لماذا الاصرار على الانتخابات النيابية المبكرة؟

  • خاص
لماذا الاصرار على الانتخابات النيابية المبكرة؟

امام المشهد المستفحل الذي يعجّ بالأزمات المتلاحقة التي لم يعد ينقصها سوى الجراد لتكتمل مأساة اللبناني، يبقى اللجوء الى الانتخابات النيابية المبكرة الأمل الوحيد لإنقاذ لبنان، لكن هل في الدولة حكماء ورجال دولة يتجرأون على اتخذا القرار؟

أكثر المتشائمين بعهد الرئيس ميشال عون لم يتوقع أن تمر سنوات الرئاسة وسط عقم سياسي واحتجاجات شعبية بمثابة عنوان "العهد القوي"، ووسط تظاهرات تكبل نواب تكتل الاصلاح والتغيير وتزايد عليهم في رفع تلك الشعارات للاقتصاص من الفساد، وافضل المتفائلين توقع ان يرى رموز الفساد خلف القضبان الحديدية كمؤشر لعودة الاموال المنهوبة الى خزينة الدولة.

عهد الرئيس ميشال عون اليوم محاصر بفضل الشروط الدولية المفروضة عليه لمساعدة لبنان على تخطي ازمته الاقتصادية من جهة، وبفضل التظاهرات الشعبية التي تقضّ مضاجعها في كل حي وزقاق، في الشكل حطّم الثوار أسطورة الرئيس القوي وهيبة الحكم، وفي المضمون انتقم الثوار من المنظومة الحاكمة ونجحوا بتقويض المؤسسات الرسمية، بحيث باتت جباية الضرائب ودفع المستلزمات المالية مغامرة أين منها مغامرات سندباد.

المجلس النيابي هو مصدر السلطات في نظام الحكم اللبناني، منه تنبثق كل السلطات التنفيذية والرقابية والرئاسية، لبنان كله اليوم مهدّم: الشعب فقد ثقته بالدولة ومؤسساتها، طوابير المهاجرين على ابواب السفارات، ثوار وبعد ان كانت ثورتهم سلمية من داخل المؤسسات باتت اكثر واكثر راديكالية رافضة لكل ما يمت للمؤسسات والدولة بصلة، المؤسسة العسكرية الاكثر احتراما في لبنان باتت تستهدف وتعتبر كجرد سد بشري تتحصن خلفه المنظومة الحاكمة للاستمرار.

لا الرئيس عون نجح في مساءلة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولم يحاول حتى وضع حد لمجلس الجنوب، وفشل في ضبط ايقاع مجلس الانماء والاعمار، والفشل الاكبر في عدم استرداد الـ 11 مليار دولار المتهم بهم رئيس الحكومة الاسبق فؤاد السنيورة، العهد القوي حتى الساعة نتائجه متواضعة، لا بل متواضعة جدا نسبة الى الشعارات التي رفعها لعقد من الزمن.

عودة الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة الرسمية والمصارف تحتاج الى معجزة ربانية، او انتخابات نيابية تعيد انتاج السلطة، المنظومة الحاكمة اقرت قانونا انتخابيا يقضي بشكل كامل على الاحزاب المعارضة لتوجهاتها، ويقضي ايضا على الشخصيات النيابية المستقلة في اروقته والتي كانت صمام امان المجلس منذ اعلان دولة لبنان الكبير. حتى في زمن العمالقة والكبار زمن الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميّل وشارل مالك وريمون ادة وسواهم لم ينحصر التمثيل النيابي بالحزبيين فقط، المنظومة الحاكمة اقرت قانونًا انتخابيًا شوّه المجلس النيابي وحجّم دوره ليتماشى مع تطلعات الحكام الجدد وأمانيهم، والاهم من التشويه البنيوي في تركيبة المجلس النيابي فشلت المنظومة الحاكمة بإدارة مقدّرات البلد واوصلت شعبها الى الفقر والجوع والعوز والافلاس، بحيث لم يعد ينقص المشهد سوى موجة الجراد ليتذكر اللبناني مجاعة عام 1914.

الانتخابات النيابية اليوم تعيد ترميم ما هدمته منظومة الفشل، تعيد لبنان الى حاضنة المجتمع الدولي الذي لم يترك لبنان في أدق المراحل والعواصف السياسية التي مرّ بها، تُعيد اللُّحمة بين المؤسسات الرسمية والشعب.

 الانتخابات النيابية اليوم واجب، لكن هل هناك داخل المنظومة الحاكمة حكماء، رجال دولة، قادرون على انتزاع قرار الذهاب الى الانتخابات النيابية من عنكبوت منظومة مستعدة لتدمير كل شيء كي تبقى في الحكم؟

المصدر: Kataeb.org