قصة ألم جديدة: حدّث زوجته قبل ساعة من الانفجار...انتبهي للولاد!

  • محليات

هذه حال شعب. ألف ليلة وليلة ربما لا تفي قصة الألم التي يعيشها. جيل يوثق تاريخ الخذلان من حكامه اللامسؤولين، والمأساة تطول...

مع زحمة الوافدين للتعزية بوفاة المواطن حمد مدحت العطار في منزل العائلة الكائن في بلدة شعث، بعد أن قضى شهيداً بانفجار مرفأ بيروت، توجّه والده عبر "النهار" إلى كلّ رؤساء وزعماء الطوائف في لبنان بالقول: "دم ابني برقبتكم، والله يصطفل فيكم". يحدثنا والدمعة تجمدت في عينيه، يتحرك عدة خطوات باتجاه النافذة ويقول: "أضحك أمام الناس لأستعيد قوتي، ولكن غلبني البكاء، ونال مني الفراق، فلا أحد يستطيع أن يتخطى هذا الألم إلا بالصبر والاحتساب لله، وبمواساة الأقارب والأصدقاء له من كل الطوائف والمناطق، فإبني شهيد كما مئات الشهداء والجرحى الذين قضوا على أيدي الفاسدين". 

يحضن الوالد حفيدتيه الوحيدتين زهراء (6 أعوام) وفاطمة التي لم تكمل سنتها الأولى، يمسّد رأسيهما، وبجانبهما صورة كبيرة للشهيد شغلت زاوية الغرفة التي يتم تقبل التعازي فيها داخل منزل متواضع، تخلت جدرانه عن مظاهر البهرجة، واكتفت بعبق شهادةٍ لابن مكافح قضى في سبيل عياله. 

"بدأ حمد عمله سائق آلية داخل مرفأ بيروت منذ ثمانية أعوام كأجير لا يتخطى راتبه الشهري 900 ألف ليرة"، يقول شقيقه اسماعيل وبجانبه زوجة الشهيد الثكلى التي لم تقوَ على التعبير عن الحال التي تعيشها، فقد مات الفرح في تلك العائلة، أطفال تيتموا وهم في عمر الزهور، مأساة فقدان السند لا تعوض، فقد رحل الأب السند باكراً وهو ابن 28 عاماً وترك لها طفلتين، لا تأمين صحياً ومسؤولية كبيرة. يتابع شقيقه الأصغر بالقول: "كنت أتقاسم معه إيجار المنزل في الأوزاعي إذ لا يمتلك منزلاً نظراً لضيق رغد العيش، حتى إنه لم يحصل على هاتف خليوي لعدم قدرته على ذلك، فجلّ همّه تأمين حاجات أطفاله، يعود من عمله ويجالسهما طوال الوقت، كان أخي شاباً كادّاً يسعى وراء لقمة العيش المثقلة بالتعب والعرق، ترك بلدته شعت متوجهاً إلى العاصمة حيث مرفأ بيروت بعدما ضاقت سبل العيش ورضي براتبه الضئيل ليكون ضحية فساد المسؤولين لتولد عائلة منكوبة حُرم أبناؤها من حنان الأب والأحلام.

يتدخل والد الشهيد، ويقول: "أنا رح حط اولاد الشهيد بعيوني كل ما أنا عايش، وأقول للبنانيين إن ابني وإلى جانب مئات الضحايا وقعوا ضحية فاسدين، وهنا نشكر هؤلاء الذين سرقوا كمية كبيرة من المواد طيلة الأعوام الماضية وإلا كانت الكارثة عمت كافة العاصمة ووصلت الضحايا إلى الآلاف، المحاسبة اليوم لا يجب أن تقف عند ضباط وموظفين بل يجب أن تصل إلى الحكام والمسؤولين الذين يحمون ويحركون الأرذال ليكون المواطن ضحيةً لأفعالهم. إبني قضى جراء فسادهم وعاش فقيراً لأنه لم يُخلَق بيك ابن بيك، وأنا أراه شهيداً لأنه جاهد في سبيل عائلته، تحمّل مسؤولياته باكراً وحلم بتأمين مسكن له ولعائلته، ما إن دخلت جائحة كورونا حتى خفّفت الشركة من ساعات عمله ومن راتبه فاضطر الى العمل وقتاً إضافياً لتأمين مصاريف العائلة". 

ولا تنسى زوجته اتصاله الأخير أي قبل ساعة من حدوث الفاجعة بعدما تمكّن من استعارة هاتف أحد زملائه ليطمئن إلى العائلة، ويقول لها آخر كلماته: "انتبهي للاولاد"، أضافت: "لم يُطِل الاتصال خوفاً من صرف المزيد من رصيد الهاتف لصديقه؛ وما إن وقع الانفجار حتى بدأنا البحث عنه داخل المستشفيات والبرادات وحالنا لا توصف". 

هذه حال شعب. ألف ليلة وليلة ربما لا تفي قصة الألم التي يعيشها. جيل يوثق تاريخ الخذلان من حكامه اللامسؤولين، والمأساة تطول...

المصدر: Annahar