مقاربتان لإعتداء طرابلس الإرهابي

  • محليات
مقاربتان لإعتداء طرابلس الإرهابي

نكّس لبنان فَرَحَهُ في عيد الفطر بعد الانتكاسةِ الأمنيةِ التي هبّت من عاصمة الشمال طرابلس مع العملية الإرهابية المُريبة التي نفّذها عبدالرحمن مبسوط ليل الاثنين - الثلاثاء وسَقَطَ فيها عنصران من الجيش اللبناني (أحدهما ضابط) وعنصران من قوى الأمن الداخلي وانتهتْ بتفجير الإرهابي نفسه بعد محاصرته داخل إحدى الشقق السكنية التي لجأ إليها.
وفيما شكّل هذا الحادث الإرهابي أول خرْقٍ للاستقرار الأمني منذ العام 2016 (تفجيرات القاع)، فإنّ أوساطاً مطلعة توقّفت عند مقاربتيْن أعقبتا «الهجمة - الصدمة»:
* الأولى تعاطتْ معها على أنّها من صُنْع «داعش» وبتنفيذٍ من «ذئب منفرد» مستدلّة على ذلك من أن المبسوط سبق أن التحق بـ «داعش» في سورية وأوقف في لبنان العام 2016 وحُكم عليه بالسجن لسنة ونصف السنة ليَخْرج في 2017، وأنه خلال تنفيذ العملية كان يرتدي حزاماً ناسفاً عاد وفجّره بنفسه، وسط أسئلة حول إذا كان الإرهابي جزءاً من «خلية داعشية» نائمة وهل تلقى تعليمات بالتنفيذ من خارج الحدود وهل من متعاونين معه في الداخل وفّروا له الدعم اللوجستي.
ومعلوم أن «عملية المبسوط» (وهو من أبناء طرابلس) الذي كان يمتطي في «مهمته الإرهابية» دراجة نارية وفي حوزته رشاشاً وقنابل يدوية، بدأتْ قرب سرايا طرابلس حيث رمى قنبلة يدوية على نقطة حراسة لقوى الأمن الداخلي، ليتوجّه بعدها إلى مرفأ طرابلس ويطلق النار على مركز للجيش، ثم ينتقل الى مدخل الميناء ويترجّل عن دراجّته ويفتح النار عن قرب على سيارة دورية لقوى الأمن الداخلي ما أدى إلى مقتل أحد عناصرها (جوني خليل) وإصابة آخر بجروح بالغة (يوسف فرج الذي فارق الحياة لاحقاً) وكلاهما أصيبا غدراً في الرأس.
ولم تتوقّف «آلةُ القتل» اذ ركب المبسوط درّاجته مجدّداً ليجد نفسه أمام دورية للجيش فبادرها بإطلاق النار ما أدى إلى مقتل عسكري (ابرهيم محمد صالح)، وجرْح آخرين، قبل أن يمْضي في شوارع طرابلس وسط مطاردة من عناصر الجيش وقوى الأمن ما جعله يدخل بناية الإيعالي ويتحصّن في إحدى الشقق في الطبقة الرابعة، وتبدأ «المواجهة» مع قوة من الجيش قررت اقتحام مكان وجوده ما أدى إلى إصابة ضابط برتبة ملازم أول (حسن علي فرحات) توفي لاحقاً. وبعد «كرّ وفرّ»، تمكّن الجيش من دخول المبنى وفجّر مبسوط حزامه الناسف بنفسه، وفق بيان صدر عن قيادة الجيش.
* والمقاربة الثانية لاحظتْ أن «عملية المبسوط» أَبْرَزَتْ فوارق مع النمَط «الداعشي»، وتحديداً لجهة كونها «عشوائية» في طريقة التحرك والتنفيذ وحصْرِ «بنْك الأهداف» بالمؤسستين الأمنية والعسكرية من دون أي استهداف للمدنيين الذين كانوا «بمتناول اليد» ولا لمراكز عبادة مسيحية موجودة في المنطقة، وتَفاديه أخْذ رهائن في المبنى الذي تَحَصَّن فيه واختياره شقّة لم يكن قاطنوها فيها لحظة دخوله إليها عنوة وذلك بعدما كان طرق أبواب شقق عدة صارخاً «انا جريح» ولم يُفتح له.
كما قام المبسوط، الذي جرى التداول بشريط فيديو له وهو يوثّق رسالته الأخيرة قبل تنفيذ عمليته الإرهابية قائلاً «أوصيكم وبنفسي بتقوى الله، إننا لا نريد مالاً ولا جاهاً إنما نريد رضى الله عز وجلّ»، بترْك رسالةٍ على المرآة الى صاحب الشقة التي اقتحمها كتب فيها «سامحني أخي المسلم قدر الله، أحبك فـ لله لم أقصد»، وذلك بعدما كان أبلغ زوجته بالهجوم وبأنها طالق في تسجيل صوتي عبر «واتساب» (نقل مضمونه تلفزيون «ام تي في») جاء فيه: «مايا حبيبة قلبي الله يكرمك يا رب... سامحيني إن كنت في حقّك مقصر... الآن أنا ذاهب الى غزوة في سبيل الله... انت طالق...».
وفيما شكّل الحزام الناسف نقطة ارتكاز في المقاربة الاولى، فإن روايةَ أن قنبلةً يدوية هي التي قتلت المبسوط، من دون جزم أصحابها إذا كان هو فجّرها بنفسه أو انفجرت به بعد إطلاق النار عليه، ترتكز عليها المقاربة الثانية.
وبين هذه وتلك، برز حرص من وزيرة الداخلية ريا الحسن التي تفقّدت منطقة طرابلس برفقة المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان على تأكيد ان العملية فردية «ووضعنا حداً لها ونتمنّى ألا تتكرّر ويجب أن تكون هناك جهوزيّة كاملة».
بدوره أكد عثمان «أن هذا الشخص (المبسوط) كان في حالة نفسية غير مستقرة، وبالتالي عمله فردي».
ولم تكد بيروت أن «تتوهّم» بأن هذا التطور الأمني سيفرض على مختلف الأفرقاء لملمة التصدعات السياسية للتفرّغ للخفايا التي ربما تحملها عملية يُخشى أن تكون «غب الطلب»، حتى بدا أن هذه الانتكاسة الأمنية ستقارَب على وهج الاستقطاب السياسي لتشكّل «وقوداً» إضافياً في تسعيره، ولا سيما في ظل المؤشرات الآتية:
* مسارعة وزير الدفاع الياس بو صعب الى إبراز التباين مع الحسن وعثمان، مؤكداً «ربما كان مخطط الانتحاري أكبر من الذي حصل، والعملية ما زالت غامضة وغير واضحة»، منتقداً ضمناً الحريري «الذي لم يتصل بي بعد الحادث الأمني ولست منتظراً أن يتصل، وهو ربما يعتبر نفسه معني بقوى الأمن الداخلي أكثر»، قبل أن يعلن «سأطلب إجراء تحقيق لتبيان كيف أوقف المبسوط وكيف حُكم وكيف خرج من السجن ومَن أخرجه»، لافتا الى «ان كل الضغوط السياسية على القضاء لاخلاء سبيل الارهابيين، التي نسمع عنها، بانت نتائجها بعملية طرابلس».
* مبادرة أوساط الحريري الى الردّ على ما بدا محاولةً لتوظيف «عملية المبسوط» في إطار الصراع السياسي، اذ عمّم «تيار المستقبل» موقفاً لمصدر حكومي رفيع رداً على سؤال حول ما يثار بشأن حادث طرابلس، أكد أن«الرئيس الحريري رئيس الحكومة اللبنانية ورئيس كل الوزارات ولا يحتاج لدروس في الاصول والمسؤوليات من أحد وهو ومعني بالاهتمام بكل المؤسسات شاء من شاء وأبى من أبى، والتصويب على قوى الأمن الداخلي والكلام الذي يتكرر عن التمييز بين القوى العسكرية والأمنية يعبّر عن ضيق صدر تجاه الانجازات التي تتحقق، وبدل ان يتلهى البعض بالعودة الى احاديث ممجوجة عن ضغوط على القضاء لإطلاق الارهابي الذي نفذ جريمة طرابلس وما الى ذلك من تلفيقات، والايحاء بأن طرفاً سياسياً قام بذلك بغطاء من شعبة المعلومات، فان الأجدر بهذا البعض ان يشارك في تضميد جراح أهالي العسكريين والتوقف عن بخ المعلومات المسمومة، ولن يكون مسموحاً بعد اليوم السكوت على مواقف غير بريئة، ولن يكون مقبولاً، لاي سبب وتحت أي ظرف، أن يتولى اي وزير او مسؤول مهمة اقامة شرخ بين المؤسسات العسكرية والأمنية».
وبدا أن هذا التراشق الحاد مرشح الى مزيد من التفاعلات لا سيما بعد إعلان بوصعب أن«ملف المبسوط» وملابسات إطلاقه ستكون محور الاجتماع الأمين الذي ترأسه عون بعد ظهر أمس بغياب الحريري الذي كان ما يزال في السعودية.

المصدر: الراي الكويتية