لبنان ووباء الكورونا

  • مقالات
لبنان ووباء الكورونا

تحت عنوان "لبنان ووباء الكورونا" كتب د. مارك م. أبو عبدالله:

يواجه لبنان، وكما بقية دول العالم، ومنذ بضعة اشهر، كارثة بكل ما للكلمة من معنى، والتي تتجلى في مواجهة وباء كورونا. وبالرغم من ان ما يعيشه لبنان ليس غريبًا عن تاريخه، الذي تمتلئ صفحاته بأخبار كوارث مشابهة من طاعون ومجاعة مرورًا بجفاف وجراد وصولاً الى اوبئة أخرى، إلا انه مترافق اليوم مع أزمة اقتصادية ومالية بدأت ملامحها تلوح في الأفق منذ أقله ثلاث سنوات نتيجة السياسات الخاطئة المتبعة أكان في الخيارات الاستراتيجية ام في السياسة الاقتصادية. ونتيجة لذلك أضحى وقع مواجهة وباء كورونا شديدًا جدًا على لبنان، وهذا ما يدفعنا الى وضع ما يواجهه اللبنانيون اليوم في السياق التاريخي لتطور الازمة وذلك بهدف اخذ العبر الضرورية للتحضير لمرحلة ما بعد أزمة كورونا.

لقد أظهرت أزمة مواجهة وباء كورونا فداحة الهريان الحاصل في مؤسسات الدولة اللبنانية خاصة الطبية والاستشفائية منها، حيث ان النقص كبير في التجهيزات والمستلزمات الطبية، هذا عدا عن حال المباني وقلة عددها، ما ينعكس عجزًا لدى إدارات المستشفيات عن فصل المصابين بعدوى الكورونا عن غيرهم من المرضى. ويضاف الى ذلك عجز الدولة عن تأمين الفحوصات الطبية اللازمة بصورة مجانية لكافة المواطنين، خاصة وان تكلفة الفحص الطبي تشكل عائقًا امام الكثيرين، مما يُسّرع بالتالي في تفشي الوباء. ويُضاف الى هذه المشاكل الناتجة بصورة أساسية عن مجموعة تراكمات منذ عدة سنين، مسألة الحجر المنزلي. فطلب الحكومة من المواطنين التزام منازلهم يستوجب قيام هذه الاخيرة بمجموعة إجراءات اجتماعية تبدأ بتأمين مستلزمات العيش الضرورية من طعام وادوية وكهرباء وماء وهاتف وانترنت. وعدم قيام الحكومة بواجباتها هذه يحول دون التزام معظم المواطنين بالقرارات القاضية بالتزام المنازل طيلة أسبوعين او اكثر. وينسحب الهريان الحاصل في مؤسسات الدولة، والذي كشف عنه وباء كورونا، الى غياب تام وكامل لمراكز الأبحاث العلمية، التي كان من المفترض ان تلعب دورًا محوريًا أكان من خلال التحذير المسبق من انتقال تلك العدوى الى لبنان، او من خلال العمل على إيجاد العلاج المناسب للمصابين واللقاح الضروري لبقية الناس. تلكؤ الدولة عن القيام بواجباتها لمواجهة ازمة كورونا مترافق، وللأسف، مع حملة مزايدات شعبوية تقوم بها أحزاب السلطة. فهذه الأخيرة وبدل القيام بواجباتها منذ عدة سنين والمتمثّلة بتقوية مؤسسات الدولة الطبية والاستشفائية نراها اليوم تسارع في حملات توعية وتعقيم ومساعدات ميدانية، متحولة بالتالي الى مجرد جمعيات إنسانية وكشفية. في المقابل، لقد أظهر المجتمع انه سبق مسؤوليه بأشواط، وذلك من خلال العمل الجبار التي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني، وبعض المؤسسات الإعلامية والمواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. كما أن مواجهة هذا الوباء أظهرت صورة جديدة عن الوحدة الوطنية، إذ انها من بين المرات القليلة التي يقف فيها اللبنانيون صفًا واحدًا في مواجهة عدو لا يختلفون في مواقفهم حوله.

وبناء على ما تقدم، وبناء ايضًا على سياق تطور الاحداث في لبنان منذ انطلاق ثورة ١٧ تشرين، نعتقد ان مواجهة ازمة الكورونا لن تنتهي وكأن شيئًا لم يحدث، بل على العكس، فإنها ستترك آثار بالغة على كامل المنظومة السياسية التي حكمت لبنان منذ أقله ثلاثين عامًا. وسينتج وبطبيعة الحال تطورات، قد يكون بعضها في غير الحسبان بتاتًا، والتي يمكن ان تنقل لبنان الى مكان مختلف تمامًا عن الذي عرفناه في السابق او الذي نعرفه اليوم. ان مواجهة أزمة كورونا جعلت اللبنانيين يلمسون ان التهديد الحقيقي والاول لوجودهم ودورهم الحر والمتميز في المنطقة هو فقط وباء، وباء لا يمكنهم رؤيته بالعين المجردة، وباء يستطيع ان ينتقل بسهولة وان يتأقلم في اية ظروف وان يستمر حيًا لفترة زمنية طويلة نسبيًا. وبعد ذلك سيبدأ حتمًا اللبنانيون بطرح مجموعة تساؤلات حول دور وفعالية بعض الأيديولوجيات السياسية والعسكرية التي وضعها البعض خارج إطار منظومة الدولة والتي تبجحت انها قادرة على الدفاع عن لبنان وحماية شعبه. وقد تتطور هذه التساؤلات الى تشكيك مباشر بتلك الأيديولوجيات، خاصة وانها مترافقة مع تطور الاحداث في سوريا والتي أظهرت من ناحية، تحول قسم من اللبنانيين الى مجرد وقود في حرب الآخرين، كما أظهرت، ومن ناحية ثانية، ان العزلة الإقليمية والدولية المفروضة على لبنان ما هي إلاّ نتيجة الموقف الرسمي لهذا الأخير وتصرفه في موضوع الحرب في سوريا وبعض أزمات المنطقة. كما سيبدأ اللبنانيون بطرح تساؤلات ايضًا متعلقة ببعض الخطابات السياسية التي تضمنت وعودًا وخططًا همايونية. وقد تتطور هذه التساؤلات وتتحول الى تشكيك أيضًا بتلك الخطابات، وعندها سيدرك اللبنانيون انها مبنية، وللأسف، على المذهبية والمناطقيةوالتخويف من اللبناني الاخر، كما انها لم تكن مستندةقط على معطيات علمية، والدليل على ذلك انها لم تؤدي الى أي نتيجة ملموسة كان لها اثر ما وإيجابي على حياة اللبنانيين. لا بل على العكس أظهرت كافة الدراسات الاقتصادية ان سياسة التعطيل التي كانت هذه الخطابات اساسًا لها ساهمت وبصورة أساسية في تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية. وفي مجال آخر سيزيد حكمًا تشكيك اللبنانيين بالمؤسسات الدينية المختلفة، خاصة وأن هذه الأخيرة لم تقم الى يومنا هذا بلعب الدور المنوط بها والذي يُفترض ان يكون بحجم الكارثة. والجدير بالذكر ان ما سيدفع، بعد ازمة كورونا، اللبنانيين الى رفض كل الدعايات السياسية التي روّجت لها بعض أحزاب السلطة في الماضي هو حجم الكارثة الاقتصادية التي سيستفيق عليها اللبنانيون، ما قد يؤدي، خاصة وان لم تقم الحكومة بإجراءات عملية ومنتجة وسريعة، الى انفجار اجتماعي كبير.

وفي محصلة كل هذه التحولات، ان الثابتة الأساسية التي سيزداد الاقتناع بها اكثر فأكثر هي ان الدولة وحدها دون غيرها وبكامل مؤسساتها الدستورية والأمنية والقضائية هي القادرة على حماية كافة المواطنين اللبنانيين والدفاع عنهم وتحصيل حقوقهم جميعًا. فالوحيد اليوم القادر على حماية اللبنانيين هو حصرًا ذلك الذي يعمل على التخفيف من وطأة هذا الوباء كما ذاك الذي يحاول جاهدًا في مراكز الأبحاث العالمية من إيجاد اللقاح المناسب للقضاء على هذا الوباء.

المصدر: Kataeb.org

Mobile Ad - Image