مقالات

تجديد التسوية السياسية ـ الرئاسية قبل فوات الأوان

دخلت تسوية عام 2016 السياسية-الرئاسية في انعدام وزن وطني وميثاقي واقتصادي وسياسي، يستدعي من القيّمين مراجعة سريعة لما وصلت إليه الأوضاع، تمهيداً لتغيير السياسات المتّبعة قبل فوات الأوان. التحذير ممّا وصلت إليه الأمور ينمّ عن حرص حقيقي لا عن استهداف، وأيّ مراقب للوضع في لبنان يخلص الى استنتاج مفاده انّ السباق اليوم يجري على قدم وساق تحت عنوان: أيّهما يسبق الآخر: الانهيار السياسي أو الانهيار الاقتصادي. فمجرد تفسير خاطئ لكلام رئيس الجمهورية في احتفال الجيش اللبناني أدى إلى مضاعفات وتداعيات مالية سلبية جداً، الأمر الذي يؤشّر إلى حقيقة واقع الحال ودقة الوضع الاقتصادي والمالي، ويؤكد انّ التحذيرات الدولية والمحلية من خطورة الأوضاع في محلها، وانه إذا لم تتخذ إجراءات فورية واستثنائية فإنّ الانهيار سيكون حتمياً. وبدلاً من أن تتجَنّد الدولة في أزمات من هذا النوع لمعالجة الخطر الاقتصادي الداهم، تتفاقم الأزمات السياسية الواحدة تلو الأخرى وكأنّ البلد بألف خير، الأمر الذي يُسرِّع في الانهيار من باب انّ الثقة الاقتصادية متأتية من الثقة السياسية. وطالما انّ الاستقرار السياسي غير موجود، فإنّ الاستقرار الاقتصادي سيكون في خطر حقيقي. وفي موازاة تسليم الجميع، ضمناً أو علناً، بأنّ الوضع الاقتصادي ليس بخير، وانّ المعالجات القائمة لا ترتقي إلى مستوى التحديات الموجودة وحجمها، فإنّ الوضع السياسي ليس أفضل حالاً من الوضع الاقتصادي، بل يمكن القول وبراحة ضمير إنه أسوأ من الوضع الاقتصادي وربما الأسوأ منذ سنوات. فعلى رغم حدّة الصراع بين ٨ و١٤ آذار، إلا انه لم ينحدر يوماً إلى صراع طائفي على غرار ما هو حاصل اليوم بالتنقّل بين تفسير الدستور لجهة صلاحيات رئيس الحكومة، وبين تفسيره لناحية الطائفية السياسية التي لم تعالج منذ 90 عاماً ولن تعالج إذا ما استقر الوضع اللبناني على نحو مختلف تماماً، وهل من يسأل: لماذا لم تترجم المادة 95 من الدستور منذ 30 عاماً إلى اليوم؟ وهل هي مجرد مصادفة أم لأنّ الدخول في مرحلة إلغاء الطائفية يثير الحساسيات والهواجس ويعيد إنتاج الأزمات؟ وبدلاً من الاستفادة من تراجع حدة الانقسام الوطني من أجل ترسيخ الانتظام المؤسساتي وتحقيق الإنجازات الوطنية والاقتصادية تحديداً، تَقدّمَ الانقسام الطائفي المسيحي-السنّي على خلفية الصلاحيات وشعارات السنية والمارونية السياسية، والمسيحي-الدرزي على خلفية استعادة حقبات تاريخية بشكل مشوّه ومحاولات تطويق رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط وعزله. وإذا وضعنا جانباً عامل المشروعية السياسية الذي يحتاج اليه الوزير جبران باسيل ويستدعي الاستنفار الطائفي، فإنّ خطأ باسيل الاستراتيجي يكمن في خَوضه معركة التوازن في التوظيف بالحدية نفسها لمعركة التوازن النيابي، واستطراداً الرئاسي. فليس صحيحاً انّ كل المعارك يجب ان تُخاض بالحدة والأهمية نفسها، فضلاً عن انّ معركة واحدة كفيلة بإطاحة ما حققته المعارك السابقة. وليس صحيحاً انّ كل المعارك يجب ان تُخاض بالأسلوب نفسه، وإذا كانت معركة التوازن الرئاسي-النيابي-الوزاري تستحق المواجهة تصحيحاً لخلل سياسي ناتج من سياسات النظام السوري، فإنّ الخلل الوظيفي في فئة مأموري الأحراج وغيرها من الفئات ناتج من خلل وظيفي وإداري وتقني وليس سياسياً. وهذا لا يعني التقليل من أهمية التوازن في الإدارة والسعي إلى تحقيقه، ولكن لا ينبغي التقليل إطلاقاً من أهمية ما تحقق رئاسياً ونيابياً ووزارياً، وما تحقق نيابياً جاء استناداً إلى نَص دستوري يقول بالمناصفة، وأمّا رئاسياً فاستناداً إلى قاعدة العمل بالمِثل، فلا يجوز ان يكون رئيس مجلس النواب ممثلاً للمكوّن الذي ينتمي إليه، ورئيس الحكومة كذلك الأمر، ويُستثنى من هذه القاعدة رئيس الجمهورية. أمّا وزارياً فأصبح في خانة تحصيل الحاصل بعد التوازنات النيابية الجديدة، فيما لا نَص دستورياً يقول بالمناصفة في الفئات الثانية وما فوق، والسعي إلى تعديل النص او توضيحه سيُدخل البلد في نقاش يصعب التكهُّن بنهاياته. وفي موازاة تحوّل الصراع إلى طائفي، هل يعقل انّ عهداً استنَد في وصوله إلى 5 ركائز حزبية أن يدخل في صراع معها مُداورة ومجتمعة؟ وهل من يصدِّق انّ المسؤولية تقع على هذه القوى؟ وهل من يصدِّق مقولة انها تريد إفشاله وانه لا يتحمّل أية مسؤولية؟ فماذا عن العلاقة بين العهد و»المستقبل» التي كانت قد وصلت إلى شهر عسل مفتوح؟ وماذا عن العلاقة بين العهد وجنبلاط؟ مُخطىء كل من لا يقرّ بأنّ الثاني قدّم تنازلات وتسهيلات غير متوقعة من قبله من أجل تحصين العلاقة، ولكن من دون نتيجة. وماذا عن العلاقة بين العهد و»القوات اللبنانية» في ظل الانطباع أنه جرى «استخدامها» للوصول الى القصر الجمهوري والعودة بعدها إلى سياسات عزلها وتطويقها؟ وأمّا العلاقة بين العهد وحركة «أمل» فهي علاقة تسليم بأمر واقع من قبل الطرف الثاني حرصاً على الاستقرار. وهل يمكن لعهد ان ينجح في ظل مواجهة مع القوى التي أوصَلته والتي لا بديل منها؟ وهل يمكن لعهد ان ينجح على قاعدة إمّا التسليم بسياساته وإمّا المواجهة معه؟ وهل يمكن لعهد ان ينجح في ظل مواجهات متنقلة وتسخين متواصل؟ وهل يمكن لعهد ان ينجح في ظل أولوية من يخلفه بدلاً من أولوية إنقاذ البلد اقتصادياً وإراحة الناس معيشياً وتحقيق الإنجازات إصلاحياً وإدارياً. فعلى مسافة أشهر قليلة من الذكرى الثالثة لانتخاب الرئيس عون، يخطىء من لا يصارِح رئيس الجمهورية، مُحذّراً ممّا يمكن ان تؤول إليه الأوضاع إذا استمرت السياسة نفسها، فلا حاجة لاستشراف ولا لتبصُّر، لأنّ الأمور واضحة وضوح الشمس: تَسابق محموم بين أزمة وطنية وأزمة اقتصادية. أمّا الحلّ فيَكمن في مراجعة سريعة وتغيير في الشكل والمضمون تجديداً للتسوية قبل فوات الأوان...

الإخوة- الأعداء هل يخافهم الحريري؟

يبدو مثيراً ما يفعله «نادي رؤساء الحكومة السابقين»، فهو يكرِّس حضوره مرجعية سنّية واقعياً. ويرى البعض أنّ هذه المرجعية ستكون موازية لرئاسة الحكومة، بل إنّها أشبه بـ»رئاسة حكومة الظلّ»، وسترفع شعار «إنقاذ» صلاحيات الرئيس سعد الحريري... سواء برضاه أو رغماً عنه! ولذلك الحريري مصاب بالإرباك: هل يحتمي بأركان هذا النادي لمواجهة الشريكين المسيحي والشيعي أم يحتمي منهم، باعتبارهم «أعداء كار» وينتظرونه «على كوع» السراي ليدخلوها؟ قبل عام تماماً، في تموز 2018، كانت عملية تأليف الحكومة قد بلغت ذروة التعثّر. أصرّ الحريري على أنّ الدستور لا يضع مهلةً لإنجاز المهمّة، لكن الشريكين المسيحي والشيعي كانا يضغطان بقوة لدفعه إلى التأليف وفق معايير لا يوافق عليها… وإلّا فليعتذر. ومن باب الضغط، طرح البعض أن يوجّه الرئيس ميشال عون رسالة إلى المجلس النيابي تدعوه إلى سحب التكليف الذي حصل عليه الحريري، من 111 نائباً، وإعادة الاستشارات الملزمة لتسمية شخصية سنّية أخرى. وعموماً، سجَّل الحريري مآخذ ساخنة حول الكثير من السلوكيات التي أظهرها فريق رئيس الجمهورية في عملية التأليف، وقال إنّها لم تكن مألوفة في تأليف الحكومات. آنذاك، كان قد مضى عامان على صفقة 2016. وكان الحريري قد ذاق طعم الانسجام والاختلاف مع الوزير جبران باسيل ووزراء «التكتل» خلال الحكومة الأولى. كما ذاق طعم أزمة الاستقالة في 4 تشرين الثاني 2017 وما آلت إليه. وأدرك أنّه من الصعب عليه أن يخرج من تلك الصفقة. كان الحريري في حاجة إلى تركيب مظلة سنّية واقيةٍ تخفِّف عنه الضغوط. فجاء مَن يعرض عليه فكرة الاستعانة برؤساء الحكومة السابقين الثلاثة، علماً أنّ اثنين منهم هما من «أهل البيت» ومن بيئة «المستقبل»، وهما الرئيسان فؤاد السنيورة وتمام سلام. يومذاك، جرى لقاء رباعي في «بيت الوسط» خرج بعده الرئيس نجيب ميقاتي ليعلن دعم الحريري ويحذّر من «نيّة واضحة للانقلاب على الطائف والتوازنات التي أرساها، ولاسيما في قضية تشكيل الحكومة ودور الرئيس المكلّف». ومنذ ذلك الحين، بدأ «نادي رؤساء الحكومة السابقين» يتصرّف كمرجعية قائمة واقعياً. وثمة مَن يقول إنّ قوى داخلية وخارجية تشجع ذلك وتسعى إلى تحقيق تنوُّع وتوازن داخل الطائفة السنّية، ما دام الحريري عاجزاً عن الخروج من صفقة 2016 وانعكاساتها على صلاحيات رئاسة الحكومة. ويدرك الحريري نفسه أنّه يحتاج إلى أصوات أخرى، من داخل الطائفة، أو حتى من داخل تيار «المستقبل» أو بيئته السياسية، لأنّ ذلك يمنحه هامش المناورة أمام الشريكين المسيحي والشيعي. ولذلك، هو يرتاح إلى صدور المواقف المعترضة من داخل «البيت المستقبلي»، إلى حدّ التلويح بأنّه سيستقيل من رئاسة الحكومة أو يعتكف. ولكن، هناك حدود لا يرغب في أن يتجاوزها أحد من داخل الطائفة، ولاسيما رؤساء الحكومة السابقين. لا يخاف الحريري إطلاقاً أن تنقلب المعادلات في الوقت الحاضر وأن يفقد موقعه في رئاسة الحكومة لمصلحة ميقاتي أو السنيورة أو سلام. وهو يدرك تماماً أنّ التسوية القائمة على ثلاثة أطراف طائفية - سياسية ليست معرَّضة للسقوط طوال العهد الحالي على الأقل، لأنّ الأقوياء فيها - «حزب الله» تحديداً - لا مصلحة لهم في ذلك. وهذا الأمر يدركه أيضاً أركان «ثلاثي» الحكومات السابقون، ولاسيما الرئيس نجيب ميقاتي الذي يعرف هو أيضاً حدود اللعبة، ويدرك أن الحريري هو ركن التسوية السنّي في المرحلة الحاضرة. وإلى أن تتبدّل المعادلات سيكون لكل حادث حديث. ويعرف الحريري موقف منافسه الطرابلسي وهو مرتاح إليه. لكن رئيس الحكومة يحاذر أن يفقد المبادرة أكثر فأكثر في موقعه في السراي، بحيث يصبح موقف «الرؤساء السابقين»، الداعم له، عبئاً عليه. وفيما هو يتعرَّض للضغوط التي يمارسها فريق رئيس الجمهورية وحلفاؤه، يُصبح أيضاً عرضةً لضغوط يمارسها «نادي رؤساء الحكومة السابقين»، في المقابل. وعملياً، تصعب الإجابة عن السؤال: عندما يدافع رؤساء الحكومة السابقون عن صلاحيات رئاسة الحكومة، هل يستهدفون الحريري بضغوطهم لثنِْيه عن تقديم التنازلات أم يستهدفون الشريكين المسيحي والشيعي؟ في أي حال، يخشى الحريري أن يتكوَّن انطباع لدى شريكيه في التسوية بأنه يستعين بقوى أخرى من خارجها. فالخط الأحمر لدى الحريري هو هذه التسوية. ومن هنا حساسيته على كل ما يمكن أن يفسَّر اعتراضاً عليها. وهذا ما دفعه إلى تأجيل اللقاء بأسلافه الثلاثة أياماً عدة، بعد عودتهم من الرياض. وثمة مَن يعتقد أنّ الحريري، وعلى رغم كل شيء، يفضّل أن «يقلِّع شوكه بيديه» وحلّ الأزمات بينه وبين فريق رئيس الجمهورية بالتراضي ومن دون تدخلات، معتبراً أنّ ذلك أفضل بكثير من «تكبير المشاكل». وقد نجح الحريري في إقناع المعترضين، داخل الطائفة السنّية، بأنّ لا مصلحة في الخروج من تسوية 2016، وأنّ الخسائر المحتمل أن تصيب صلاحيات رئيس الحكومة أو رصيده خلال العهد الحالي، تبقى مقبولة إذا ما قورنت بالخسائر التي ستقع إذا سقطت التسوية وخرج تيار «المستقبل» من رئاسة الحكومة. وهذا الاقتناع ينسحب أيضاً على القوى العربية الأساسية التي لا تريد زعزعة الاستقرار اللبناني القائم على توازنات 2016. ولذلك، لا ترغب أي منها في تشجيع إسقاط الحريري وحكومته في المدى المنظور. وهكذا، على الأرجح، سيتعايش الحريري و»الإخوة- الأعداء» تحت سقف التسوية القائمة، وضمن معادلة المصلحة المشتركة وموقع الطائفة، فـ»لا يموت الديب ولا يفنى الغنم».

loading