لبنان ينتفض

  • مقالات
لبنان ينتفض

وفي ليل ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ خرج اللبنانيون الى الشارع ينتفضون ضد السلطة السياسية الحاكمة بسبب ما كانت تُحضر لهم من مشاريع ضرائب جديدة في موازنة العام ٢٠٢٠. إلا ان السبب البعيد لانتفاضة اللبنانيين هذه يعود الى فجور وكذب اهل السلطة واحزابها ومناصريها واتباعها. فجور لم يسبق ان عرفه لبنان يومًا في تاريخه، والذي وصل الى حدّ تهديد اللبنانيين بأغلى ما تمتعوا به على مر التاريخ إلا وهو الحرية. كذب اهل السلطة حوّل هذه الأخيرة الى مدرسة رائدة في توزيع الشهادات، متخطين بذلك اكبر مدارس الكذب في كافة الأنظمة الشمولية والدكتاتورية في العالم وعلى مر التاريخ.

 

إلا ان الذي يراقب تطور الاحداث منذ فترة يرى ان الانتفاضة هذه كانت قد بدأها حزب الكتائب وحيدًا ومنذ حوالي ثلاث سنوات ونيف، وتحديدًا منذ استقالة وزرائه من الحكومة في حزيران ٢٠١٦، والتي أتت كنتيجة طبيعية لتلكؤ الحكومة عن معالجة أزمة النفايات، وذلك، وكما اعلن النائب سامي الجميل، بسبب ان "الهدف الأول والأخير لأطراف الحكومة هو السمسرات". وبدأت الكتائب ومنذ ذلك الوقتمعركتها المفتوحة ضد أداء الطبقة السياسية، إذ قامت مصلحة الطلاب في الحزب في تنظيم اعتصام مفتوح أمام مكب برج حمود شارك فيه عدد كبير من طلاب وشباب الكتائب بالإضافة الى أعضاء المكتب السياسي ورئيس الحزب، رفضًا للصفقة التي عقدتها اطراف الحكومة والتي أسمتها عرضًا "خطة النفايات". وتحمل الكتائبيون مخاطر كبيرة على صحتهم جراء هذا المكبّ المخالف لكافة القوانين والشرائع البيئية، المحلية منها والعالمية. في المقابل، وبدل ان تعمل السلطة واحزابها الرئيسية على وضع خطة بيئية متكاملة لمعالجة ازمة النفايات قامت بتحوير الحقائق وكيل الاتهامات الزائفة وبالتهجّم على الكتائب وتاريخها الوطني على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الجيوش الالكترونية التابعة لها. كما وبدل ان تعمل اطراف الحكومة على وقف الهريان الحاصل في معظم مرافق الدولة تداركًا لانهيار محتمّ تنبأت له الكتائب، بدأت الأحزاب الرئيسية التحضير للمرحلة الثانية من حربها لمحاصرة الكتائب وعزلها بهدف إلغائها، والتي تجلّت في التسوية الرئاسية التي بدأت تظهر معالمها شيئًا فشيئًا منذ أوائل العام ٢٠١٦، والتي لم ترى فيها الكتائب الاّ تقاسم مغانم وحصص.

 

إلاّ ان الكتائب، وبالرغم من هذا الحصار، لم تُهادن، وبقي صوت رئيسها صارخًا في بريّة مجلس النواب. ففي مناقشة البيان الوزاري لحكومة سعد الحريري في كانون الأول ٢٠١٦، سأل النائب سامي الجميل :"بالطريقة التي نعمل بها ما الذي يفيد البلد والناس وما الذي لا يفيد"، في محاولة منه لتصويب تعاطي الحكومة منعًا للانهيار، إلا ان ذلك لم يكن، وللأسف، من ضمن حسابات اهل السلطة الجديدة. فأمعنت هذه الأخيرة في مخالفة القوانين والدستور أكان من خلال تمرير صفقات مشبوهة وإقرار مشاريع وخطط مخالفة لأبسط القواعد الدستورية. ففي ١٨ تموز ٢٠١٧، وقفت الكتائب وحيدة معارضة لآلية تمويل سلسلة الرتب والرواتب التي تضمنت فرض ضرائب جديدة من دون أي دراسة للأثر الاقتصادي. ولم تتلكأ الكتائب في الذهاب في معارضتها الى ابعد من ذلك، فتظاهرت في الشارع رافضةً تمويل السلسلة من جيوب ذوي الدخل المحدود، وتقدمت بمراجعة امام المجلس الدستوري للطعن بالمواد الواردة في قانون السلسلة والمتعلقة بفرض الضرائب. وربحت الكتائب الطعن هذا، إلا ان الحكومة واركانها عادوا والتفوا على هذا قرار المجلس الدستوري بطرق ملتوية. إلاّ انه ومن سخرية القدر ان أتت، وفي وقت لاحق، اعترافات اهل السلطة المتعلقة بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها كل من وزير المال ورئيس لجنة المال والموازنة النيابية في مشروع سلسلة الرتب والرواتب لتُثبت صوابية موقف حزب الكتائب في ان السلسلة لم تكن إلا رشوى دفعتها أحزاب السلطة لناخبيها.

 

بالرغم من ذلك، إلاّ أن الكتائب لم تُهادن واستمرت وفي النبرة ذاتها في المجلس النيابي تعترض على موازنات غير دستورية، وتتقدم بقوانين اصلاح جوهرية، ولعل ابرزها قانون "استرداد الأموال المنهوبة، الذي تقدم به النائب سامي الجميل الى المجلس النيابي في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٧. إلاّ ان النتيجة كانت المزيد من محاصرة الكتائب وعزلها، خاصة وبعد أن أضحى صوتها وصوت ورئيسها مُزعجًا. وبدأت بعد ذلك أحزاب السلطة التخطيط وبدقة لإخراج الكتائب بصورة نهائية من المجلس النيابي. إلا ان الكتائب، وبفضل مقاومة مؤيديها ومحازبيها لكافة اشكال الترغيب والترهيب، نجحت، ومن دون ان تتراجع قيد انملة عن مبادئها وتاريخها الوطني وهويتها الاصيلة، في إيصال ثلاث شبان من خيرة شباب لبنان الى المجلس النيابي. ولم ترى الكتائب في وصولها هذا الا محطة من محطات نضالها في محاربة الصفقات المشبوهة لأحزاب السلطة ومحاولة لإيقافها قدر المستطاع. وفي هذا الاطار اتى وقوف النائب الياس حنكش الشجاع على الأرض ضد صفقة المنصورية التهجيرية، المعروفة عرضًا بخطّ التوتر العالي، غير آبه بالمخاطر الأمنية ولا بما يمكن ان ينتج عن الوقوف في وجه منظومة فساد السلطة. وفي المجلس النيابي، عارض نواب الكتائب مشروع موازنة العام ٢٠١٩ غير الدستورية والمبنية على ارقام مغلوطة محذّرين من ان هذه الموازنة ستؤدي حتمًا الى الانهيار. ووقف النائب نديم الجميل في المجلس النيابي مدافعًا عن اكثر صفحة من تاريخ لبنان بياضًا ووطنية إلا وهي الرئيس الكتائبي بشير الجميل. واستمر نواب الكتائب، وكل من موقعه، في متابعة كافة الملفات في محاولة منهم لتصويب الامور، إلا ان تكتل أحزاب السلطة في وجههم حال دون تحقيق كافة أهدافهم. ولكن معارضة الكتائب بقيت كالنور الخافت في الظلمة الدامسة.

 

سيذكر التاريخ حتمًا ان انتفاضة اللبنانيين في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ بدأت فعلاً في حزيران ٢٠١٦ يوم استقالت الكتائب من حكومة "مرقللي ت مرقلك". وما كانت كرة الثلج هذه ان تكبر لولا معارضة الكتائب التي حافظت على الحدّ الأدنى من مقومات النظام الديمقراطي وما يتضمنه من حرية رأي وتعبير. وإن لم تنجح انتفاضة اللبنانيين هذه في تحقيق كافة أهدافها، إلا انها نجحت حتى اليوم في اسقاط ادعاءات اهل السلطة الكاذبة التي استخدموها لبناء مجد زائف، وفي إظهار صوابية كافة المواقف التي اتخذتها الكتائب والمبنية على الصدق والتجرد من المصلحة الخاصة والدراسات العلمية.

 

المصدر: Kataeb.org