فرِّق تسُد ... العبرة لِمَن يَعْتَبِر؟!

فرِّق تسُد ... العبرة لِمَن يَعْتَبِر؟!

كتب المحامي انطوان القاصوف :

تقولُ القصّة-العِبرة :" في إحدى الغابات عاشت" عيشاً مُشتركاً "، ثلاثة ثيران : الثّور الأوّل، لونُهُ أبيض ، والثّاني لونُه أسود، والثّالث أحمَر ، مع أسدٍ شَرِس!
" التّعايش" الظّاهر منه شيء، والمُضمَر شيءٌ آخر ، وحدَها تفاصيلُ المؤامرة تكشِفُ المستور!
كان الأسدُ المُفْترس، ينوي الفَتكَ بالثّيران الثلاثة وأكلها، غير أنّه كان لا يَقدِرُ لِتَضامُنها وتكاتفها وتحالفها ولِقوَّة اتحادِها ، فكان كلّ مرّة يَعْمَدُ الى إرجاءِ الّتنفيذ ويُظهِرُ- مَكراً- فكرة استمرار الأخوّة !
ذات يومٍ، إستغلّ الأسدُ غِيابَ الثّور الأبيض، فانفرد بالثّور الأسود والثّورِ الأحمر وقال لهما :
" لا يَدلُّ علينا في هذه الغابة ولا يلفُت الأنظار إلينا ويُهدّدُ أُمْنَنَا ، الّا الثّورُ الأبيض ، فإنّ لونّه ناصعُ البياض، واضِحٌ فاضِحٌ ، ولوني على لونِكُما، فلَو تَرَكْتُماني آكُلُه لَصَفَت لنا الغابةُ وخلصت إلينا وّحْدَنا وبِتْنا لا نخْشى أمراً ..."!!
فقالا له : " دونَكَ صاحِبَنا الثّور الأبيض ، فكُلْهُ ! فأكَلَه !
فلمّا مضت بضعةُ أيّامٍ ، إستَفردَ الأسدُ بالثّورِ الأحمر، وقال له : " لوني مِنْ لونك ، فدعني آكلُ الثّور الأسود ، لتَصفو الغابة لنا وحدَنا نحنُ الإثنين " ، فقال له الثّور الأحمر ، مُطمئنّاً واعِداً نفسَه بالمزيدِ من السُّلطان على الغابة وبالمزيد من المَرعى :" دونك الثّور الأسود ، فكُله! فاكَلَه!
وفي اليوم التّالي، نَظَر الأسد الى الثّور الأحمر باحتقار وازدراء وقال له :لقد أكلتُ الثّور الأبيض والثّور الأسود أمّا الآن وقد زال شبيهاك ورفيقاك اللذان كان في قدرتهما أن يمنعاك منّي ويصوناك ، فإنّي آكلك لا بدّ ولا مَحالة "!
فقال له الثّورُ الأحمر:" لا تَحسَب أنّك ستأكُلُني الآن ، لقد أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثّورُ الأبيض..."!!!!
تُرى ، ما نفعُ ندمِ الثّور الأحمر ، بعد أن فَعَلت خيانتُهُ فعلَها ؟!
وما الهدفُ من الاعتراف إن لم يَتُب المُعتَرِف؟
هل يَعلمُ "ثيرانُ غابَتِنا" بتحذير علي بن ابي طالب القائل : " لا تَسمَح ان يبدا بِغَيرك لأنّه حتماً سيصِلُكَ ..."؟!
هل يَعلمُ " ثيرانُ غابَتِنا " بانّه إذا كانت مصلحةُ اعدائنا ان يُفَرّقونا ، ليسهل عليهم أكْلَنا واحداً واحداً ، فما هي مصلحتُنا أن نتفرَّق؟!
هل يَعلمُ" ثيرانُ غابَتِنا" المُتخاذلون ، اللاّهثون وراء المال والسُّلطة ، المُتنكِّرون لمبادئ التضامُن ، أنّ الضّعاف، إذا اجتمعوا صاروا أقوياء ، أمّا الأقوياء ، فإذا تفرّقوا صاروا ضُعفاء!!
هل يَعلمُ "ثيرانُ غابَتِنا" أنّ السُّلطة تُنهِكُ الّذين يملكونها وخاصّة إذا كانت قد آلت إليهم بغير استحقاق ؟
هل يَعلمُ "ثيرانُ غابَتِنا" بأنّ في الاتّحاد قوّة وهي الوسيلة الوحيدة المُتاحة في سبيل البقاء فوق كلّ أرضٍ وتحت كلّ سماء؟!
هل يَعلمُ " ثيرانُ غابَتِنا " بأنّ "خونَة" الدّاخِل هم أفضل عملاء للأعداء ، ومَن لا يذكُرُ الجنرال فرانكو وقصّة زحفه من الرّيف بأربعة طوابير من الجُند للقضاء على أعداء الملَكيّة... وقد قيل لهُ يومئذٍ :" إنّ الطّوابير الأربعة لا تكفي " فقال :" البركة في الطاّبور الخامس..."! وقد ذهبَ مثلاً.
هل يَعلمُ "ثيرانُ غابَتِنا" بأنّهم إذا لم يجتمعوا ويتعاونوا ويتكاتفوا ويسندوا بعضهم البعض، أكل الأعداء" أبيضَنا" ثمّ "أسوَدَنا " وبالتأكيد " أحمَرَنا" – بالمعنيين- فصحّ فينا قول تشرشل :" من يُساير ويسترضي هو مثل ذلك الذي يُطعِمُ التّمساح أملاً بان يكون آخر ضحاياه..."!
هل يَعلمُ "ثيرانُ غابَتِنا" بأنّ خيانة " الأهل " بعضهم لبعض، أشدُّ وطأة من جريمة العدو الذي يُمارس سياسة فرِّق تَسُد؟!
فهل من عاقل يأخذ العبرة من الغير، أم كُلُّنا أصبحنا "جَهَلة" لا نستحقّ إلاّ ان نكون عبرة لِغيْرِنا؟!
بين ليل "الظُّلمة" ونهار " الظُّلم" ، خرج من صمت الرُّخام صوت الشّهيد مُردِّداً:
لعنة الّله على مَنْ فَرَّقَنا
ولعنات الّله علينا لأنّنا تفرَّقْنا...؟!
وتبقى العبرة لمن يعتبر...؟!

المصدر: Kataeb.org