مقالات

حماية المُنتجات الوطنية.. كي لا نقع في الفخّ

وقّع وزير الإقتصاد والتجارة مشروع مرسوم يهدف إلى فرض رسوم نوعية على إستيراد 20 منتجاً وذلك ضمن سياسة حمائية تهدف إلى حماية الصناعة الوطنية. هذا المرسوم الذي يجب مواكبته بإجراءات أساسية، يدعم الصناعات القائمة ولكن يأخذ بالإعتبار إستراتيجية صناعية على صعيد الإقتصاد ككل. في 13 أيار 2019، أرسل وزير الإقتصاد والتجارة كتاباً إلى مجلس الوزراء يقترح فيه فرض رسوم نوعية على بعض المنتوجات الصناعية التي يستوردها لبنان (اللائحة كاملة موجودة في جريدة الجمّهورية تاريخ 26/7/2019). هذه الخطّوة هي خطوة أساسية ومُهمّة بحكم أنها تحمي الصناعات الموجودة حالياً في لبنان. ويُعطي الموقع الإلكتروني للجمارك اللبنانية إستيراد لبنان من هذه السلع والبضائع حيث تبيّن لنا أنه خلال العام 2018 بلغ إجمالي ما يستورده لبنان منها 573 مليون دولار أميركي، منها 80 مليون سكر أبيض مكرّر، 69 مليون برادات ومجمّدات للحفط ومعدات التبردي، 56 مليون غرانيت ورخام، 53 مليون بسكويت محلّى، 52 مليون مواد تنظيف، و37 مليون جبنة وخثارة.

علامَ يختلفون؟

الأزمة الحالية في البلاد تمنح صدقية لنظرية المؤامرة السائدة شعبياً عن العلاقات بين القوى السياسية في البلاد. تقوم تلك «النظرية» على قناعة بأن القوى السياسية المشاركة في السلطة (بجناحيها التشريعي والتنفيذي) متفقة على تقاسم المغانم، وانها عندما تختلف فإنما هي تكذب على الناس. يُقال عن تلك النظرية إنها ساذجة وبلهاء، بالعموم. لكن في العمق، فيها القليل من الصحة. تجربة ما بعد الطائف (كما تجربة ما قبله، التي لا تقل سوءاً) تثبت ذلك. والأزمة القائمة منذ الثلاثين من حزيران (اشتباك «البساتين») تزيد الناس قناعة بأن سياسيي الطبقة الحاكمة مختلفون على لا شيء. مختلفون من اجل الاختلاف لا أكثر. يكاد ينقضي نصف ولاية رئيس الجمهورية، ولم يُنجَز شيء لتحسين حياة الناس. الوصاية الأميركية على قطاعنا المالي تزداد صلافة. أحوال بيئتنا من سيئ إلى أسوأ. اقتصادنا يترنّح. ماليتنا العامة تتدهور. ميزاننا التجاري نحو مزيد من الاختلال. بطالتنا تتفاقم. أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية أضحت على حافة انفجار لن يأتي (للأسف). لا يمكن أي جهة في السلطة ان تذكر ثلاث قضايا، ثلاث لا أكثر، تمكّنت فيها من تحسين حياة الناس في السنوات العشر الأخيرة. إذا استثنينا الأمن والتحرير الثاني (على عظمتهما)، لا إنجاز يُذكر. والانجازان الأخيران ما كانا ليُبصرا النور لو ان قرارهما كان «بيد الدولة». 10 سنوات، واكثر، والبلاد تنزلق في مسار تراجعي، من دون أن يقدر أي فريق سياسي، أي حزب، أي عشيرة، أي مجلس بلدي، على القول إنه أنجز أمراً ما غيّر حياة الناس نحو الأفضل.

صعود المسيحية السياسية في لبنان وهبوطها

إبّان الحرب العالميّة الثانية، مالت عواطف المسيحيين اللبنانيين إلى «فرنسا الحرّة» وديغول. القوميّون العرب والقوميّون السوريّون تعاطفوا مع حكومة فيشي. تلك كانت إشارة إلى أنّ وعي المسيحيين اللبنانيين كان لا يزال أميناً لمحطّتين تقدّميّتين سابقتين: الأولى ما عُرف بـ«النهضة العربيّة»، اللغويّة والثقافيّة، التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر في جبل لبنان. والثانية إنشاء «لبنان الكبير» في 1920، كإدراك مبكر لضرورة الدول - الأمم بعد انهيار الإمبراطوريّات. ذاك السجلّ لم يكن عسلاً خالصاً: تعدّديّة الكيان الوليد لم تقم على المساواة بين مُكوّناته، والإحياء الثقافي مارس التمييز الذي كرّسته مناهج التعليم، لصالح المسيحيين. لكنّ الماضي لا يُحاكَم بمعايير اليوم، والأهمّ أنّ الأمور أوحت أنّها مُشرَعة على احتمالات: السياسة في الجبل، وفي لبنان، استقطبت الطوائف والجماعات ذات الانشقاقات المُركّبة: مسيحيّون ودروز ومسلمون يؤيّدون بشارة الخوري أو إميل إدّه أو لاحقاً كميل شمعون. الرأسماليّة، في عهد شمعون، خصوصاً مع فؤاد شهاب، جعلت تتوسّع نحو الأطراف، حاملة طرقها ومدارسها وكهرباءها. وإذ تنامى التسليم الإسلامي بلبنان وانكمش المطلب الوحدوي إلى مطلب «المشاركة»، لاقاهم المسيحيّون بالإصرار على علاقات عربيّة قويّة، أقلّه حرصاً على اقتصاد الوساطة والخدمات. شمعون، أبرز زعماء تلك الحقبة، كان «عروبيّاً» بالمعنى الذي كانه شكري القوّتلي أو نوري السعيد. أمّا حيال إسرائيل، فتبنّت صيغة «الهدنة» و«المقاطعة» الموقف العربي الذي يصون الحدود اللبنانيّة. «العرب» لم يكونوا حينذاك معنى مضادّاً لـ«الغرب». والداخل بدا على العموم معقولاً. في 1952 نشبت «ثورة بيضاء» أظهرت الاحتمالات الخصبة للتغيير السلميّ. وفي الحرّيّات والاقتصاد والتعليم، تقدّم لبنان أشواطاً على جوار يحكمه العسكر. رياح السموم هبّت، من السويس، في 1956: إنّه التهديد الناصري وحرب 1958 الأهليّة بعد أشهر قليلة على وحدة مصر وسوريّا. شمعون كان زوّر انتخابات 1957 كي يجدّد لشخصه ونهجه، وبدا أنّ شيئاً أساسياً في التعاقد الوطني قد انكسر. ذاك أنّ العروبة لم تعد ثقافيّة بل صارت سياسيّة، ولم تعد عنصراً لتوطيد الدول بل باتت أداة لتصديعها. هكذا غلب شعورٌ بالحصار عزّزه لجوء مسيحيين من مصر وسوريّا والعراق، وانتقال رساميل لمسيحيين وغير مسيحيين هربوا من التأميمات. الصورة كما ارتسمت للبنانيين كثيرين كانت صورة للحرية مقابل السجن، مستلهمة حال أوروبا الديمقراطيّة حيال «الستار الحديديّ». المثقّفون السوريّون الذين عارضوا الناصريّة والعروبة العسكريّة، أو آثروا التجريب في الكتابة واللغة، أو الخروج على المألوف والمقدّس، كانت بيروت وجهتهم. وفي 1963 كان «التقدّمي الاشتراكيّ» كمال جنبلاط، كوزير للداخليّة، مَن منع رقصة «التويست» لـ«خلاعتها»، وطرد المطرب الفرنسي جوني هاليداي. مع هذا، لم تستنفد المسيحيّة اللبنانيّة المرضوضة أدوات تكيّفها مع الحقبة القوميّة العسكريّة. هكذا كانت المقايضة الشهابيّة: نقلّم الحرية لنحظى بالاستقرار. وإذ سقطت الناصريّة في 1967 خرج المكبوت المسيحيّ، مدفوعاً بالفعل وردّ الفعل، بأسوأ مما حصل في تزوير انتخابات 1957: تعبئة طائفيّة في انتخابات 1968، ثمّ استدراج العمق الريفي إلى الرئاسة ممثّلاً بسليمان فرنجيّة. والحال أنّ الطوائف بذاتها تنتج الرديء كقاعدة، والمفيد كاستثناء. وكي تنفّذ هذه المهمّة الأخيرة ينبغي أن تكون واثقة بنفسها وبالعالم المحيط. هذا بات عملة صعبة في 1970. الضربة التي لا قيامة بعدها كانت التسلّح الواسع الذي انفجر في 1973 حرباً صغرى مهّدت لحرب 1975، القيادة صارت للمحاربين وللأرياف. بشير الجميّل، كقائد ميليشيا، قضى على آخر احتمال لتحوّل «الكتائب» حزباً مسيحيّاً ديمقراطيّاً. وجهٌ كريمون إدّه، عدوّ العنف الذي يضع «الندى في موضع السيف»، بات مستحيل التكرار. حرب الجبل جاءت كارثيّة بكسرها العمود الفقري للمسيحيين، وللبنان أيضاً. حروبهم فيما بينهم، وتوطّد نظام الوصاية السورية، وهجرة شبّانهم وتعاظم الاختلال الديموغرافي لغير صالحهم، كلّها عزّزت الشعور بالحصار حتّى صار هذائيّاً. «المؤامرة» أطبقت ووزّعت قادتهم بين السجون والمنافي: للضبّاط السوريين السلطة. لرفيق الحريري الاقتصاد. لـ«حزب الله» الحرب والسلم. لنا الله! الانسحاب السوري لم يحلّ المشكلة: نشأ التحالف الرباعي في 2006، وراح «14 آذار» يتداعى. وما بين شعور بفقدان البلد و«استعادة» جلفة له، صعدت العونيّة معبّرة عن القيم الأكثر محافظة، والوطنيّة الأكثر قوميّة وشكليّة فيما تضخّم جيبها العنصريّ. عنف بشّار الأسد وما أدّى إليه من لجوء سوري كثيف، و«داعش» وأهوال مسيحيي المنطقة، ترافقت مع ازدهار الشعبويّة في العالم بوصفها أملاً للمحبَطين. الغرب، وهو «النموذج الحضاريّ»، بات من مسارح الازدهار هذا. تردّي المنطقة على أصعدة أخرى فعل فعله أيضاً. بيروت هاجت لأنّ برنامجاً تلفزيونيّاً قلّد حسن نصر الله، وهو ما تكرّر في 2013، والمسيحيّون الذين كانوا تقليديّاً يتجاوزون قليلاً على «المعتقدات» كما يغضبون قليلاً لأجلها، صاروا، هم أيضاً، يغضبون كثيراً. وفي هذا كلّه، كان عبد الناصر وحافظ الأسد وياسر عرفات والخميني وأبو بكر ناجي شركاء لجبران باسيل وعبدو أبو كسم. هذا ما لا يُرى دائماً بوضوح كافٍ.

loading