شبان طرابلس وثوار 17 تشرين إرهابيون: المخيّلة المريضة

  • محليات
شبان طرابلس وثوار 17 تشرين إرهابيون: المخيّلة المريضة

لم يكن ينتظر كثر من اللبنانيين ملف الادعاء على الموقوفين في أحداث طرابلس الأخيرة ليحسموا أنّ القضاء يعمل بأوامر سياسية.

لم يكن ينتظر كثر من اللبنانيين ملف الادعاء على الموقوفين في أحداث طرابلس الأخيرة ليحسموا أنّ القضاء يعمل بأوامر سياسية. فسبق أن حسموا رأيهم القائل إنّ القضاء تحوّل إلى إداة من أدوات السلطة السياسية، التي تتنامى في منحى الفساد والبلطجة والبوليسية. فضيحة جديدة عنوانها القضاء، لكن العسكري هذه المرة، الذي ادّعى على 35 شخصاً من الموقوفين وغير الموقوفين، شاركوا باحتجاجات طرابلس نهاية كانون الثاني الماضي، بجرائم الإرهاب والسرقة. لتضاف التهمتان الأخيرتان إلى سائر الاتهامات الأخرى الموجّهة إلى المدعى عليهم، وهي كثيرة، وأهمها إثارة الشغب ومعاملة قوى الأمن بالشدة وإضرام النار وتحقير رئيس الجمهورية. ببساطة، قرّر الادعاء العسكري صياغة ادّعاء موحدّ بحق جميع المدعى عليهم في الملف، ليعود الملف إلى القاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل، الذي سيعيد استجواب كل المدّعى عليهم، الموقوفين والذين أطلق سراحهم، ليبقى التوقيف مستمراً إلى حين تقديم الفرض السياسي وطلب المغفرة من السلطة، والرحمة من زعمائها عن خطيئة القول إنّ "كلن يعني كلن" فاسدون وقتلة نهبوا البلد وأفقروا ناسه وتحاصصوا أرزاقه وقطاعاته. 

إرهاب وسرقة!

وحسب ما يقول وكيل 6 من الموقوفين في الملف، المحامي أيمن رعد لـ"المدن" فإنّ المحامين توجّهوا اليوم المحكمة العسكرية للمراجعة في طلبات إخلاءات السبيل، وكان القاضي باسيل قد رفع الملف إلى النيابة العامة لتعديل الادعاء، الذي تمّ أساساً على المادة 310 المعلّق العمل بها. وحسب المحامين، ردّ مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي فادي عقيقي، الادعاء وصحّحه كما يُفترض. لكن بالادعاء على الموقوفين بالمادة 335 معطوفة على المادتين 5 و6 من قانون الإرهاب. ويضيف رعد أنّ "الموقوفين الستة الذي أتوكّل عنهم اتّهموا جميعاً بهذه المواد"، كما أنه لدى مراجعة الوكلاء القانونيين الآخرين تبيّن أنّ كل الادعاء شمل جميع الموقوفين. وبالتالي، وحدّت النيابة العامة ملفات الموقوفين في تهمة واحدة معلّبة وجامعة بالإرهاب والسرقة وسائر الاتهامات الأخرى. 

المواد القانونية

تشير المادة 638 من قانون العقوبات إلى أنه "يعاقب بالاشغال الشاقة من ثلاث سنوات الى عشرة سنوات"، في جرم السرقة التي تنصّ عليها. أما المادة 335 فتعاقب "بالاشغال الشاقة المؤقتة ولا تنقص هذه العقوبة عن عشر سنوات" بجرم "تأليف جمعية أو إجراء اتفاق خطي أو شفهي بقصد ارتكاب الجنايات على الناس أو الأموال أو النيل من سلطة الدولة". أما المادة الخامسة من قانون الإرهاب الصادر عام 1958، فتشير إلى أنه "من أقدم بقصد اقتراف أو تسهيل إحدى الجنايات المذكورة في المواد السابقة أو أي جناية أخرى ضد الدولة (تشكيل عصابة، الاقتتال الطائفي المسلح، إثارة حرب أهلية وغيرها)، على صنع أو اقتناء أو حيازة المواد المتفجرة أو الملتهبة، أو المنتجات السامة أو المحترقة أو الأجزاء التي تستعمل في تركيبها أو صنعها يعاقب الأشغال الشاقة المؤبدة". أما المادة السادسة، فتنص على أنّ "كل عمل إرهابي يستوجب الأشغال الشاقة المؤبدة وهو يستوجب الإعدام إذا قضى إلى موت إنسان أو هدم بنيان بعضه أو كله وفيه انسان أو إذا نتج عنه التخريب ولو جزئياً في بناية عامة  أو مؤسسة صناعية أو سفينة أو منشآت أخرى أو التعطيل في سبل المخابرات أو المواصلات والنقل". 

درس وعبرة

في ما يخص جرم السرقة، فإنّ القضاء يدّعي على جميع الموقوفين بتهمة سرقة بوابة حديد من مدخل السرايا بهدف بيعها، وهو ما لا يعرف عنه شيئاً أغلب الموقوفين. لكن تم شملهم جميعاً بالاتهام. وبما لا يحتمل الشك، تم توريّط هؤلاء الشبان بالادعاء عليهم وفقاً لهذه المواد القانونية أثناء احتجاجهم على أداء السلطة السياسية الفاشلة في إدارة الأزمات المالية والاقتصادية والمعيشية التي انتجتها السلطة بنفسها. وإذا كان تسييس ملف الموقوفين المعنيين قد تم تأكيده سابقاً من خلال خلوّ ملفات استجوابهم من ضلوعهم بأي من الأعمال المسندة إليهم، فإنّ الادعاء الصادر اليوم جاء تأكيد للإمعان في مقاصصة كل من لا يزال يجرؤ على الانتفاض والاحتجاج بوجه السلطة. هذا في جهة، أما من جهة أخرى فيتمّ تلبيس هؤلاء الموقوفين جرم إحراق السرايا، بينما لا شيء جديد على مستوى جريمة إحراق بلدية طرابلس. ولا يفهم المحامون في هذه القضية الادعاء الصادر اليوم سوى أنه تصعيد سياسي بوجه الناس. 

تنشيط المخيّلة المريضة

ويأتي الادعاء بتهمة الإرهاب، لينشّط المخيلة المريضة اجتماعياً وسياسياً عند تيارات سياسية. فطرابلس التي نفّذت أجمل اللوحات الشعبية في انتفاضة 17 تشرين، يتم ضرب صورتها مجدداً على يد السلطة التي لم تكتف بزعزعة أمنها وتحويلها إلى صندوق بريد أمني سابقاً، ثم ملاذاً للاقتتال الداخلي. وتعود اليوم لتوصمها بالإرهاب ليس لشيء إلا لأنّ أبناءها خلعوا عنهم الرداء السياسي والتبعية السياسية. فتعيد السلطة تعليب طرابلس في قفص الإرهاب لترك أهلها يغطّون في مزيد من البؤس، علّهم يتركون أفكار تحرّرهم من سلطة الفساد والقتل والتفقير. 

من أمام المحكمة العسكرية، قال المحامي أيمن رعد إنّ "السلطة ترى في كل شيعي معارض متّهم بالعمالة وفي كل سني معارض متّهم بالإرهاب". والأصحّ، أنّ السلطة التي لا تزال تصرّ على الانتماء الطائفي للناشطين اللبنانيين ترى وفق معاييرها واعتباراتها أنّ كل شيعي معترض على أدائها، تابع للسفارات. كل سني رافض لفسادها، إرهابي. وكل مسيحي منتفض على أدائها، عميل لإسرائيل. وما يحصل في قضية موقوفي احتجاجات طرابلس فصل سياسي وقضائي كوميدي سوداوي. إذ أنّ قتل 215 مواطناً ومقيماً في جريمة تفجير مرفأ بيروت قضاء وقدر وإهمال وظيفي. أما الاحتجاج على الفقر والفساد فعمل إرهابي. كوميديا سوداء تسطّر السلطة ملاحمها السياسية والاجتماعية والقضائية كل يوم، فعجنت حرفياً الإرهاب بالكباب.   

المصدر: المدن