مجزرة السدود، تابع: مجزرة سدّ المسيلحة

  • مقالات
مجزرة السدود، تابع: مجزرة سدّ المسيلحة

قامت وزيرة الطاقة والمياه، ندى البستاني، في ٦ كانون الثاني ٢٠٢٠ بزيارة تفقدية الى مشروع سدّ المسيلحة

قامت وزيرة الطاقة والمياه، ندى البستاني، في ٦ كانون الثاني ٢٠٢٠ بزيارة تفقدية الى مشروع سدّ المسيلحة بالقرب من مدينة البترون. وفيما قالته خلال جولتها: "وصلت المياه المعبأة فيه إلى حوالي مليوني متر مكعب، وتعتبر ثلث القدرة الاستيعابية النهائية، وهو السدّ السادس الذي ينتهي في لبنان". إلاّ انه فات على الوزيرة المذكورة ان سدّ المسيلحة هو عبارة عن مجزرة بيئية بكل ما للكلمة من معنى، فهو، اولاً، مخالف للقوانين البيئية المرعية الاجراء كما للمواثيق الدولية المتعلقة بالبيئة والاحتباس الحراري التي وقّع لبنان على معظمها ومن ضمنها اتفاقية باريس في ١٢ كانون الأول ٢٠١٥. من بين المخالفات القانونية المرتكبة من قبل الدولة اللبنانية ممثلة بوزارة الطاقة والمياه عدم قيام هذه الأخيرة بالطلب من وزارة البيئة القيام بدراسة اثر بيئي للموقع. وتكمن أهمية دراسة الأثر البيئي في منطقة المسيلحة تحديدًا في انها كانت من المفترض ان تضم ايضًا مسحًا اثريًا شاملاً. ولهذا المسح مكانة علمية مميزة، إذ نظرًا لغنى المنطقة بالمنشآت الاثرية ونظرًا لأنها مذكورة في عدد من حوليات الملوك ورسائلهم، فهي تختزن في ارضها ثروة اثرية كبيرة.

 

تعود الأهمية التاريخية لهذه المنطقة، إلى انها كانت تشكل حاجزًا طبيعيًا حال دون مرور الغزوات العسكرية من الشمال نحو الجنوب، وهذا ما سمح للمنطقة الواقعة جنوبي رأس الشقعة، وتحديدًا مدينة جبيل، ان تنعم بسلام واستقرار سياسي نسبي سمحا لها بالنمو والتطور، ما مكّنها بالتالي من تطوير الحياة الثقافية داخل اسوارها، ومن اكتشاف سكانها للأبجدية. اما فيما خصّ مدينة البترون، التي، ووفق رواية المؤرخ اليهودي الروماني، يوسيفوس فلافيوس في القرن الأول للميلاد، فقد قام ملك صور ايتوبعل ببنائها في أواسط القرن التاسع قبل الميلاد. وأتى تأسيس الملك الصوري لهذه المدينة في ذلك الموقع، نظرًا لما يتمتع هذا الأخير من أهمية استراتيجية، فهي محمية من الجبال من جهة الشمال كما من جهة الشرق، ويسمح لها البحر من جهة الغرب بالتواصل مع العالم الخارجي. أما فيما خصّ منطقة قلعة المسيلحة، فتشير دراسة للدكتور حسّان سلامة سركيس انه "وبعد الزلازل الكبير الذي ضرب لبنان في أواسط القرن السادس الميلادي، اصبح التواصل بين البترون من جهة والهري-طرابلس من جهة ثانية محكومًا بعبور مسالك وادي المسيلحة". من هنا، وحسب الدكتور سركيس، برزت أهمية موقع صخرة المسيلحة على الصعيد الاستراتيجي باعتباره يشكّل نقطة انطلاق من سهل البترون باتجاه الشمال، ونقطة وصول بالنسبة الى القادمين من الشمال باتجاه البترون وجبيل وسائر المناطق الواقعة الى الجنوب من راس الشقعة. الامر الذي يفسّر إقامة برج مراقبة عليها بهدف مراقبة الطريق الذي يصل الساحل البتروني بساحل الهري. وتشير بعض المصادر التاريخية ان منطقة قلعة المسيلحة، عرفت السكن قبل وصول الفرنجة اليها وبناء القلعة الشهيرة فيها في أوائل القرن الثاني عشر. كان للمسح الاثري، ولو أُجريَ، قيام علماء الآثار بالكشف عن الثروة الاثرية، لكي يتمكّن علماء التاريخ من دراستها وتحليلها ومقاربتها مع بقية المصادر تُساعد في كتابة وإعادة كتابة تاريخ المنطقة، نظرًا لترابط تواريخ البترون ورأس الشقعة وحصن المسيلحة وتوضّعاتها الجغرافية ومصائرها ترابطًا عضويًا عبر العصور. 

 

إلا أنه وبالرغم من هذه الأهمية التاريخية لمنطقة المسيلحة، بقي بعض المسؤولين مصرّين، ولمصالح محضّ شخصية، على إنشاء هذا السدّ ضاربين بعرض الحائط كافة القيّم العلمية التاريخية كما القوانين المحلية والمواثيق والشرائع الدولية. فأدت سياستهم هذه الى طمس المعالم الاثرية وخسارة اللبنانيين لجزء مهم واساسي لتاريخهم، وهم الذين يفاخرون بتاريخهم الحضاري الممتد الى اكثر من ستة الالف سنة. بالإضافة الى ذلك، ان السدّ يفتقد لأدنى المقومات العلمية، إذ ان نوعية الأرض في تلك المنطقة لا تسمح بتخزين المياه لفترة زمنية طويلة، فهي ستتسرب حكمًا الى باطن الأرض. أما المياه التي ستبقى في البحيرة، فسيكون لها اضرار بيئية كارثية، لأن وجود البحيرة سيؤدي الى ضرب التوازن الايكولوجي للمنطقة، والى المساهمة في التبدل المناخي. هذا فضلاً عن التكلفة المالية الباهظة للسدّ مقارنة مع اعتماد حلول أخرى اكثر عملية وأقل كلفة. إذ وفق رئيس المجلس العالمي للمياه، لويك فوشون، انه ونظرًا لما ينتج عن السدود من اضرار بيئية لا تُحصى ولا تُعدّ، فقد انتهى عصر السدود منذ زمن وذلك لصالح استثمار المياه الجوفية بشكل مستدام وإعادة تكوين التنوع البيولوجي لأحواض الأنهر، مع تنويع المصادر غير التقليدية للمياه وترشيد استهلاكها.  

 

في الختام، كان أجدى على وزيرة الطاقة والمياه، وبدل التلهي بحملة إعلانية ودعائية على حساب خزينة الدولة اللبنانية تذكرنا بأيام الأنظمة الشمولية والاستبدادية، ان تقوم وفريقها السياسي المسيطر على اغلب مفاصل الدولة، تحمل مسؤولية ما آلت اليه الأمور من انهيار اقتصادي وكوارث اجتماعية.

 

 

المصدر: Kataeb.org