ماذا تعلّم العرب من حرب أذربيجان وأرمينيا؟

  • إقليميات
ماذا تعلّم العرب من حرب أذربيجان وأرمينيا؟

كتب الناشط السياسي عامر جلول:

التطبيع، كلمةٌ أصبحت الأكثر تداولاً في "السوق" السياسي العربي وأصبحت واقعاً مريراً يكاد أن يكون لا مهرب منه، فالتقلبات الحاصلة في العالم العربي تظهر أن المنطقة مقبلة على تغييرات ثقافية وتحالفات إستراتيجية جديدة لمواجهة مشاريع إقليمية ذات طابع ديني لا يلتقيان إطلاقاً.
المشروع الأول هو المشروع الإيراني الأثنى عشري وتكملة الهلال الشيعي الذي تكلم عنه الملك حسين.
أما المشروع الثاني فهو المشروع التركي وهو استعادة أمجاد الدولة العثمانية.
طبعاً وذلك بسبب عدم وجود مشروع عربي واضح يتصدى لتلك المشاريع التي تعمل جاهدة بنظرهم إلى تقسيم المنطقة وإعادة إحياء الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية.
يعيش العالم العربي اليوم حالةً من الإنحطاط الفكري والسياسي الذي، بطبيعة الحال، أدّى إلى تفكك إجتماعي عامودي و أفقي. لن أدخل في تفاصيل أسباب الإنهيار الحاصل إن كان في اليمن أو العراق أو سوريا، ولكن تلك الظروف أدت بطبيعة الحال إلى تقوية رؤية الإسرائيلي الذي كان من خلال غاراته في سوريا أو العراق على المواقع الإيرانية يوجه رسائل للعرب بأنهم في خندقٍ واحد والعدو مشترك وهو الإيراني، وطبعاً فإن تركيا هي عدو أيضاً وذلك بسبب إتهامها بدعم الإخوان المسلمين، وهو عداءٌ يكاد لا ينتهي. وكما أن الصراع يعود جذوره إلى الثورة العربية الكبرى، ورغم كل تلك الخلافات العميقة، حاول وزير الخارجية الأسبق عادل الجبير تقريب وجهات النظر بين السعودية وتركيا، وقام بخطوة متقدمة لمواجهة الهلال الإيراني بإنشاء قمر سني مكون من تركيا ومصر والسعودية وباكستان وإندونيسيا. طبعاً هذا يتعارض مع المشروع الأميركي الإسرائيلي، فتم عزل الجبير من منصبه واختفى من المشهد السياسي.
هناك ظروف عدّة أيضاً ساهمت في عملية التطبيع التي بدأت مع الإمارات ثم البحرين ثم السودان لن أدخل فيها، ولكن العامل الأول هو مواجهة المشروع الإيراني والثاني هو التركي. بناءً على ذلك بدأت الامارات بتلك الخطوة بكل جرأة، تلتها البحرين وقد تكون السعودية هي الدولة المقبلة على هذه الخطوة، ولكن السؤال هل هذا التطبيع سوف يؤتي ثماره لمواجهة التمدد الإيراني والتركي؟
بعد أربعين يوماً من الإقتتال بين أذربيجان وأرمينيا وصلت المعركة إلى اتفاقٍ بطعم الهزيمة والإستسلام وكانت نهاية المعركة مؤلمة لأرمينيا التي كانت تستطيع أن تتفادى تلك الخسارة، ولكن بسبب رهانها الخاطئ على التحالفات والحلفاء وصلت إلى خسارة ما كسبته في 1994. طلبت أرمينيا مساعدة الروس وذلك بناءً على إتفاقية دفاعية مشتركة ولكن ردت روسيا بالقول إنّ الإتفاقية هي ضمن الأراضي الأرمينية، والعاصمة تحديداً، مما يعني أنها لن تستجيب لتلك النداءات وطبعاً الخطوة الروسية جاءت انتقاماً لميول أرمينيا نحو الغرب. أما فرنسا، والتي تربطها علاقات تاريخية مع أرمينيا مع عداءٍ مشترك مع الأتراك لم تحرّك ساكناً هي والولايات المتحدة. بالمقابل، فإن أذربيجان المدعومة من تركيا بقوة سلاح الجو والخبراء العسكريين إستطاعت أن تنهي المعركة لصالحها.

سوف يقول القارئ ما الرابط بين الموضوعين الأول والثاني؟
يعتقد العرب أن إسرائيل سوف تشنّ حرباً للدفاع عن الخليج ومصالحه وتدعم المشروع العربي ضد الإيرانيين والأتراك.. للأسف من لا يقرأ التاريخ لا يفقه الواقع ولا يتنبأ للمستقبل.
ما أردت أن أقوله إنّ العرب خسروا سوريا والعراق بسبب عدم تدخلهم المباشر لمواجهة المشروع الإيراني الذي لم يقف عند حدود إحتلال الجغرافيا إنما تغيير ثقافة المنطقة كلها وتشييعها وتغيير هويتها من خلال تدمير المساجد وبناء الحسينيات وشراء الأراضي والتهجير وغيرها. اكتفوا بالدعم المالي للفصائل السورية لمحاربة بعضها البعض، واليوم وصلت الثورة السورية إلى مشارف النهاية وتم تهجير الملايين من السوريين. أما الأتراك، إن كان في سوريا أو ليبيا أو أذربيجان، فأرسلوا جنودهم وطائراتهم وخبراءهم العسكرييين.
أرمينيا اليوم تشبه العرب تماماً. إنتظروا روسيا والغرب ليساعدوهم في مواجهة أذربيجان المدعومة تركيّاً وهذا ما لم يحصل
في السياسة، ليس هناك صديقاً دائماً ولا عدوّاً دائماً، بل هناك مصالح دائمة. السياسة لا تنفع في استرداد ما خسرته في الحرب. أنور السادات فهم اللعبة وقام بحرب أكتوبر 1973 من أجل استرداد سيناء من الإسرائيلي الذي لا يفهم إلا لغة القوة، ثمّ دخل في مفاوضات للسلام منطلقاً من عبارة "أنها حرب تحريك وليست حرب تحرير".
العرب اليوم يكررون الخطأ نفسه. يدفعون فقط المال من دون خطة ومشروعٍ واضح ويستندون على حلفاء يتركونهم وفقاً للمصالح الجيوسياسية والإقتصادية. دفعت السعودية للأميركيّين 460 مليار دولار ولم تحظَ بالمطلوب في حربها في اليمن ولا في الدفاع عن منشآتها النفطية أرامكو.
سوف يبقى العالم العربي مقسّماً وسوف يزداد التقسيم اكثر واكثر ان لم يواجه تلك المشاريع بإيجاد مشروع عميق يستطيع ان يستنهض الامة ثقافيّاً وفكريّاً، ويعمل على إعداد شبابها.

المصدر: MTV