالميثاقِ الوطني الذي أرسى قواعدَ الشراكة بَينَ مُكَونِّاتِ الوطن إلى ميثاقٍ يُرسي مفاهيمَ ومبادىءَ التفاعُل والإرتقاء بَينَ الناس مِن جِهَة وبَينَ الدولة مِن جِهَةٍ أُخرى، واعتَبِرُ هذا الميثاقَ الإجتماعي طليعياً في بُلدانٍ عربيّة كانت تُفَتِّشُ عَن ميثاقِها في خِضَمِّ تَحَوُّلاتِها المَصيرِيَّة... وبَقِيَ ميثاقُنا في لبنان حبَّةَ حنطة أُخرى في أرضٍ أصبَحَ ناسُها في غُربةٍ عَنها! الآن حانَ وقتُ استِردادِ الميثاق مِن خَزائنِ السُّلطة وتَقديمِهِ إلى الناس لأنَّهُ أساساً مِلكُهُم.
فَخورٌ أنا بالتِزامي الحِزبيّ وقَد ناضَلتُ ولا زِلت لاستِكمالِ المُراجَعةِ الشامِلَة للذات والنقدِ البَنّاء ومَدِّ الجُسور بَينَ عراقَةِ الماضي وحَيَوِيَّةِ الحداثة، فلا نتراخى في الذِكرى ولا نَنفَعِلُ أمامَ التَّحدي بل نَنشَطُ للتغييرِ العَميق بروحِ الشبابِ المُبادِرِ والمُبدِع، فكُنتُ إلى جانِبِ النائب سامي الجميّل رئيسِ الحزب نُشَجِّعُ ونَدعَمُ ثورةً ثقافِيَّةً حقيقِيَّة عامودُها الفقري، كَيفَيّةُ التعاطي بالشأنِ العام وإعادة ابتكار العَمَلِ السياسيّ على أُسُسِ القُدوَةِ الصالحة وعِبرَ معاييرِ الحَوكَمَةِ الرشيدة، فكانَت لنا الجُرأة برفضِ تمريرِ الفَساد فاستَقَلنا مِن حكومة "مَرِّقلي لمَرِّقلَك" ووَقَفنا شِبه مُنفَرِدين أمامَ عواميدِ التوتُّرِ العالي في المَنصورية التي حَوَّلَتها أحزابُ السُّلطة إلى مشانق كهربائيّة للسُكّان، وأيضاً مِن أمامِ مَكَبِّ برج حمود وباسمِ كُلِّ لبنان تَحَمَّلنا طعناتَ الخناجر مُنفَرِدين، بينما تَقَدَّمنا بِطُعونِنا جهاراً أمامَ المجلسِ الدستوريّ لتَصحيحِ التشريعِ المُجحِف بِحَقِّ الناس، كما وَقَفنا إلى جانِبِ رأيٍ عام مُغَرَّرٌ به، فاقتَرَعنا ضدَّ هذه التسوية بالتحديد التي أوصَلَتنا جميعاً إلى الإفلاس مع نجاحِهم بنَهبِ أموالِ الناس وهَتكِ عَرضِ الجمهوريّة التي لم يبقَ مِنها إلّا جمهورٌ يطالبُ بإسقاطِ ما ومَن تَبَقّى مِن رُموزِها.
أطلَقتُ السنةَ الماضِيَة أوَّلَ مقرِّر جامعي في العالم حَولَ مهاراتِ الحِوار بَينَ الثقافات على مِنَصَّةِ التعليم الإنترنت MOOC والهدفُ مِن الحِوار كما حَدَّدتُهُ هو إطلاقُ عمليّةِ التّغييرِ الدائم والتَقَدُّمِ المُستَدام في مُجتمعٍ فاضِل يتمتَّعُ بمُقَوِّماتِ الرّفاه.
نَعَم ثائرٌ أنا لأنّي لا زِلتُ أؤمِنُ بالتغييرِ الجَذري ولا أخافُ سِلاحاً أو تَهديداً أو وَعيداً أو وَعداً ولا أهابُ إلّا ضَميري الذي بِراحتِهِ أستَريح.

المصدر: النهار