لا نريد... دَيننا المؤبّدَ وعيشَنا «المركّدَ»

  • مقالات
لا نريد... دَيننا المؤبّدَ وعيشَنا «المركّدَ»

منذ تسعينيات القرن الماضي يتم تغييب المصطلحات الاقتصادية عن السردية الرائجة، وذلك عن قصدٍ لتمرير النهب الممنهج بدون أي معارضة مع تغليب اللغة «الروتانية» في التعامل مع الشأن العام.

فنانو «روتانا» غنّوا الأسد حيناً والملوك والأمراء أحياناً، بينما يساريون سابقون تسابقوا لكتابة أغانٍ عن حلم الوافد النيوليبرالي من صحراء العرب (مروراً ببادية الشام)، الذي يؤرقنا اليوم بعد 15 عاماً من رحيله. «الروتانية» لمن لم يعاصرها هي عبارة عن تغليب الاستعراض والفوتوشوب والفلاتر الصوتية على الموهبة والفن. في النسخة السياسية من روتانا، الصورة والإخراج المبهران غطّيا على المحتوى. والحلم لم يكن إلا خدعاً ترويجية تمجّد الاستثناء اللبناني، رغم أن النموذج الذي طُبّق علينا طُبق على عشرات الدول الأخرى حول العالم، كلها استثنائية بطبيعة الحال.
«استدِن تنمُ» كان شعار المرحلة، ضارباً بعرض الحائط الحكمة الأزلية بأن تراعي حجم بساطك عندما تمدّ رجليك، خاصة في أيام البرد القارس هذه. بصرف النظر عن النيات المبيتة وموازين القوى بين الدائن والمدين ومن كان يمتلك الفائض المالي ليتكرّم علينا به في حينها، كان الحديث دائماً عن إنماء وإعمار ونمو وازدهار. وكان الحلم صوراً جميلةً لناس يتوظفون في مكاتب يلبسون بدلات مكويّة وربطات عنق خانقة، وهي التي كان يجب أن نستشرفها كإنذار لما هو آتٍ. إن كان جزءٌ من زيّ عملك مشنقةً محمولة فذلك لا يبشّر بالخير. وطبعاً الفراش الحريريّ لا يلطخه شحم المصانع ولا وحل الحقول ولا عرق الجبين حتى.
أحد هؤلاء المربوطي العنق كان ولا يزال يُدعى فؤاد عبد الباسط السنيورة، وهو كان ولا يزال أكثر إنسان مكروه في تاريخ الجمهورية اللبنانية رغم استجداد منافسةٍ على اللقب من قبل شريكه في الجريمة المالية رياض سلامة. ارتبط اسم السنيورة بضريبة القيمة المضافة والسياسات التقشّفية، مبرّئاً بذلك رئيسه رفيق الحريري من تلك السياسات، وكرّس هذه البراءة الكورس الإعلامي المأجور لهذا الأخير. فبات رجل المالية شخصية مكروهة من الأفضل تجنّبها، وليقم بأعماله القذرة بعيداً عن أعين ومسامع الناس. واستمرّ طمس الحديث عن السياسات الاقتصادية في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية، التي تبث إلينا برعاية منظومة الاستفادة من الاستدانة، منذ ذلك الحين طالما الليرة بخير. لذلك لا تتفاجأ اليوم حين يخرج من يتعاطى الشأن العام ويطرح نفسه بديلاً ثورياً للسلطة القائمة ولا يعرف ما هي الـ«يوروبوندز» التي تكلفنا مليارات الدولارات سنوياً والتي علينا أن نقرّر إن كنّا نريد أن نسدّدها أم لا.
فجأة انهار سدّ الليرة المنيع وسال طوفان الأسئلة عن الوضع الاقتصادي والمالي من شعب عطشان حفن سنين، ولا ترويه إلا «شوفة» الخبير الاقتصادي. وشاءت الصّدف أن وطن الأرز يعجّ بالخبراء والاستشاريين الاقتصاديين والماليين الذين كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة ليسطع نجمهم. من سعيد عقل زماننا نسيم طالب إلى الطالب الجامعي الذي قرأ ملخص كتاب «اعترافات قاتل مأجور اقتصادي»، بات الجميع ينظّر في كيفية التعامل مع الانهيار. طبعاً هذه الظاهرة صحية إذ من الضروري أن يتكلّم الجميع في هذه القضايا المصيرية وألّا يقتصر النقاش على لابسي المشانق الحريرية.
مع اقتراب أوّل استحقاق لسندات اليوروبوندز في عهد الحكومة الجديدة (واليوروبوندز بالمناسبة هي سندات دين صادرة عن الدولة بعملة غير عملتها الوطنية، أي بالدولار الأمريكي في حالتنا)، اصطفّ الخبراء في خندقين بين المروّج لدفع الديون في وقتها حفاظاً على سمعة لبنان الائتمانية، وبين من يدعو لعدم الدفع حفاظاً على دولاراتنا الشحيحة. المصارف والمصرفيون، جماعة وأفراداً، مع الدفع وينضم إليهم جيش من الخبراء الذين يحاججون لهذا الخيار. طبعاً بما أننا لم نكن الاستثناء في اعتماد سياسة الإفراط في الاستهلاك في عهد صعود النيوليبرالية، ثمة أمثلة من حول العالم في كيفية التعامل مع الديون المتعثّرة. يلجأ خبراء مجموعة تسديد السندات في وقتها، لنسمّهم «لوبي الدَّين المؤبّد»، إلى أمثلة من ثلاثة بلدان لإثبات صوابية خيار الدفع في وقته.
المثال الأول هو فنزويلا. يقول اللوبي إن فنزويلا استمرّت في دفع مستحقاتها في وقتها إلى أن أعلنت الولايات المتحدة عن فرض عقوبات اقتصادية على كل من يتعامل مع البلد اللاتيني العصيّ عن هيمنتها. تبرير «لوبي الدَّين المؤبّد» هو أن فنزويلا كانت تخاف تداعيات التخلف عن الدفع وما قد تؤدي إليه المعارك القضائية في محاكم نيويورك. لكن ما يتجاهله هذا التبرير هو أنه كان لفنزويلا الكثير من الاستثمارات في الولايات المتحدة (منذ ما قبل الثورة البوليفارية) وأبرزها مصفاة نفط في تكساس وسلسلة محطات بنزين كبيرة تدرّ على فنزويلا أرباحاً مهمة وعملة صعبة ضرورية. في النهاية، أصدر امبراطور البيت الأبيض مرسوماً رئاسياً جمّد فيه أصول فنزويلا، من دون ضرورة اللجوء إلى أي محاكم. لبنان لا يملك شركات نفط في الولايات المتحدة، والتهويل بمحاكم نيويورك ليس إلا ذلك، تهويل. واشنطن قد تعاقب لبنان لتضغط علينا سياسياً لسبب واحد وهو عدم انبطاحنا أمامها، لكن ذلك سوف يحصل في حال دُفعت اليوروبوندز أو لم تدفع.
الحالة الثانية هي اليونان. اليونان دفعت ديونها الخارجية بالكامل تفادياً لما قد يترتّب على تخلفها. لكن ذلك حصل خلافاً لنتائج استفتاء شعبي عارض هذه الخطوة وهو بكل بساطة خيانة من قبل رئيس الحكومة «اليساري» ألكسيس تسيبراس لشعبه، ودفع ثمنها سياسياً وإن كان على الأرجح قد قبض ثمنها في مكان آخر. لا توجد حكومة تدّعي اليسارية هنا ولا استفتاء شعبياً، لكننا لا ننسى من يخون شعبه.
المثال الثالث هو في أجمل بلاد العالم، الأرجنتين. يقول «لوبي الدَّين المؤبّد» إن الأرجنتين فشلت في الحصول على قروض جديدة عندما قررت عدم الدفع ومواجهة الديون الجائرة. لا، يا شيخ! هذا ما نحلم به. معركة الأرجنتين مع الدائنين كانت طويلة وصعبة وشهدت انتكاسة في السنوات الخمس الماضية عندما عاد مبشّرو الدَّين المقدّس إلى الحكم بشخص موريسيو ماكري، لكنهم هُزموا هزيمة كاسحة في انتخابات تشرين الماضي في رسالة واضحة من الشعب الأرجنتيني ضد سياسات صندوق النقد الدولي بعد أن كانوا قد اختبروا 15 سنة من معركة تحرّر من الدَّين وأدركوا فوائدها. خلال هذه المعركة سطع نجم الخبراء الاقتصاديين وأصبحت إطلالاتهم التلفزيونية تجذب نسبة مشاهدة تفوق جاذبية أشهر الممثلين، ويتهافت الناس إلى إطلالاتهم المباشرة ولالتقاط الصور معهم. لكن عامل «روتانا» يلعب دوراً هنا أيضاً، وجمالية الصورة تطغى على المحتوى. بما أننا متجهون في هذا التوجه علينا التيقّظ لظاهرة السوبرستار الاقتصادي.
في مواجهة «لوبي الدَّين المؤبّد» توجد دعوات ينعتها النخبويون بالشعبوية وهي تقول بأنّنا لن ندفع. الواقع هو أنه لا يمكننا أن ندفع الدَّين. وإنْ سدّدنا دفعة اليوم، فلن نتمكّن من تسديد دفعة الغد. الواضح هو أن لا الحكومة ولا القوى السياسية تملك خطة مُحكَمة لمواجهة مرحلة مواجهة الدائنين والركود الاقتصادي القادمة. لكن خطوة عدم الدفع تربك المصارف والدائنين أكثر مما تربكنا، نحن أصحاب الودائع الصغيرة (إن وجدت حتى). هم اعتادوا أن ندفع تحت التهديد والتهويل، لكن لم يبقَ ما نخسره. إن اختفى مالنا فنحن نعرف كيف نجني غيره بعرق الجبين إذ اختبرنا ذلك من قبل، أمّا من كان ماله يصله دفعات خدمة دَين جائر، فهذا عليه أن يكتشف كيف يجني المال من جديد. نصيحة لهم: اخلعوا ربطات عنقكم فهي تقطع الأوكسيجين عن رؤوسكم، وأنتم بأمسّ الحاجة اليوم إلى حكّ أدمغتكم.
عدم سداد سندات اليوروبوندز هو الخطوة الأولى في معركة طويلة جدّاً للتحرّر من الدّين الجائر. «لوبي الدَّين المؤبّد» لن يختفي بل سوف يستشرس في الدفاع عن مكتسبات هذه المنظومة المتهالكة. نخبويتهم أوصلتهم إلى هنا، فليتحملوا شعبويتنا.

منذ تسعينيات القرن الماضي يتم تغييب المصطلحات الاقتصادية عن السردية الرائجة، وذلك عن قصدٍ لتمرير النهب الممنهج بدون أي معارضة مع تغليب اللغة «الروتانية» في التعامل مع الشأن العام. فنانو «روتانا» غنّوا الأسد حيناً والملوك والأمراء أحياناً، بينما يساريون سابقون تسابقوا لكتابة أغانٍ عن حلم الوافد النيوليبرالي من صحراء العرب (مروراً ببادية الشام)، الذي يؤرقنا اليوم بعد 15 عاماً من رحيله. «الروتانية» لمن لم يعاصرها هي عبارة عن تغليب الاستعراض والفوتوشوب والفلاتر الصوتية على الموهبة والفن. في النسخة السياسية من روتانا، الصورة والإخراج المبهران غطّيا على المحتوى. والحلم لم يكن إلا خدعاً ترويجية تمجّد الاستثناء اللبناني، رغم أن النموذج الذي طُبّق علينا طُبق على عشرات الدول الأخرى حول العالم، كلها استثنائية بطبيعة الحال.

«استدِن تنمُ» كان شعار المرحلة، ضارباً بعرض الحائط الحكمة الأزلية بأن تراعي حجم بساطك عندما تمدّ رجليك، خاصة في أيام البرد القارس هذه. بصرف النظر عن النيات المبيتة وموازين القوى بين الدائن والمدين ومن كان يمتلك الفائض المالي ليتكرّم علينا به في حينها، كان الحديث دائماً عن إنماء وإعمار ونمو وازدهار. وكان الحلم صوراً جميلةً لناس يتوظفون في مكاتب يلبسون بدلات مكويّة وربطات عنق خانقة، وهي التي كان يجب أن نستشرفها كإنذار لما هو آتٍ. إن كان جزءٌ من زيّ عملك مشنقةً محمولة فذلك لا يبشّر بالخير. وطبعاً الفراش الحريريّ لا يلطخه شحم المصانع ولا وحل الحقول ولا عرق الجبين حتى.
أحد هؤلاء المربوطي العنق كان ولا يزال يُدعى فؤاد عبد الباسط السنيورة، وهو كان ولا يزال أكثر إنسان مكروه في تاريخ الجمهورية اللبنانية رغم استجداد منافسةٍ على اللقب من قبل شريكه في الجريمة المالية رياض سلامة. ارتبط اسم السنيورة بضريبة القيمة المضافة والسياسات التقشّفية، مبرّئاً بذلك رئيسه رفيق الحريري من تلك السياسات، وكرّس هذه البراءة الكورس الإعلامي المأجور لهذا الأخير. فبات رجل المالية شخصية مكروهة من الأفضل تجنّبها، وليقم بأعماله القذرة بعيداً عن أعين ومسامع الناس. واستمرّ طمس الحديث عن السياسات الاقتصادية في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية، التي تبث إلينا برعاية منظومة الاستفادة من الاستدانة، منذ ذلك الحين طالما الليرة بخير. لذلك لا تتفاجأ اليوم حين يخرج من يتعاطى الشأن العام ويطرح نفسه بديلاً ثورياً للسلطة القائمة ولا يعرف ما هي الـ«يوروبوندز» التي تكلفنا مليارات الدولارات سنوياً والتي علينا أن نقرّر إن كنّا نريد أن نسدّدها أم لا.
فجأة انهار سدّ الليرة المنيع وسال طوفان الأسئلة عن الوضع الاقتصادي والمالي من شعب عطشان حفن سنين، ولا ترويه إلا «شوفة» الخبير الاقتصادي. وشاءت الصّدف أن وطن الأرز يعجّ بالخبراء والاستشاريين الاقتصاديين والماليين الذين كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة ليسطع نجمهم. من سعيد عقل زماننا نسيم طالب إلى الطالب الجامعي الذي قرأ ملخص كتاب «اعترافات قاتل مأجور اقتصادي»، بات الجميع ينظّر في كيفية التعامل مع الانهيار. طبعاً هذه الظاهرة صحية إذ من الضروري أن يتكلّم الجميع في هذه القضايا المصيرية وألّا يقتصر النقاش على لابسي المشانق الحريرية.
مع اقتراب أوّل استحقاق لسندات اليوروبوندز في عهد الحكومة الجديدة (واليوروبوندز بالمناسبة هي سندات دين صادرة عن الدولة بعملة غير عملتها الوطنية، أي بالدولار الأمريكي في حالتنا)، اصطفّ الخبراء في خندقين بين المروّج لدفع الديون في وقتها حفاظاً على سمعة لبنان الائتمانية، وبين من يدعو لعدم الدفع حفاظاً على دولاراتنا الشحيحة. المصارف والمصرفيون، جماعة وأفراداً، مع الدفع وينضم إليهم جيش من الخبراء الذين يحاججون لهذا الخيار. طبعاً بما أننا لم نكن الاستثناء في اعتماد سياسة الإفراط في الاستهلاك في عهد صعود النيوليبرالية، ثمة أمثلة من حول العالم في كيفية التعامل مع الديون المتعثّرة. يلجأ خبراء مجموعة تسديد السندات في وقتها، لنسمّهم «لوبي الدَّين المؤبّد»، إلى أمثلة من ثلاثة بلدان لإثبات صوابية خيار الدفع في وقته.
المثال الأول هو فنزويلا. يقول اللوبي إن فنزويلا استمرّت في دفع مستحقاتها في وقتها إلى أن أعلنت الولايات المتحدة عن فرض عقوبات اقتصادية على كل من يتعامل مع البلد اللاتيني العصيّ عن هيمنتها. تبرير «لوبي الدَّين المؤبّد» هو أن فنزويلا كانت تخاف تداعيات التخلف عن الدفع وما قد تؤدي إليه المعارك القضائية في محاكم نيويورك. لكن ما يتجاهله هذا التبرير هو أنه كان لفنزويلا الكثير من الاستثمارات في الولايات المتحدة (منذ ما قبل الثورة البوليفارية) وأبرزها مصفاة نفط في تكساس وسلسلة محطات بنزين كبيرة تدرّ على فنزويلا أرباحاً مهمة وعملة صعبة ضرورية. في النهاية، أصدر امبراطور البيت الأبيض مرسوماً رئاسياً جمّد فيه أصول فنزويلا، من دون ضرورة اللجوء إلى أي محاكم. لبنان لا يملك شركات نفط في الولايات المتحدة، والتهويل بمحاكم نيويورك ليس إلا ذلك، تهويل. واشنطن قد تعاقب لبنان لتضغط علينا سياسياً لسبب واحد وهو عدم انبطاحنا أمامها، لكن ذلك سوف يحصل في حال دُفعت اليوروبوندز أو لم تدفع.
الحالة الثانية هي اليونان. اليونان دفعت ديونها الخارجية بالكامل تفادياً لما قد يترتّب على تخلفها. لكن ذلك حصل خلافاً لنتائج استفتاء شعبي عارض هذه الخطوة وهو بكل بساطة خيانة من قبل رئيس الحكومة «اليساري» ألكسيس تسيبراس لشعبه، ودفع ثمنها سياسياً وإن كان على الأرجح قد قبض ثمنها في مكان آخر. لا توجد حكومة تدّعي اليسارية هنا ولا استفتاء شعبياً، لكننا لا ننسى من يخون شعبه.
المثال الثالث هو في أجمل بلاد العالم، الأرجنتين. يقول «لوبي الدَّين المؤبّد» إن الأرجنتين فشلت في الحصول على قروض جديدة عندما قررت عدم الدفع ومواجهة الديون الجائرة. لا، يا شيخ! هذا ما نحلم به. معركة الأرجنتين مع الدائنين كانت طويلة وصعبة وشهدت انتكاسة في السنوات الخمس الماضية عندما عاد مبشّرو الدَّين المقدّس إلى الحكم بشخص موريسيو ماكري، لكنهم هُزموا هزيمة كاسحة في انتخابات تشرين الماضي في رسالة واضحة من الشعب الأرجنتيني ضد سياسات صندوق النقد الدولي بعد أن كانوا قد اختبروا 15 سنة من معركة تحرّر من الدَّين وأدركوا فوائدها. خلال هذه المعركة سطع نجم الخبراء الاقتصاديين وأصبحت إطلالاتهم التلفزيونية تجذب نسبة مشاهدة تفوق جاذبية أشهر الممثلين، ويتهافت الناس إلى إطلالاتهم المباشرة ولالتقاط الصور معهم. لكن عامل «روتانا» يلعب دوراً هنا أيضاً، وجمالية الصورة تطغى على المحتوى. بما أننا متجهون في هذا التوجه علينا التيقّظ لظاهرة السوبرستار الاقتصادي.
في مواجهة «لوبي الدَّين المؤبّد» توجد دعوات ينعتها النخبويون بالشعبوية وهي تقول بأنّنا لن ندفع. الواقع هو أنه لا يمكننا أن ندفع الدَّين. وإنْ سدّدنا دفعة اليوم، فلن نتمكّن من تسديد دفعة الغد. الواضح هو أن لا الحكومة ولا القوى السياسية تملك خطة مُحكَمة لمواجهة مرحلة مواجهة الدائنين والركود الاقتصادي القادمة. لكن خطوة عدم الدفع تربك المصارف والدائنين أكثر مما تربكنا، نحن أصحاب الودائع الصغيرة (إن وجدت حتى). هم اعتادوا أن ندفع تحت التهديد والتهويل، لكن لم يبقَ ما نخسره. إن اختفى مالنا فنحن نعرف كيف نجني غيره بعرق الجبين إذ اختبرنا ذلك من قبل، أمّا من كان ماله يصله دفعات خدمة دَين جائر، فهذا عليه أن يكتشف كيف يجني المال من جديد. نصيحة لهم: اخلعوا ربطات عنقكم فهي تقطع الأوكسيجين عن رؤوسكم، وأنتم بأمسّ الحاجة اليوم إلى حكّ أدمغتكم.
عدم سداد سندات اليوروبوندز هو الخطوة الأولى في معركة طويلة جدّاً للتحرّر من الدّين الجائر. «لوبي الدَّين المؤبّد» لن يختفي بل سوف يستشرس في الدفاع عن مكتسبات هذه المنظومة المتهالكة. نخبويتهم أوصلتهم إلى هنا، فليتحملوا شعبويتنا.

المصدر: الأخبار

Mobile Ad - Image