في أسباب الثورة ونتائجها المحتملة

  • مقالات
في أسباب الثورة ونتائجها المحتملة

مهما اختلفت التسميات حول ما يعيشه لبنان اليوم ومنذ ليل ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، اكانت ثورة ام حراك ام انتفاضة، إلا ان الأكيد ان ما يجري هو ظاهرة جديدة جمعت اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والمناطقية والمذهبية في مشهد قلّ نظيره في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر. واضحت هذه التحركات محركًا رئيسيًا في صلب السياسة اللبنانية وبات بالتالي امر تجاوزها، كما امر العودة الى ما قبل ١٧ تشرين الأول من سابع المستحيلات. لذلك لمن الضروري محاولة تبيان الأسباب الحقيقية لما نسميه نحن ثورة ١٧ تشرين، علّنا نستشف نتائج هذه الثورة وما قد تحمله للبنان في المستقبل.

 

بدايةً، ومن الناحية المنهجية، ونظرًا لعدم وجود الوثائق المتعلقة بهذه الثورة في متناول الاختصاصيين، فمن الافضل الركون الى المقاربات التاريخية والى علمَي الاجتماع والانتروبولوجيا إذا ما كنا فعلاً نريد تبيان الأسباب الحقيقية لهذه الثورة بطريقة علمية وموضوعية. وانطلاقا من ذلك، نستطيع وضع ثورة ١٧ تشرين في سياق ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس في ١٧ كانون الأول ٢٠١٠، والتي سُرعان ما اجتاحت عددًا كبيرًا من العواصم العربية حيث اسقطت أنظمة استبدادية في بعضها، وادخلت بعضها الاخر في حروب أهلية شديدة العنف. وإذا ما أمعنا في الأسباب الحقيقية وراء انطلاق شرارة الربيع العربي نرى ان السبب الحقيقي ليس حصرًا الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الدول العربية، وانما ايضًا بسبب التعرض لكرامة الشخص الإنسانية في هذه الدول. فالشاب التونسي، طارق الطيّب محمد البوعزيزي، بائع الخضار، الذي أشعلبإحراق نفسه الثورة، فإنه أقدم على ذلك ليس فقط بسبب وضعه الاجتماعي المزري وانما بعد قيام شرطية بضربه أمام الناس.ومن جهة أخرى، يعود انتشار الثورة بهذه السرعة القياسية الى التطور الكبير الحاصل في التكنولوجيا والثورة الرقمية. إذ نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيل حصول الناس على معلومات غير تلك التي توزعها وتروج لها الأنظمة الاستبدادية، كما نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في نجاح المجتمع على تخطي قوانين الرقابة والطوارئ المفروضة عليه منذ ستينيات القرن الماضي. وبالتالي، أضحت غالبية الناس، وتحديدًا الشباب منهم في زمن اليوم، في حين مازال اهل السلطة الحكامة في الأنظمة البائدة في زمن الدولة الأمنية، وبات هناك شبه استحالة في قدرة هذه الأنظمة على السيطرة على جيل الشباب لديها، ولم تعد تنفع الوسائل التقليدية والعنفية في تحقيق ذلك. وفي مجال أخر، وفيما خصّ نتائج ثورات الربيع العربي، فقدنجحت الى حدّ الآن في كسر حاجز الخوف لدى المجتمعات العربية، وخاصة داخل فئة الشباب منهم، وأعادت الثقة الى انفسهم والامل بإمكانية إحداث تغيير إذا ما قاموا بتوحيد الجهودوالمطالب والشعارات. ونجحت ايضًا تلك الثورات في الحيلولة دون تمكّن البعض من إعادة بناء أنظمة شمولية واستبدادية شبيهة بتلك التي سقطت، هذاوخاصةً ان التطور التكنولوجي غير المسبوق يجعل من بناء الأيديولوجيات السياسية الهدّامة أمرًا شبه مستحيل. ولكن في المقابل، لم تنجح، الى يومنا هذا، ثورات الربيع العربي من بناء نظام ديمقراطي بكل ما للكلمة من معنى، ولكن قد تكون التجربة التونسية ربما، خاصةً وإذا ما توافرت لها الظروف السياسية، المحلية منها والدولية، من التحول الى ديمقراطية يُحتذى بها في العالم العربي.

 

بناء على هذه المعطيات العلمية، نستشف ان الأسباب الحقيقية للثورة المندلعة في لبنان اليوم ليست فقط اجتماعية وانما ايضًا شعور الشخص الفرد في لبنان بفقدانه لكرامته الإنسانية. وفقدان الكرامة يحصل من خلال عدة وسائل منها حرمان اللبناني لأبسط حقوقه الأساسية، من مياه وكهربا وبيئة نظيفة وشبكة انترنت ونظام استشفاء متطور ونظام تعليمي يتماشى مع التطور الحاصل على اكثر من صعيد، كما من خلال استهتار الطبقة السياسية الحاكمة به والتي وصلت الى مرحلة استغباء الناس. وفي حين يُطالب الشباب بهامش اكبر من الحرية الشخصية والعامة، وبقوانين وَضعية لتنظيم شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية كقانون موحد للأحوال الشخصية على سبيل المثال لا الحصر، تُمعن أحزاب السلطة في تقسيم الناس فئات طبقية ومذهبية من خلال استخدام الوسائل التقليدية والعنفية بهدف إحكام السيطرة عليها. وما سهّل ذلك هو بعض الظروف الإقليمية المًساعدة التي عززت تحالف الأقليات في المنطقة، ومن هذه الظروف تحول الصراع العربي-الإسرائيلي الى صراع ديني إسلامي-يهودي وتحول مدينة اورشليم/القدس وما تحمل من معاني مقدسة لكلا الطرفين الى جوهر ذلك الصراع، كما تحولت الحرب الدائرة في سوريا الى حرب بين أكثرية سنية مهمشة واقلية علوية حاكمة، الخ. وهذا ما أدى الى تحول مقاومة إسرائيل في لبنان الى مقاومة مذهبية، واضحت لحقوق الناس في لبنان صفة مذهبية. فاستمرت بالتالي بعض الأحزاب الكبرى القابضة على الحكم منذ انسحاب جيش الاحتلال السوريمن لبنان في استخدام الوسائل التقليدية في الحكم أكان من خلال استخدام البروباغندا السياسية ام الدعاية والتشهير بالخصم السياسي. إلا ان هذه الوسائل، وبغض النظر عن نجاحها في السابق، إلا انها أدت الى تضييق هامش الحرية وبالتالي هامش الابداع والابتكار، كما ساهمت في ضرب الكرامة الإنسانية للفرد وعززت دور الطائفة وحقوقها السياسية وحالت دون بناء المواطن. كما اضحى هناك شرخًا كبيرًا بين جيل الكهول المستخدم لتلك الوسائل البدائية وجيل الشباب المطلع على كافة التقنيات الحديثة المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت الحدود السياسية والطائفية والمذهبية والمناطقية. وما ثورة اليوم إلا في النهاية صورة مصغرّة عن صراع الأجيال.

 

لا يمكن، الى يومنا هذا، تبيان النتائج الكاملة لثورة ١٧ تشرين، فما زلنا في الثورة كما اننا لم نطلع بعد على كافة الوثائق المتعلقة بها. إلا اننا ما يمكننا قوله، إن ردم الهوة بين الشباب الثائر والطبقة التقليدية القابضة على مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية اصبح شبه مستحيل. فذلك بحاجة، ونظرًا لإن الشباب الذين هم المستقبل، لطبقة سياسة جديدة شابة او الى حدّ ما قريبة من الشباب. طبقة تُسارع الى تحقيق مطالب الشباب، طبقة تستخدم لغة الشباب، تجيد التواصل مع الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، طبقة تُشارك الشباب نشاطاتهم الثقافية والرياضية والاجتماعية، طبقة تعمل على إقرار قوانين تعزز دور الشباب في صناعة القرار السياسي، طبقة تكون صادقة مع الشباب الى ابعد الحدود، لأن الكذب اليوم في ظل هذه الثورة الرقمية بات مستحيلاً.

المصدر: Kataeb.org