شروط صندوق النقد... شرٌ لا بد منه

  • مقالات
شروط صندوق النقد... شرٌ لا بد منه

«الكحل أحلى من العمى» مقولة يمكن تطبيقها على صندوق النقد الدولي وشروطه القاسية، باعتباره أفضل الحلول السيئة. لبنان الذي استفاق من كبوته متأخراً وجد نفسه عاجزاً عن معالجة أموره بنفسه، وسارع الى طلب النجدة من الصندوق، عبر ضَخ كتلة نقدية دسمة، حتى لا يغرق، طامحاً في أن تعطيه هذه المساعدة شرعية أمام الدول المانحة، حيث عينه أيضاً على بعض الدولارات منها.

لبنان يبقى لبنان... التشرذم والاختلاف في وجهات النظر بين الحكومة ومصرف لبنان، كانت من الصفات الطاغية على الوفد اللبناني الذي يتفاوض مع صندوق النقد. والانطلاقة أعطت انطباعاً سيئاً مفاده أن ليس هناك جدّية في التعامل. فقرارات الحكومة لا يمكن فصلها عن قرارات ووجهات نظر المصرف المركزي، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة هيكلة المصارف وقرار تعويم الليرة وسواها، للتوصّل الى أرقام موحدة وخطط جدية تبيّض صفحتنا أمام صندوق النقد الذي يضع على لبنان شروطاً صعبة. ويبقى السؤال هل سيتمكّن لبنان فعلياً من تطبيق هذه الشروط؟ وما هي انعكاساتها السلبية على البلد؟ وهل أمامنا مخارج أقل وطأة؟

لا بد من تسليط الضوء على أبرز الشروط المطلوبة، وعلى قدرة البلد على تحمّل نتائجها:

أولاً، تحرير سعر الصرف: من الشروط الأساسية لصندوق النقد، ومن المصائب الأولى على رؤوس اللبنانيين الذين ستتآكل رواتبهم وتتبخّر مدّخراتهم. والسؤال المصيري والأهم هل سيتمكّن مصرف لبنان من كبح تدهور سعر الليرة مقابل الدولار، وإعادة تثبيته على سعر معيّن، أم أننا أمام حالة فنزويلية أخرى؟

المعطيات التي نملكها ضعيفة حيث الاحتياطي من العملات الأجنبية لا يتعدى الـ 20 مليار دولار، وودائع وحوالات المغتربين تراجعت بشكل دراماتيكي، والهيئات المانحة تتردّد في دعمنا، والدول العربية تتحفّظ في مساعدتنا بسبب «حزب الله» وجائحة كورونا، والأهم أننا في بلد قائم على الاستهلاك بدل الإنتاج فلا صناعة ولا زراعة ولا سياحة، باختصار لا موارد للدولار. وطبع العملة من دون تغطية دولارية أو إنتاجية أو ذهبية لن يؤدّي إلا الى المزيد من التضخّم الجامح أو الـ Hyper Inflation. والحل بتحرير سعر الصرف بنسَب بسيطة ومتلاحقة، على أن تترافق هذه العملية مع خطة اقتصادية شاملة بدءاً من تطوير البنى التحتية التي تعتبر العمود الرئيسي لتطوير السياحة والإنتاج والتصدير لاستقطاب العملة الأجنبية التي تشكّل تغطية لعملتنا المحلية وتمنع انهيارها.

ثانياً: زيادة ضريبة القيمة المضافة على شعب خسر وظائفه وودائعه وقيمة عملته. ألم يكن من الأجدى رفع الضرائب على السلع الفاخرة بدل الأساسيات؟ وعلى الدخان والمشروبات الروحية مثلاً، التي بالإضافة الى الأرباح العالية من الضريبة عليها، فهي تحقق أرباحاً أخرى للميزانية لأنها تساهم في تراجع الانفاق الصحي. إضافة الى زيادة الضرائب على المستوردات من أجل حماية الصناعة الوطنية، واعتماد نظام الضريبة التصاعدية على أرباح الشركات.

ثالثاً: إلغاء الدعم على الكهرباء والطحين والمواد الأولية الغذائية والدواء والنفط. وكأننا نضع شعباً مهدداً بالجوع والبطالة والتضخم، في مهب الريح، مُفسحين المجال لانفجار اجتماعي ضخم. وهنا يجب أن تركّز المفاوضات مع صندوق النقد على ضرورة تطبيق الشروط بشكل تدريجي، فيصبح رفع الدعم أمراً ممكناً بعد تقوية الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية.

رابعاً: إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي رغم أخطائه الجسيمة وتعاملاته المجحفة بحق المودعين، الّا أنّ الحكومة لا يمكن أن تلزمه بالدمج القسري وتخفيض عدده من 49 مصرفاً الى 25، لأنها بذلك تنسف النظام الاقتصادي الحرّ وتحوّله الى نظام اشتراكي. والأسوأ أنّ الدولة تعلن بكل وقاحة عن استعدادها لمنح 5 تراخيص لمصارف متخصصة جديدة Investment Banks، برأسمال 200 مليون دولار لكل مصرف

خامساً: إعادة جدولة الدين العام الذي أتى متأخراً جداً بما اضطر الحكومة الى الامتناع عن التسديد، في الوقت الذي كان في إمكانها وفي إمكان الحكومات السابقة المتعاقبة إجراء مفاوضات مع الدائنين لاقتطاع جزء كبير من الفوائد على الأقل.

إصلاحات ضرورية

أمام الشروط السابقة التعجيزية، هناك شروط أخرى حبذا لو نبدأ بتنفيذها اليوم قبل الغد، ومنها:

أولاً: تطبيق الحوكمة التي رغم أهميتها الكبرى في محاربة الفشل المالي والإداري في القطاعات الحكومية وتحقيق الجودة والتميّز في الأداء، ما زالت غير مطبّقة، بل على العكس، فالحكومة تعتمد علانية وبشكل مطلق على الفساد والمحاصصة الطائفية. وأيّ جهود للإصلاح لن تنال مبتغاها اليوم، ما دامت الحوكمة في خبر كان.

ثانياً: معالجة ملف الكهرباء الذي يكلّف الدولة حوالى 2 مليار دولار سنوياً، وهناك عدة حلول يمكن المباشرة بتنفيذها:

- إطفاء عدادات كهرباء لبنان، والاعتماد لفترة محدودة على المولدات. والمباشرة بطرح مناقصات علمية شفافة، لإنشاء معامل إنتاج عصرية وحديثة، على أساس التعاون المشترك يبن القطاعين العام والخاص أو ما يعرف بالـ PPP (Public Private Partnership)

- تفعيل مصفاة طرابلس، واستيراد الفيول مباشرة من العراق عبر سوريا التي تمّ تحويل كل البترول العراقي إليها سابقاً عبر مصفاة بنياس، بالتواطؤ والتنسيق مع زعماء الميليشيات والفاسدين فترة الحرب الأهلية. وهذه الخطوة من شأنها أن توفّر المليارات على الشعب والخزينة، بدل الوقوع تحت رحمة تجار وكارتيلات النفط والفيول. أما مصفاة الزهراني فأيضاً يمكن تفعيلها في فترة لاحقة، لأنّ السعودية اليوم تتحفّظ عن مساعدة لبنان بسبب تدخلات «حزب الله».

ثالثاً: إغلاق المعابر غير الشرعية التي توفر أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً من العملة الأجنبية التي نحن في أمس الحاجة اليها اليوم.

رابعاً: تقليص حجم القطاع العام الذي تخطّى الـ 300 ألف موظف على عدد سكان 4 ملايين، بينما فرنسا التي يبلغ عدد سكانها الـ 65 مليوناً تملك نفس عدد الموظفين الحكوميين. وبالتالي، فإنّ كلفة التوظيف في القطاع العام في لبنان هي 320 % من معدّل الكلفة في دول أخرى، ورواتب هذا القطاع تستنزف ثلث ميزانية الدولة، فيما جزء كبير من الموظفين دخل الملاك من خلال الواسطة وهو غير كفوء أو منتج. وهذه العملية رغم قسوتها، خصوصاً في هذه المرحلة، الّا أنه يجب تنفيذها فوراً، لأن ليس لدينا مجال لإضاعة الوقت، علماً أنّ أغلب البنود السابقة التي اشترط صندوق النقد تشريعها ضمن قوانين وإجراءات رسمية سوف تصطدم بعقبتين أساسيتين: الانفجار الشعبي الذي لا يمكن للدولة أن تتغاضى عنه وتمضي في تنفيذ مخططاتها، إضافة الى معارضة ومحاربة «حزب الله» للعديد منها لأنها تتعارض مع سياسته.

وبعد كل الجهود، فإنّ المبلغ المرصود للبنان من صندوق النقد قد لا يتعدّى الـ 5 مليارات دولار، وهو 5 أضعاف حصتنا في الصندوق التي تقدّر بـ 861 مليون دولار، على أن يدفع المبلغ على 5 سنوات، وما يعتقده كثيرون بأننا سنحصل على 10 مليارات في فترة زمنية قصيرة ليس سوى حلم صعب المنال.

أخيراً، ما قامت به الحكومات المتعاقبة من فساد ومحاصصات، ليس الا لعبة بريئة أمام اللعبة الدنيئة الأكبر لإغراق البلد. والمحزن أنّ الشعب اللبناني أعطى بنفسه السكين للجزار حتى يقطع رأسه، عبر انتخاب نفس الطبقة الحاكمة والتزلّم والانبطاح.

اليوم، إمّا أن تتضافر الجهود للانطلاق بتنفيذ الحلول فوراً، والّا نحن قادمون على فاجعة خطيرة، حتى رئيس الوزراء لم يستطع إنكارها وأعلن بوضوح أنّ أكثر من 50 % من اللبنانيين لن يجدوا قوت يومهم قريباً. وللثورة النزيهة نقول: لا تخرجوا من الشارع قبل إقرار قوانين مكافحة الفساد وإطلاق يد القضاء الحرّ، وهما شرطان أساسيان للانطلاق بخطة الخلاص، والتعاون مع صندوق النقد الذي لا مجال للتخلي عنه اليوم مهما كانت شروطه صعبة.

 

المصدر: الجمهورية