مقالات

جنبلاط الخارج من الكسّارة!

وجوهُ الجالسين في حضرة الرئيس نبيه بري، سواء من الاشتراكي أو من «حزب الله»، كانت تعبِّر تماماً عن الواقع، وكذلك وجوهُ الذين تحدثوا بعد اللقاء. بَدا معظمها كلوحة «الموناليزا». يمكن أن تقرأه بتفسيرات متناقضة، لكنّ المهم بالنسبة إلى المختارة أنّ اللقاء حصل، وأنّ زعيمها وليد جنبلاط تجاوز قطوعاً كبيراً... أكبر بكثير من المختارة، وكسّارة عين دارة! تقول الأوساط القريبة من جنبلاط إنه لن ينسى أبداً ما فعله الصديق بري هذه المرّة، فالتجربة التي عاشها أخيراً كانت أشدّ قساوة عليه من أي تجربة أخرى، منذ 7 و8 أيار 2008، التاريخ الذي دفعه إلى الخروج عن خطّ 14 آذار والتموضع «وسطياً»، حمايةً للرأس والزعامة. ADVERTISING inRead invented by Teads أكثر من ذلك، إنّ المناخ الذي يسود الجبل منذ حادثة قبرشمون لا يدعو إلى الارتياح تماماً، ولاسيما حيث القرى الدرزية والشيعية متجاورة: من كيفون والقماطية نزولاً إلى الشويفات والعمروسية. ويسجّل الجانب الاشتراكي دينامية لافتة لـ«الحزب» في هذه المناطق، علماً أنّ لجان التنسيق المحلية في القرى، تأخذ على عاتقها إزالة الشوائب حتى الصغيرة، لئلّا تقود أي حادثة شخصية وعفوية إلى اصطدام أكبر. إلتقطت «أنتينات» جنبلاط مسعى جدياً إلى محاصرته وعزله، هو والدكتور سمير جعجع، والرئيس سعد الحريري إذا لم يلتزم ضوابط التسوية التي جاءت به إلى السراي. ويدعِّم جنبلاط معلوماته من خلال جولات الاستطلاع الخارجية التي يقوم بها في هذه الفترة، وكان آخرها في القاهرة. إستنتج جنبلاط أنّ المعطيات القائمة على الساحة المحلية ربما تتيح لبعض القوى أن ينفّذ بنجاحٍ عملية عزله، في لحظة التَخلّي الإقليمية والدولية، على رغم التحذير الذي صدر عن السفارة الأميركية. فغالباً ما كانت اعتبارات القوى الداخلية أسرع وأفعل من اعتبارات القوى الخارجية على الساحة اللبنانية. وهو لذلك تلقّى نصائح من «أصدقاء» بالمسارعة إلى استيعاب الموقف قبل فوات الأوان. فعمل على 3 خطوط في وقتٍ واحد: لقاءان للتبريد مع «حزب الله» وعون - باسيل، وتجميد للقاء مع جعجع، لئلّا تفسّر زيارته للجبل وكأنها تحدٍّ سياسي لمحور «حزب الله» وحلفائه. لن يتخلى جنبلاط عن جعجع، لأنه الوحيد الذي «يحلب صافي» معه سياسياً، والذي يتفهَّم حاجته إلى المناورة وحماية الرأس. كما أنّ القاعدة «القواتية» في الجبل تتصرف بمنتهى التعاون مع الاشتراكيين، ولا تقحم نفسها في مسائل الزعامة الدرزية، كما يفعل «التيار الوطني الحرّ». ولذلك، سيعود جعجع إلى جولته الجبلية، لاحقاً، عندما يزول أي التباس حولها. ولكن، ماذا يريد جنبلاط اليوم؟ يقول العارفون: منذ ان انتهت انتخابات 2009 النيابية، بغالبية لـ14 آذار، دخل «حزب الله» في تفاهم جديد مع جنبلاط، بضمانة الرئيس بري، يهدف إلى إضعاف تلك الغالبية، ويقوم على الآتي: يخرج جنبلاط من 14 آذار ويتموضع سياسياً في كتلة وسطية. ويطوي خطاب 2005 الناري ضد السلاح والتحكُّم بقرار الحرب والسلم ومسائل الحدود، على أن يحتفظ بموقفه من النظام في سوريا. وأما تموضعه في الملفات الداخلية فيأتي «على القطعة»، إلى جانب «حزب الله» أو خارجه. وفي المقابل، يضمن «الحزب» أن يتعامل مع جنبلاط بصفته الزعيم الدرزي الأقوى، فلا يعمد الى تقوية إرسلان أو وهّاب على حسابه. وتكون له الحصّة الأساسية في تمثيل الطائفة في المجلس النيابي والحكومة والإدارات. وضمن هذه المعادلة، اكتسب جنبلاط موقع «بيضة القبّان» التي سمحت له بأن يكون جزءاً فاعلاً في القرار السياسي. وبقي هذا التموضع قائماً حتى الصدمة الأخيرة، في نيسان الفائت، عندما أعلن جنبلاط موقفه القنبلة: «مزارع شبعا ليست لبنانية. وبعض الضباط اللبنانيين، في مرحلة التحرير عام 2000، استبدلوا الخرائط بالتعاون مع ضباط سوريين، لإبقاء ذرائع التحرير في يد سوريا وغيرها». وفوق ذلك، انتقد جنبلاط «حزب الله» لدخوله في خصومة مباشرة مع السعودية، خلال حرب اليمن، وقال: «كان يمكننا تفادي ذلك». عن هذا الموقف يقول «حزب الله»: هل علينا أن نفهم أنّ جنبلاط يستهدفنا في سياق الحملة الأميركية علينا وعلى إيران؟ فإذا كان الأمر كذلك، سنواجهه ونُحبط مسعاه. لكنّ الأوساط الاشتراكية تنفي تماماً هذا الربط، وتذكِّر بأنّ «الحزب» هو الذي شجّع حلفاءه، ولاسيما «التيار الوطني الحرّ»، على أن يستقووا عليه في عملية تأليف الحكومة و»يلعبوا» بالساحة الدرزية. وموقف «الحزب» من حادثة قبرشمون يؤكد ذلك. وهذا الأمر يجب إيضاحه وتصحيحه في المرحلة المقبلة، تثبيتاً للتهدئة. وفي اعتقاد المطّلعين أنّ هدف جنبلاط من لقاء التبريد مع «الحزب» في عين التينة، هو العودة إلى «الستاتيكو» السابق. فالهواجس عصفت به في الأشهر الأخيرة، وأول الأهداف وَقف تلاعب «الحزب» وحلفائه بالساحة الدرزية، والتوقف عن استثمار ورقة إرسلان على حساب المختارة. وهذا يعني أن يبلغ «الحزب» حليفه «التيار» بوقف الضغط على جنبلاط. وعلى الأرجح، لقاء اللقلوق «الفوري» جاء ترجمة لذلك. وفي المقابل، سيتراجع جنبلاط عن نغمة مزارع شبعا، ولن يوجّه انتقادات جديدة إلى «الحزب». لكنّ لـ«التيار» مشكلة أخرى أساسية مع جنبلاط، هو يعتقد أنّ عهد الرئيس ميشال عون أنهى الحاجة إلى «بيضة القبّان» التي كانت تضطلع بدور التوازن، خصوصاً بين السنّة والشيعة. وغالباً ما كان دورها على حساب المسيحيين. ويرى «التيار» أنّ إنهاء احتكار جنبلاط للتمثيل الدرزي من شأنه أن ينهي تلقائياً وظيفة «بيضة القبّان». وبالتأكيد، الإشكال مستمر بين جنبلاط و»التيار» حول هذه المسألة. ولكن، بعد لقاءي المصالحة، صار رئيس التقدمي أكثر ارتياحاً. لقد اعتاد جنبلاط السير على حافة الهاوية، والتراجع في اللحظة الأخيرة تجنباً للسقوط. هذا ما فعله في 2005 وفي 2009. إنه «أستاذ» في البراغماتية، ومن ميزاته أنه لا يتقدم في هجومه إلا بعد أن يحفظ خط الرجعة. سيتموضع جنلاط مجدداً في «الستاتيكو» السياسي المطلوب… حتى إشعار آخر طبعاً. وبعد ذلك، سيكون ممكناً حلّ الخلاف حول «كسّارة الجبل» في عين دارة، حيث يختلط النفوذ السياسي بالمنافع المالية الوافرة. المهمّ حالياً أنّ جنبلاط خرج من «الكسّارة» سالماً. لا من كسّارة عين دارة، بل من «الكسّارة» التي بدأ ينزلق إليها في الفترة الأخيرة، هو... وآخرون!

هل كلام الحريري على حزب الله زلّة لسان؟!

لا يمكن إنكار المفاجأة التي أحدثتها مقابلة الرئيس سعد الحريري مع CNBC: هجوم مباشر وقاسٍ على «حزب الله»، في توقيت سياسي دقيق. ولكن، بالتأكيد، المتابعون الجديون لم يفاجأوا بأنّ «الحزب» بقي صامتاً ولم يَردّ. والماكينة السياسية والإعلامية التي تتحرّك عادة ضد الحريري لم يدفعها أحد إلى الاستنفار. للوهلة الأولى، فكَّر البعض في أنّ الحريري زَلَّ به اللسان عندما تحدّث عن «حزب الله» أو أنه لم يوفَّق في انتقاء عباراته، بالانكليزية، لتعبِّر بدقّة عمّا اعتاد قولَه بالعربية. لكنّ سياق المقابلة أثبتَ أنّ رئيس الحكومة كان يعني تماماً ما يقول: «حزب الله» مشكلة محلية وإقليمية تحتاج إلى علاج. أنا شخص براغماتي وأعرف حدودي. لا أوافق على تصرفاته، ولكننا عاجزون عن كبح جماحه، ولا نتحمّل المسؤولية عن هجماته الأخيرة على إسرائيل. ولا أتعاطف مع أي مؤسسة مالية لبنانية تخالف العقوبات الأميركية عليه». الواضح إذاً، أنّ الحريري أراد من مقابلته مع شبكةٍ تلفزيونية أميركية واسعة النطاق تأكيد ما تعهّد به في زيارته الأخيرة لواشنطن، أمام مسؤولي الخارجية والأمن القومي، وعلى رأسهم وزير الخارجية مايك بومبيو: الحكومة اللبنانية ستمضي في سياسة فكّ الارتباط بينها وبين «حزب الله»، وستبذل كل جهدٍ للحؤول دون سيطرته على القرار الرسمي، وإبقائه ضمن حجمه الطبيعي كممثل لشريحة سياسية ومذهبية لبنانية. يريد الحريري إزالة أي التباس ربما وقعت فيه الإدارة الأميركية تجاه لبنان الرسمي، نتيجة الإجماع اللبناني على التضامن مع «حزب الله» بعد الضربة الأخيرة في الضاحية الجنوبية وعمليته العسكرية التي استهدفت الداخل الإسرائيلي. وهذا الأمر يرتدي أهمية خاصة عشيّة وصول مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر الى بيروت، ليدير الوساطة حول المفاوضات الحدودية مع إسرائيل. وثمة مَن يعتقد أنّ شينكر سيكون أكثر حزماً من سلفه ديفيد ساترفيلد في الإلحاح على تسريع الوتيرة والوصول بالمفاوضات إلى نتيجة. فالسفير ساترفيلد كان «مُلَبْنناً» ويعرف لبنان وسياسييه جيداً، ومعتاداً التعامل معهم، ويدرك هوامش حركتهم في مسائل من هذا النوع. لذلك، جاءت رسالة الحريري بمثابة تطمين للموفد الجديد. ولكن، ما سرّ الهدوء التام الذي التزمه «حزب الله» تجاه مواقف الحريري، خلافاً لما يجري غالباً؟ المتابعون يقولون: يجدر التذكير أولاً بأنّ «الحزب» لم يفتح النار على الحريري عندما حوَّل زيارته الأخيرة لواشنطن من رحلة عائلية إلى زيارة عملٍ من الدرجة الأولى، واحتفى خلالها بـ»صقر» الإدارة بومبيو في مزرعته الخاصة قرب واشنطن. فـ»الحزب» مطمئنّ عموماً إلى أنّ رئيس الحكومة لن يطعنه في الظهر، وليس في مقدوره أن يفعل ذلك ما دام مكبلاً بتسوية 2016 المعروفة. لكنه اكتفى ببضعة تحذيرات للأميركيين وليس للحريري: لا تسترسلوا في الكلام على تطوير القرار 1701 من أجل تطويقنا، ولا في التعويل على المفاوضات الحدودية للوصول إلى ترتيبات سياسية. وفي أي حال، عندما عاد الحريري إلى بيروت، وضع رئيس الجمهورية ميشال عون و»الحزب» تماماً في صورة ما فعله في واشنطن، لئلّا تكون هناك ظنون حول الزيارة في ذهن أحد. وكان «الحزب» في منتهى الارتياح إلى كون الحريري «مخلصاً» إلى هذا الحدّ لمقتضيات التسوية التي عاد بموجبها إلى السراي، والتي تقضي بأن يدافع عن «الحزب» لدى المرجعيات العربية والدولية، مقابل منحه هامشاً واسعاً من السلطة و»الامتيازات» في الداخل. ولاحقاً، في عملية الضاحية وما تلاها، أثبت الحريري هذه المقولة. فقد أعلن التضامن التام مع «الحزب» في مواجهة إسرائيل، كما الرئيس عون، ولم يستثِر أي إشكال في ما يتعلق بترسانة «الحزب»، أو بإمكان توريطه للبنان في حرب مدمِّرة، أو بفتح النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية. وهذا الأمر أراح «الحزب»، لكنه أفسح في المجال لتساؤلات أميركية عن مدى التزام الحريري المواقف التي أطلقها في واشنطن. يقول أحد السياسيين المخضرمين: يمضي الحريري في لعبة التوازنات، وكأنه يقود دراجة في طريق صاعد ومتعرج ومليء بالحفر والمطبّات. فهو يحتاج إلى جهد استثنائي وإعادة تصحيح للتوازن في كل دقيقة، لئلّا يقع. فما أن يميل بالدفّة نحو واشنطن والسعودية حتى يصحّح التوازن مع «حزب الله» وإيران وروسيا. والعكس صحيح… لعل العاصفة تمرّ وينقشع الجوّ. فقد أطلق الحريري سهامه نحو «الحزب» في المقابلة الأخيرة. وبدا كأنها رسائل للمشاهد الأميركي لا للداخل اللبناني. لذلك، أراد «حزب الله» تمرير هذه المواقف من أمامه بهدوء... وبعد ساعات سينساها الجميع. وإذا كان الأمر يساعد الحريري على تدعيم موقعه كوسيط - لمصلحة «الحزب»- فهذا الأمر مدعاة ترحيب لا انتقاد. في العمق، ليس الموقف المعلن في جريدة أو تغريدة أو محطة تلفزيونية هو الذي يعوِّل عليه «الحزب»، بل السلوك السياسي. والدليل الأكبر هو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. فالحملة على جنبلاط وصلت إلى حدّ التلويح بإقصائه عن المعادلة، ليس لمجرد إطلاقه المواقف النارية حول مزارع شبعا، بل لأنه ظهر كرأس حربة في المحاولة الأميركية لاستنهاض القوى المناهضة لـ«الحزب». وإلى حدّ ما، هذا الأمر يعني رئيس «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع. وأما الحريري فلا خوف منه ولا عليه. ماشي في التسوية و«زيّ ما هيي».

loading