مقالات

لا مؤامرة تُحيكها أيادٍ خارجية وداخلية على لبنان.. الإخفاق صنيعة المسؤولين!

ليس صحيحاً أنّ التدهور الاقتصادي والمالي الذي شهده لبنان نهاية الاسبوع الماضي، وأدّى الى تحركات في الشارع، هو بسبب وجود مؤامرة تُحيكها أيادٍ خارجية وداخلية. المسألة بكل بساطة ذات علاقة بحال الاهتراء التي تنخر الدولة وأجهزتها ومؤسساتها في العمق. فكيف يمكن لفرنسا مثلاً، التي تجهد لإطلاق مشاريع «سيدر»، التي ساهمت باريس مالياً في جزء أساسي منها، أن «تتآمَر»، ما يؤدي الى ضرب هذه المشاريع من أساسها. فهذا يناقض ذاك. وكيف لنا أن نصدّق أن واشنطن، الغارقة في أزمات داخلية حادة، تريد هزّ الاستقرار الداخلي ودفع لبنان الى الانهيار مع كل ما يحمل من ذلك من تَبعات على الشرق الاوسط، في وقت يعلن فيه البيت الابيض بكل وضوح لكل حلفائه في المنطقة أنه لا يريد الحرب مع إيران، وهو لذلك يمتنع عن الرَد على تحديات إيران له. أضِف الى ذلك استثناء لبنان من برنامج تقليص المساعدات العسكرية الاميركية لبعض الجيوش، والاستمرار في التزاماتها العسكرية. وقبل التطرّق الى الواقع اللبناني، لا بدّ من قراءة أكثر تفصيلاً للواقعَين الاميركي والاسرائيلي كونهما الأكثر تأثيراً بلبنان. ففي واشنطن طبول الحرب تدقّ بين البيت الابيض والديموقراطيين. ففيما حذّر ترامب من تعرّض بلاده لأخطار غير مسبوقة، وفق تعبيره، فهو باشَر رَصّ صفوف الجمهوريين من حوله، وشَكّل فريق عمل هو أشبَه بخلية أزمة لمواجهة أخصامه. ذلك أنّ ترامب قرّر المواجهة، بعد شروع رئيسة مجلس النواب الديموقراطية نانسي بيلوسي في إجراءات عزل الرئيس. ويقول الديموقراطيون انهم قادرون على تأمين أغلبية ولو بسيطة في مجلس النواب لصالح إصدار قرار عزل ترامب، لكن هذا لا يعني انّ المسألة انتهت، فهنالك مَسار يلزم بالحصول على تأييد ثلثي مجلس الشيوخ، والذي يبدو مستحيلاً. لكنّ المسألة ستعني حَشر ترامب أكثر، والتشكيك بأهليته وشرعيته في المدة المتبقّية أمام حصول الانتخابات الرئاسية. حتى مدير المخابرات الوطنية بالوكالة، جوزف ماغوير، لَوّح بالاستقالة بسبب مخاوف من التعرض لضغوط من البيت الابيض بسبب شهادته. كل ذلك يعني ضرب صورة ترامب أكثر في الداخل الاميركي. وفي آخر استطلاع أجرَته صحيفة «وول ستريت جورنال» مع شبكة «أن بي سي»، تبيّن أنّ 50 في المئة من المستطلعين لا يريدون عودة ترامب في مقابل 46 في المئة. لكنّ المشكلة، وفق هؤلاء، هي في شخصية المرشّح الديموقراطي الذي سينافسه، وملاءمته لتولّي رئاسة البلاد. وفي الاستطلاع إنّ 69 في المئة لا يحبّون ترامب شخصياً بصرف النظرعن أجندته السياسية، فيما 50 في المئة منهم يكرهونه شخصياً ويكرهون سياسته. وهنالك 19 في المئة يكرهون شخصية ترامب، لكنهم يؤيدون سياسته. في الواقع لم يواجه أي رئيس أميركي هذه الدرجة من العداء الشخصي، كما هو حاصل مع ترامب. وإذا أضفنا الى ذلك تراجع معدلات نمو الاقتصاد الاميركي، وهي الورقة الوحيدة التي لَوّح بها خلال ولايته على أنها إنجاز، وأيضاً هزائمه الخارجية المُتتالية، وكان آخرها عدم إشباعه درساً قرار خروجه من الاتفاق النووي مع إيران وتراجعه أمام عملياتها العسكرية، وأيضاً سقوط مشروع «صفقة القرن» بسبب خسارة بنيامين نتنياهو الانتخابات، فهذا يعني انّ ترامب في حاجة ماسّة الى انتصار سياسي لا مواجهة عسكرية. وبالتالي، تبريد الاجواء في الشرق الأوسط لا دفعها نحو الفوضى. وتكفي الاشارة الى ما كشفه الرئيس الباكستاني، غداة عودته من الولايات المتحدة الاميركية، بأنّ البيت الابيض والسعودية أيضاً طلبا منه التوَسّط لدى إيران لتخفيف التوتر في المنطقة وتهدئة الاوضاع، رغم الضربة التي تعرّضت لها منشآت «أرامكو». وقرار «التبريد» ينطبق بدوره على الساحة اللبنانية، إذ انّ أيّ انهيار قد يصيب لبنان أيضاً سيَدفع به وبالساحات المجاورة الى فوضى غير محسوبة، خصوصاً أنّ في إسرائيل أزمة سياسية وعدم اتّزان يبدو انه سيطول بعض الشيء، وَسط قلق داخلي عسكري مِن تَعاظُم نفوذ إيران ومن قدرة «حزب الله» ومشكلة غزة. يكفي الاستماع الى رئيس دائرة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، لإدراك مدى المأزق الاسرائيلي. فهو قال: «دخلنا المجال الرمادي الذي تتقدم فيه إيران عسكريّاً، ولكن من دون تسرّع». وأضاف: «أنا قلق بالتأكيد، فإيران عدو محنّك، واحتمال حدوث تصعيد خطير حالياً باتَ أكبر من الماضي. فنحن في وضع معقّد ويزداد خطورة». واعترف بما يُناقض الرواية الرسمية الاسرائيلية، بأنه ليس لدى «حزب الله» الآن مصانع إنتاج صواريخ دقيقة على الأراضي اللبنانية. الواضح أنّ اسرائيل، الغارِقة في الفوضى السياسية الداخلية، لا تحبّذ في هذه المرحلة انهياراً لبنانياً داخلياً يُضعف الدولة، ويجعل «حزب الله» حُرّ التصرّف ويُطلِق يديه في جنوب لبنان. وهو ما يعني في المحصّلة أنّ المناخ الخارجي يريد للبنان ألّا يقع في المحظور ويغرق في الفوضى، كلّ دولة لحساباتها الخاصة. وبالتالي، فإنّ الكلام الذي أطلقه البعض حول «مؤامرات» خارجية وداخلية لدفع لبنان الى الفوضى والسقوط في «الافلاس» لا يرتكز على معطيات صحيحة. فالحقيقة أنّ المسؤولين في لبنان لم يبالوا بواقع الدولة الصعب، واستمرّوا في سياسة التبذير والفساد والمحاصصة في التعيينات، التي تأتي بالأزلام والأقارب، وغَلّبوا مصالحهم الشخصية الضيّقة على المصلحة العامة. وحتى في الأمس القريب، غَلّبوا مصالحهم الانتخابية على مصلحة الدولة والخزينة، ربما استناداً الى مقولة انّ الدول الخارجية لن تسمح بانهيارنا، وسيأتي هؤلاء لإنقاذنا في ما بعد. ما حصل الأسبوع الماضي كان نتيجة طبيعية لحال الاهتراء التي تَنخر الدولة والطبقة السياسية التي تحسب لمصالحها الخاصة، ولو على مآسي اللبنانيين والمصلحة العامة. نحن نعرف جيداً مقولة التلميذ الراسب في المدرسة، والذي يبرّر إخفاقه برَمي المسؤولية على المعلّم وإدارة المدرسة، لكنه في الواقع لم يُنجز دروسه وفروضه. لذلك، قد يكون علينا الاعتراف أننا أخفقنا.

فصول من حروب الضحايا على الضحايا!

قد تكون المرة الأولى التي يعجز فيها الخبراء والسياسيون عن توصيفٍ موحَّد لما بلغته الأزمة الإقتصادية والمعيشية. فالنظرة ليست موحَّدة، بل جاءت ترجمةً للفرز القائم بين اللبنانيين، فضاع المستقلون أو حُجبوا عن الشاشات وهو ما أدّى الى حالٍ من الفوضى المالية والإقتصادية. ولولا جهوزيّة القوى العسكرية لأُضيفت اليها الفوضى الأمنية. وعليه ما هو الدافع المؤدّي الى هذه المعادلات؟ على قاعدة أنّ الأرقام في لبنان ومعها الإحصاءات تحوّلت الى وجهاتِ نظر لم يتفق كثرٌ على توصيف ما يجري في لبنان. فكل التطمينات التي تناوب عليها كبار المسؤولين منذ فترة طويلة وتَغنّيهم بصلابة الوضع الإقتصادي ومتانة العملة الوطنية في لبنان انهارت في ايام قليلة وفقدت الثقة التي حظي بها عدد من المسؤولين، وخصوصاً اولئك الممسكين بالوضع المالي والنقدي في البلاد. قلائل بقوا على ثقتهم بالقدرة على استيعاب ما حصل مع الخوف من أن يقفل بعضها على زغل بعيداً عن الحلّ المستدام. وانطلاقاً من هذه المعادلات، تعددت المواجهات في لبنان، السياسية منها والإقتصادية، وصولاً الى إيقاظ الخلافات على الحدود بين بشري وبقاعصفرين، كما بين العاقورة واليمونة، وفي لاسا، وكلها تُذكي النعرات الطائفية والمذهبية. لكنّ أخطرها تجلّى بالنظرة الى اهتزاز الثقة بالعملة الوطنية والتلاعب بأسعار العملات الأجنبية التي تعني اللبنانيين بمختلف مناطقهم ومذاهبهم. فقد اعتاد اللبنانيون على ثبات سعر الليرة وغياب السوق السوداء منذ أكثر من عقدين. وهذا الوضع رفع منسوبَ القلق الذي زادته قراءاتُ الخبراء الإقتصاديين والماليين المنقسمين بين المتفائلين والمتشائمين. عدا عن أنّ السياسيين الذين تورّطوا في قراءة التطورات والمؤشرات الإقتصادية والمالية المتسارِعة، أعادوا الى الأذهان مسلسل التلاعب بأسعار العملة الوطنية تجاه العملات الأجنبية ما بين 1986 و1992، وجاءت أحداث 6 أيار من ذلك العام لتقدّم النتيجة التي أرادها اصحاب تلك السياسات الذين استخدموا الليرة اللبنانية مطيّةً لبلوغ اهدافهم، فاستقالت حكومة الرئيس عمر كرامي على وقع الإطارات المشتعلة والإنتفاضات التي قادت اللبنانيين الى الشوارع رغم خلافاتهم لتدخل البلاد نمطاً سياسياً واقتصادياً جديداً امتدّ لعقود. على هذه الخلفيات طُرحت سلسلة من الأسئلة عن أسباب ما حصل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: - هل هي فوضى مالية واقتصادية تعيشها البلاد في زمن الحدّ الأدنى من الإستقرار في محيطٍ ملتهب؟ - وهل هي مجرد أزمة عابرة ناجمة عن احتجاز الدولارات الأميركية في مكانٍ ما من لبنان؟ - وهل هي نتيجة حتمية للاختناق الإقتصادي الذي اقتيدت اليه البلاد بسياسات اقتصادية قصيرة النظر وهندسات مالية ومصرفيّة، عزّزتِ الركودَ بعدما لجأ أصحاب الرساميل الكبيرة الى تجميدها بفوائد تغنيهم عن هموم الإستثمار. منذ خاضت موازنة عام 2019 ماراتون الجلسات الحكومية، وبعدها تشريحها في اللجان النيابية كان هناك مَن يحذّر ممّا بلغته الأزمة، فلم يرَ المسؤولون في كل ما حصل ما يفاجئهم، بل هم ما زالوا يتوقعون الأسوأ ما لم ينجح اهل الحكم والحكومة في استيعاب الأزمة القائمة بأقل الخسائر الممكنة. ثمة مَن يعتقد أنّ التفاوت في النظرة الى حجم الأزمة ومظاهرها مردُّه الى تناولها كل من زاوية مختلفة عن الأخرى. فالطرفان المتشائم والمتفائل يدركان خطورة المرحلة، ولكنّ الخلاف قائم وما زال حول توصيفها وكيفية الخروج منها. وفي الوقت الذي يصرّ فيه البعض على السير بالإقتصاد الوطني الى «تجربة هونغ كونغ» هناك مَن يهوى «تجربة هانوي». وفي الوقت الذي يطالب فيه البعض بالتجاوب مع متطلبات المجتمع الدولي وما يطلبه من نأي بالنفس عن أزمات المنطقة حيث تتطاحن فيها قوى كبرى وإنجاز ما هو مطلوب من خطوات إصلاحية أيّاً كان الثمن، هناك في المقابل مَن يعتقد أنّ على هذا المجتمع أن يرضخ للحاجات اللبنانية دون مقابل. وعلى قاعدة الخلاف القائم بين اصحاب النظريتين، تبدو التطورات الإقتصادية تنحو الى ما يثير القلق. فما تتعرّض له الليرة اللبنانية في زمن ندرة الأوراق الخضراء، هناك مَن يؤكّد وجودها بما يكفي، لكنّ لجم التعامل بها وإمكان تهريبها الى خارج البلاد أمر ضروري. ورغم عدم الإعتداد بأن يكون ذلك سبباً بارزاً في ما حصل، هناك مَن يعتقد أنّ العقوبات المسلطة على النظام المصرفي لا ترحم، وأنّ من بين المتربصين بلبنان مَن هم قادرون على النفاذ من زوايا هذه العقوبات للقيام بما يؤدي الى تبخّر كل ما أُنجز في تركيبة هرمية السلطة والمؤسسات وفي السياسة والإقتصاد والسياحة وعمادها الاستقرار الأمني والإجتماعي. على هذه الخلفيات يتطلّع المراقبون الحياديون الى كل ما يجري على خلفية القول الماثور، إنّ «القلّة تولّد النقار». والدليل يكمن عند إجراء جردة عن المواجهات الصغيرة المفتوحة على شتى الإحتمالات السلبية. ويتطلعون الى الإشتباك بين اصحاب محطات المحروقات وشركات الإستيراد الذين يتقاسمون الخسائر اليومية، في وقت تندلع فيه المواجهة على خلفية نقل مليارات عدة من ميزانية المؤسسة العامة للإسكان الى مجموعة الجمعيات التي تُعنى بذوي الحاجات الخاصة والمعوقين، امتداداً الى الازمة التي قادت الى التحرّكات الشعبية رفضاً للغلاء ومسلسل إفلاس وإقفال العديد من المؤسسات التي تزيد من نسبة البطالة. وعند إجراء الجردة المنطقية لنتائج هذه المشاكل وتداعياتها المختلفة ينتهي المراقبون الى التفاهم على توصيف لها، فيختصرون ما يجري بأنه سلسلة من حروب «الضحايا» على «الضحايا». فأطرافها من الضعفاء ذلك أنّ الأقوياء هم في مكان آخر خارج الأراضي اللبنانية.

دولار السوق اللبناني أصبح في سوريا.. من يهرّب؟

كتب منير الربيع في صحيفة "المدن" الإلكترونية تحت عنوان "من وراء تهريب الدولار من السوق اللبناني إلى سوريا؟": "أسئلة كثيرة تطرح حول سبب فقدان الدولار من السوق، وبيعه في السوق السوداء، وارتفاع سعره. قاعدة العرض والطلب واضحة. لكنها لا تستقيم في لبنان، بما أن سعر صرف الدولار غير محرّر ومثبّت. أسباب عديدة تتداخل فيما بينها تنعكس على مجالات اقتصادية ونقدية ومالية مختلفة، هي التي تؤدي إلى هذه الأزمة. بعض الأجوبة البديهية والسريعة حول الأزمة الاقتصادية والمالية التي تستفحل في لبنان، تكون عادية وتحيل المشكلة إلى الفساد، والهدر وعدم وجود خطط اقتصادية، وكل هذه المعزوفة. بينما في الأساس، هو أن الاقتصاد في دولة مثل لبنان هو اقتصاد سياسي، يرتبط بتحولات وتطورات دولية وإقليمية. أما مسألة الفساد والهدر وغيرهما من هذه "الستائر"، فعلى الرغم من أهميتها ووجوب مكافحتها، إلا أن لبنان اعتاد التعايش معها منذ نشأته إلى اليوم. هو في أساس تركيبته وتكوينه، وعلى هذا الشكل من الصفقات والسمسرات. والجماعات السياسية فيه تعتاش على الفساد والهدر والزبائنية. ولم يسبق أن حصل انهيار أو وصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه، لأن المظلة الإقليمية والدولية، والتوازنات هي التي تحفظ استقراره على الرغم من ترهله. الليرة السورية وتبييض الأموال الأهم والذي لم يلتفت إليه كثيرون هو أن ارتفاع سعر الدولار في لبنان، وبيعه في السوق السوداء، وفقدانه من الأسواق، تزامن مع انهيار سحيق لليرة السورية أمام الدولار، على نحو خطير. جاء ذلك، بعد أزمة محروقات كبيرة عاشتها سوريا، وحاول لبنان عبر بعض تجاره وجماعاته العمل على بيع محروقات من السوق اللبناني في السوق السوري. وهذا أيضاً يرتبط باستفحال الحديث محلياً وخارجياً حول المعابر غير الشرعية، أو حتى التهريب على المعابر الشرعية. قبل أشهر، تلقى لبنان تحذيرات دولية كثيرة وأميركية خصوصاً، للامتناع عن بيع المحروقات إلى سوريا، وإلا فإن الشركات التي تبيع المحروقات إلى سوريا ستكون عرضة لعقوبات. بالتزامن، كان الأزمات تعصف بالكثير من القطاعات التجارية وغير التجارية، فأدت بالعديد من المؤسسات إلى الإقفال. وبمعزل عن الأسباب الاقتصادية التي تحتّم ذلك فإن الأسباب الأساسية لهذه الإقفالات ترتبط أيضاً بما له علاقة بالسياسة، أو بكلام أوضح: تبييض الأموال، والخوف من العقوبات الأميركية، تحسباً لان تتوسع وتشمل هذه المؤسسات التي قد يكون لها علاقات بشكل أي بآخر مع حزب الله. فتجمعت كل هذه التطورات مع بعضها البعض، وأدت إلى استفحال الأزمة. وهذا لا ينفصل عن ربط الدول منح مساعداتها للبنان بالوصول إلى اتفاقات سياسية، تبدأ بترسيم الحدود ولا تنتهي بإقفال المعابر غير الشرعية، وما بينهما ما يتعلق بحزب الله وإيران. الربح الوفير في السوق السوري كل هذه العقوبات، التي تهدف واشنطن من خلالها إلى تطويق طهران، تنعكس بشكل مباشر على لبنان وسوريا. لكن اللبنانيين يعيشون دوماً في حالات إنكار للواقع، أو منهمكين وحسب بالحديث عن الإصلاح ووقف الهدر والفساد. وبما أن الملفين اللبناني والسوري يرتبطان ببعضهما البعض، وفي ظل العقوبات القاسية التي تفرض على حزب الله أو بيئته، فهي بالتأكيد تؤثر على كل اللبنانيين، وعلى الوضع المالي والاقتصادي اللبناني. وكما كانت هناك محاولات لمراكمة الأرباح من قبل جماعات متعددة بواسطة بيع المحروقات إلى سوريا، هناك من يعمل على بيع الدولار من السوق اللبناني إلى السوق السوري. إذ يكمن الربح الوفير في الفارق بسعر الدولار بين لبنان وسوريا. وقد تسربت كميات ضخمة من عملة الدولار بهذه الطريقة من لبنان إلى سوريا. ولذا لجأ مصرف لبنان إلى وقف السحوبات المالية بالدولار، بعد تحذيرات خارجية، وخوفاً من فقدان المزيد من الدولار من السوق. يعلن الأميركيون أنهم لا يريدون استهداف الدولة اللبنانية، ولكن بشكل مباشر أو غير مباشر هي مستهدفة، وأزمة الدولار والليرة هي إحدى أبرز تداعياتها. وهذه وحدها كفيلة للتأكيد على أن الأزمة الحقيقية سياسية، خصوصاً أن الاقتصاد اللبناني كله مبني إما على المال الخارجي، أو على السوق المفتوح أمام كل الرساميل وتدفقها. وقد بات تدفق التحويلات من الخارج يواجه صعوبات كثيرة حالياً. وفي الفترة الأخيرة، حدثت محاولات كثيرة لإخراج الدولار من سوريا، عبر نقل متمولين سوريين لأموالهم إلى لبنان خوفاً من مصادرتها من قبل النظام السوري. هذا الأمر تقابله عمليات عديدة لإخراج الدولار من لبنان باتجاه سوريا وبيعه هناك، فيتوفر الدولار في السوق السوري، والبائع يحقق أرباحاً كبيرة. الالتفاف على العقوبات أميركا تعتبر أنه عقوباتها تضعف حزب الله، بينما العكس هو الصحيح. العقوبات تعزز شعبية حزب الله. وقوته تمنحه فرص التعويض المالي بطرق مختلفة، ومن يتضرر هو الدولة اللبنانية. وحالياً، يجد حزب الله أساليبه للرد على العقوبات الأميركية، بالإلتفاف عليها في ساحات مفتوحة كسوريا وغيرها ربما. وكما واشنطن حريصة على الحفاظ على الدولة اللبنانية، حزب الله أيضاً سيكون لديه هذا الحرص، لأن الوضع اختلف عما كان عليه في السابق. هو الآن منتصر في لبنان ويريد حماية انتصاره. وأي انهيار قد ينعكس عليه أو يغير "الستاتيكو" القائم. على أي لا يمكن إغفال حقيقة أن الدولة اللبنانية تكذب على نفسها وعلى الناس. إذ أن مصرف لبنان غير قادر على ضخ دولار في السوق، وقد تم تحرير سعره عملياً لدى الصرافين، وتعمل معظم الشركات والمؤسسات على احتسابه وفق سعر السوق، وليس السعر المحدد من قبل الدولة. وهذه عملياً هي عملية احتيال على الناس، لأن المعنيين لا يريدون مصارحة اللبنانيين بحقيقة الأمر، ويكررون أن سعر الليرة مستقر، بينما غايتهم تحرير سعرها، من دون الإعلان عن ذلك، وهذا ما قد يرفع سعر الدولار الأسبوع المقبل إلى 1700 ليرة، بينما سيعمل مصرف لبنان على تغطية شراء السلع الأساسية، من محروقات وطحين، بسعر الدولار المعلن عنه. وهذا يعني أن لبنان دخل في تحول كبير لنظامه المالي والاقتصادي".

loading