مؤتمر باريس للمانحين: منع سقوط الهيكل

  • محليات
مؤتمر باريس للمانحين: منع سقوط الهيكل

كتبت صحيفة الأخبار

لا تكمن «أهمية» مؤتمر باريس لـ«مُساعدة لبنان» في وجود «التفاف انساني» حول البلد بعد انفجار 4 آب، بل في الرسالتين السياسيتين اللتين خرج بهما. أولاً، نجحت باريس في إقناع الولايات المتحدة بأنّ سقوط الهيكل اللبناني يُعزّز النفوذ الإيراني داخله. وثانياً، بأنّ منع السقوط الكامل لا يعني تعويم السلطة القائمة بشكلها الحالي. مؤتمر لم يكن هدفه الأول جمع التبرعات، بدليل الرقم النهائي: أقل من 300 مليون دولار هي حتّى الساعة مُجرّد «تعهّدات»

36 دولة شاركت في «المؤتمر الدولي لمساعدة ودعم بيروت والشعب اللبناني» الذي عُقد عبر الانترنت، بتنظيم وإدارة فرنسيتين، و«مُباركة» أميركية. لم يوفد دونالد ترامب من ينوب عنه، بل شارك شخصياً، وأشار خلال اللقاء إلى «الروابط بين لبنان وأميركا»، مُشيراً إلى «أنّنا نعمل عن قرب مع فرنسا على معالجة آثار هذه الحادثة، وسنستمر، ومُلتزمون المساعدة على تخطّي الظروف الصعبة». يُشكّل ذلك فكّاً جُزئياً للحصار الذي كان مفروضاً على السلطة السياسية. وحتى لو كرّرت «الجهات المانحة» مراراً أنّ المساعدات ستذهب مُباشرةً إلى اللبنانيين، إلا أنه في النتيجة من دُعي إلى المؤتمر لم يكن «المجتمع المدني» أو المنظمات غير الحكومية، بل الرئيس ميشال عون، ونُسّق انعقاده مع رئاسة الجمهورية وخلية الأزمة في الحكومة، وحثّ السلطات القائمة على المباشرة بالاصلاحات التي وعدت بها الشعب. كما سلّم صندوق النقد «مطالبه» لمؤتمر المانحين، وهي عملياً خطوات يفترض أن تُقرّها السلطتان التنفيذية والتشريعية، ما يعني أنّ «تنسيقاً» مع مؤسسات الدولة سيفرض نفسه. هذه واحدة من رسائل المؤتمر الأساسية: «المجتمع الدولي» لا يُريد أن ينهار لبنان كلياً.

انفجار المرفأ أدّى إلى «صدمة» محلية وخارجية، ما استدعى تدخلاً على أعلى المستويات. لم تكن زيارة إيمانويل ماكرون إلى بيروت «هامشية»، والأمر نفسه ينطبق على زيارة رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي شارل ميشال، رغم أنّه عادةً ما يتم إيفاد مسؤول الشؤون الإنسانية في الاتحاد لمُعاينة الدول المنكوبة. الرسالة الثانية من المؤتمر عبّر عنها أول من أمس مسؤول في قصر الرئاسة الفرنسية لـ«رويترز»، نقل أن ماكرون أبلغ ترامب بأنّ «سياسات الضغط الأميركية يمكن أن يستغلها حزب الله». والمخاوف نفسها حذّرت منها «اسرائيل» سابقاً (راجع «الأخبار»، عدد 7 آب). فكانت «التخريجة» بمُساعدات تتعلق بـ«الأمن الاجتماعي»: الطبّ والصحة، التربية، الغذاء.
يُضاف إلى ذلك، غياب المواقف السياسية العدائية عن المؤتمر، باستثناء كلام مُمثلة دولة الامارات التي أعادت سرد الرواية الاسرائيلية، رابطةً بين المساعدات وسيطرة السلطة اللبنانية على المطار والمرفأ، «وتنفيذ القرار 1701 الذي يدعو إلى نزع سلاح كلّ المجموعات المسلحة».
لكن هذه «الالتفاتة» لا تعني «صكّ براءة» للسلطة، فقرار فرملة «إنعاش» الاقتصاد عبر التحويلات المالية لا يزال قائماً، وأبرز تجلياته كان المبلغ المُقدّم أمس، مُقارنةً بحجم الأضرار. فقد أعلن مكتب ماكرون أنّ فرنسا حصلت على تعهدات من الدول المُشاركة بقيمة 252.7 مليون يورو (قرابة 290 مليون دولار). النقطة الثانية أنّ المساعدة حُصرت بالمجال الانساني، أما في إعادة الإعمار فتحدّثوا عن «وضع لخطط»، تعتقد مصادر مُتابعة أنّه قد يتأخر تطبيقها إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وتعتبر مصادر دبلوماسية أنّه بعد «التضامن» مع الشعب اللبناني، تبقى العبرة في التنفيذ، «فالبارحة أُقرّت المساعدات، ولكن كم سيُصرف منها؟ ومتى؟ هل تؤجّل إلى ما بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية كما تُريد فرنسا؟».
البيان الختامي للمؤتمر نصّ على أنّ «الشركاء مستعدّون لدعم النهوض الاقتصادي والمالي للبنان في إطار استراتيجية لتحقيق الاستقرار، والتزام السلطات اللبنانية القيام سريعاً بالإجراءات والإصلاحات». وتوافق المؤتمرون على «أن تكون مساعداتهم سريعة وكافية ومتناسبة مع احتياجات الشعب اللبناني ومنسّقة جيّداً تحت قيادة الأمم المتحدة وأن تُسلَّم مباشرة للشعب اللبناني». انفجار بيروت شكّل «صدمة للشعب اللبناني ولأصدقائه وشركائه في الخارج»، لذلك «وبناءً على طلب لبنان، إنّ المساعدة من أجل تحقيق محايد وموثوق ومُستقل في انفجار 4 آب، تُشكّل حاجة فورية وهي مُتوفرة».
افتُتح المؤتمر بكلمة للرئيس الفرنسي بأنّ «علينا حشد كل القدرات الممكنة لمساعدة الشعب اللبناني». تحدّث عن تحقيق شفّاف، وكرّر كثيراً كلمة «الشعب اللبناني»، وأكّد أنّ «المساعدات يحب أن تذهب مباشرةً إلى حيث يحتاجها الناس على الأرض بمشاركة صندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى».

أما الرئيس ميشال عون، فأكد التزامه «تحقيق العدالة، وأن لا أحد فوق سقف القانون». وذكّر بتعهدّه «محاربة الفساد والاصلاح، ورغم كلّ العوائق، بدأت التدابير الملموسة وفي طليعتها التحقيق المالي الجنائي الذي لن يقتصر على مؤسسة واحدة».

من جهتها، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا إنّ انفجار بيروت «يأتي في وقت عصيب يعاني فيه لبنان من تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، تفاقمت بفعل الوباء». والمطلوب هو «وحدة الهدف في لبنان، وإلى أن تتحد جميع المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات». ومن الأمور المطلوبة: «أولاً استدامة الديون كأحد شروط الإقراض وأن يتسم النظام المالي بالملاءة. الذين سبق واستفادوا من العائدات المُفرطة يجب أن يتشاركوا أعباء إعادة رسملة البنوك لضمان حماية مدخرات المودعين. ثانياً، إقرار قانون يُشرّع ضوابط رأس المال في النظام المصرفي ويلغي نظام سعر الصرف المتعدّد. ثالثاً، إجراء تدقيق شامل في المؤسسات المفصلية ومنها المصرف المركزي. ورابعاً، إرساء شبكة موسعة للأمان الاجتماعي لحماية فئات الشعب اللبناني الأكثر هشاشة». وختمت بأنّها اللحظة «التي يتعيّن فيها على صنّاع السياسات اللبنانيين أن يقوموا بتحرّك حاسم. والصندوق على استعداد للمساعدة».

المصدر: الأخبار