"في المواقف ... الناس مع الواقف"؟!

تقول الواقعة التاريخية :" لمّا أُفرِجَ عن نابليون عام 1814 بعد أن نُفي الى جزيرة Elbe ، كانت صحيفة Le Moniteur الفرنسية ، تُعبّر عن مواقف ومشاعر البعض من الفرنسيين ، فراحت تبدّل الألقاب التي تَنْعَتُه بها كلّما ازداد إقتراباً من باريس:

أ‌- حيوان مفترس :
1- خرج " آكل اللحوم البشرية " من عرينه !
2- وصول " غول " كورسيكا الى خليج Juan !
3- وصول " النمر " الى Gap !
4- قضى " الوحش " الليلة في Grenoble!

ب‌- إنسان مجرم :
وهنا كفّ نابليون أن يكون حيواناً مفترساً ليصبح إنساناً مجرماً :
1- إجتاز " السفّاح " مدينة Lyon!
2- شوهِدَ " ألمُغْتَصِب " على بعد فرسخين من العاصمة !
ج- في العودة الى الإسم واللقب :
1- يتقدّم " بونابرت " بخطى سريعة !
2- سيكون " نابليون " غداً تحت اسوارنا!
3- وصل " الأمبراطور " الى Montagne bleue !
4- وأخيراً " جلالة الإمبراطور " دخل أمس باريس !

العبرة تقول : " الناس مع الواقف ... الى أن تنجلي المواقف " ؟!
وعندنا ، ولو بصورة عكسية ... عندما كان الأمَلُ في " قصر الشعب " ، كانت الجماهير تتدفق إليه كموج البحر .. هل تذكرون ؟ هل تتذكرون ؟ هل نسيتم كيف خلعت " العروس " إسوارتها وتخلّت " العجوز " عن قِلادتها وكيف ضحّت الأُمهات بهدايا أطفالهنّ ..لا بل كيف تخلّى الآباء عن مداخيلهم .. ووُضعت جميعها في "جرّة " قُدّمت الى القائد المنقذ .. فحملها معه الى المنفى الباريسي المخملي .. لقد كانت سعادة الشعب في " قصر الشعب " توازي أحلامه وآماله .. وكان الولاء كما العطاء كما المديح كما الثناء ... ولمّا عاد " المخلّص المنتظر " وتحوّل " قصر الشعب " الى " قصر الرئاسة " وباتت الدولة " غابة للأقوياء الحاكمين " و"جهنّم للضعفاء المحكومين " أصيب الجميع بخيبة الأمل : " العروس " باعت ما بقي من "جهازها " " والعجوز" ضيّعت " دهبياتها " التي كانت قد وعدت بها أحفادها ... والأمهات لا حول ولا .. والآباء فقدوا "جنى العمر " وراح الجميع يفتّشون على " الجرّة " فأخبروهم بأنّ " الفاخوري " مات ومشغله أُقفِل .. وورثته هاجروا .. !!
شعب " قصر الشعب " لم يعد ذاته شعب " قصر الجمهوريّة " حتى الرئيس أصبح " حارساً " والقصر صار " قبراً " ... تغيّر موقف الناس ، فتحول ثناؤهم الى هجاء... ومعظم الذين قَضَوا القسط الأكبر من حياتِهم مُتَشَوِّقين وصول " الجنرال " الى سدّة الرئاسة ، سيقضون ما تبقّى من أعمارهم نادمين على وصوله .. ؟!
التبعيّة بين التابع والمتبوع أنواع :
1- صاحب مبدأ ، ملتزم لا يتزحزح ، لا يتبدّل لا يتلوّن .. حتى ولو أصبح رمزاً للشهادة .. !
2- صاحب مصلحة " حيث تميل النُعَماء يميل ... " هو كالحيّة التي تُبدّلُ جلدَها لا طَبعَها ، ينتظر لحظة التبديل ليتبدّل والتغيير ليتغيّر...!
3- مسكون بالخوف ، لا قرار ولا استقرار ، بمِثله لا قيامة لوطن ؟!

فالتبعيّة ، حيث لا مبدأ، تعني الذلّ والعبوديّة :
فكلّ تابع محتاج ، هو عند المتبوع ذليل ، وكلّ ذليل هو مقيّد ، وكلّ مُقيّد هو عبدٌ ، وكلّ عبدٍ هو مدينٌ لسيّده بالولاء .. وإلاّ ..؟!
ولكلّ " ذليل " قِفلٌ ومفتاح ، فإنْ خَضَعَ وخنعَ كما يُريدُ سيّدُه ، كان المفتاحُ لأصفادِه .. وإنّ تمرّدَ وتحرّرَ واستقل َّعكس ما يريد ويشتهي "السيّد" كان القفلُ " لِكَلَبْجَاتِه ¬"؟!
ولكي يحصلَ صاحبُ الحاجةِ على حاجتِه ، ولكي يخفَّ " دوز" الخوف عند المسكون بالخوف ، تُفرَضُ شروط ٌ أهمّها :
أيّدْ ولا تُعارضْ ، نفّذ ولا تَعْتَرِضْ ، إركعْ ولا تقِفْ ، إنحنِ ولا تَنتَصِبْ ، باركْ ولا تلعنْ ... وعندها " كول واشكور "..؟!
كان جان بول سارتر يقول : " أنا أكره الضحايا الذين يحترمون
جزّاريهم ... "
ونحن نقول :
في الوطنية يستحيل الإنحناء ، أمّا في السياسة فيستحيل الوقوف دون الإنحناء ، أحياناً عند البعض ، ودائماً عند البعض الآخر ... ! وهؤلاء جميعهم لا رأي لهم بحاكِمهم ، بل إنّ رأيَهم دائماً هو رأيُ حاكِمهم ...!؟
في الخيار بين الوطنية والسياسة تكمن عظمة المواطن .. !؟
وللمسؤولين ، نذكرّهم ونحذّرهم :
... في المواقف ... الناس مع الواقف ... فالجماهير تتجمّع في الساحات مصفّقة ، مهلّلة ، مؤيّدة لرجل اليوم ، ولغيره غداً .. !
هكذا في كلّ زمان وفي كلّ مكان ، تتبدّلُ أحكامُ البشر ... فالتاريخ لا يُعيدُ نَفسَهُ ... التاريخ يُعيد نَفسَ البشر ليقترفوا نفس الأخطاء ...؟!

المصدر: Kataeb.org