مقالات

خبيصة الموازنة بين الحكومة ومجلــس النواب

تشابكت الملفات ومعها الاستحقاقات الأمنية والمالية والدستورية والتشريعية، من دون أن يكون هناك ما يؤشّر الى إقفال أيّ منها رغم ارتباط بعضها بِمهَل. مع الاعتراف المسبق بأنها بمفردها ومجملها مفتوحة على المجهول في غياب الوسيط القادر على اجتراح المخارج. فقد تصاعدت المواقف الى حيث لم يعد أحد قادراً على ضبطها، وارتفعت السقوف عالياً، فمن سيتراجع أولاً؟ على الرغم من كل الأجواء التي توحي الحلحلة على المستويين الأمني والقضائي لتدارك تردّدات أحداث 30 حزيران الدامية في الجبل، فإنّ تراكم الملفات وتشابكها ألقى بظلاله على مساعي الوسطاء بعدما تعدّدت وجوهها على أكثر من صعيد، وأضيفت الى ما سبقها من قضايا شائكة. يتوقف أحد المطّلعين عند بعض ما تركته حادثة قبرشمون من تداعيات مباشرة على العمل الحكومي، معتبراً أنّ الأزمة الحكومية التي برزت في جلسة 2 تموز كانت الأصعب على رئيس الحكومة. وأيّاً تكن تبريرات قراره برفع الجلسة عقب اكتمال نصابها القانوني بعد ساعتين من الموعد المحدّد، فإنها لم تقنع أحداً من خصومه وأصدقائه. لقد فهم كثر من اللحظة الأولى أنّ الاجتماع في وزارة الخارجية الذي دعا اليه رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل لـ11 وزيراً يشكلون كتلة «لبنان القوي»، عند الحادية عشرة والنصف قبل ظهر ذلك اليوم، كان الرسالة الأبلغ الى الحريري باحتمال استخدام الثلث المعطّل في أي لحظة يريدها. فقد اختار باسيل الاجتماع في الموعد المحدّد للجلسة في السراي، فجمع الوزراء بسرّية من دون أن يتسرّب عن الخطوة ما يوحي بها مسبقاً. فانطلى الأمر على كثر حتى أولئك المقرّبين منه الذين سمعوا في الساعات التي سبقتها أنّ خطوة تصعيدية ستتخذ للدلالة على إصرار هذا الثلث، على أن يكون أول بند في جدول أعمال تلك الجلسة إحالة حادثة قبرشمون الى المجلس العدلي قبل البحث في أي بند آخر، رغم أهمية موضوعات جدول الأعمال، ولاسيما ما يتعلق بمضمون الملحق الذي جرى تعميمه على الوزراء قبل 24 ساعة، والذي تضمن قطوعات الحسابات العائدة الى موازنات الأعوام الممتدة من 2004 الى 2017 لبَتّها. كانت الخطوة المتعلّقة بقطوعات الحسابات إحدى المعابر الإجبارية التي على الحكومة سلوكها بملء إرادتها، قبل أن يبتّ مجلس النواب موازنة عام 2019 المرتبطة بقطع الحساب الخاص بموازنة عام 2017 لتكتمل الخطوات الدستورية التي تسمح بنشرها. وبالتالي عدم تكرار الخطأ الذي ارتكب عند بَت موازنة الـ 2018 من دون قطع حساب موازنة 2016، فلجأ المجلس في حينه الى المخرج الذي اعتمد بتجاوز هذه المحطة لمرة واحدة مع التعهّد بعدم تكراره. فالمادة 87 من الدستور واضحة وصريحة ولا تحتمل أي تفسير أو خلاف دستوري. ويرى مراقبون أنّ تداعيات ما حصل لم تكن محصورة بالتضحية بمسألة قطوع الحسابات، فقد كانت لجنة المال والموازنة على قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء من مناقشة مشروع الموازنة لإحالته الى جلسة تشريعية، كان رئيس مجلس النواب قد وعد بها قبل نهاية حزيران الماضي لو أنجزت اللجنة أعمالها قبل ذلك الموعد. أمّا اليوم وقد صار الأمر مستعجلاً، فلا يستبعدنّ أحد أن يلجأ الرئيس بري الى تأجيل الجلسة التشريعية التي دعا اليها أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس من الأسبوع المقبل، ما لم تنجح اتصالات اللحظات الأخيرة لعقد جلسة لمجلس الوزراء لبَت قطع حساب عام 2017 قبل بدء مناقشة الموازنة والتصويت عليها. فلم يظهر أنّ بري متحمّس لمخالفة الدستور، مرة أخرى، باللجوء الى المخرج الذي اعتمد العام الماضي. فهو ومعه كثر من النواب يتحسّبون إمكان قيام المعارضة النيابية في أي لحظة تَلي ارتكاب هذا الخطأ بمراجعة المجلس الدستوري لإبطالها ووقف المهزلة المرتكبة دورياً. لا تقف معايير التخبّط عند هذه المحطة فحسب، إذ تلاها إحياء الخلاف في الساحة القضائية على إحالة وزير العدل قاضيين من القضاة المحسوبين على «المستقبل» الى هيئة التفتيش القضائي قبل بَت مصير مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس، ما تسبّب بأزمة حقيقية، رغم أنها صامتة، لكنها قد تنفجر بين لحظة وأخرى. وهي أزمة تظهر الى جانب الأزمة الأمنية والقضائية المتصلة بعدم تسليم الحزبين «الإشتراكي» و»الديمقراطي» المتهمين بإطلاق النار في حادثة الجبل؟ فالتحقيق لن يكتمل ما لم يستمع المحققون الى المتهمين من طرفي الحادث، فليس في الأمر اعتداء من طرف واحد، فهناك مشكلة تسبّبت بها تجاوزات الطرفين. على هذه الخلفيات، سيرى كل من يسعى الى قراءة ما هو متوقع في الأيام المقبلة أنه سيكون صعباً عليه تحديد من أين يبدأ تفكيك العقد المتشابكة؟ فمن دون ذلك عجز مُتماد عن مقاربة هذه الملفات كما يجب، لأنّ السقوف العالية أدّت الى طرح السؤال: من سيصرخ أولاً، فيتراجع؟

ماذا لو استقال "المستقبل" و"القوات" و"الإشتراكي"؟

يخطئ من يستبعد سيناريو الاستقالة من الحكومة إذا كان وقعها مدوياً، وليست لتسجيل موقف، بل من أجل تغيير مسار سياسي، وذلك إذا أصرّ الوزير جبران باسيل على مواصلة الأسلوب نفسه الذي يقود لبنان نحو الهاوية. تبيّن أنّ الأسلوب الذي اعتمده رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط على أثر حادثة قبرشمون هو الأنجح مع طرف سياسي لا يقيم وزناً إلّا لمنطق القوة، فقلب جنبلاط الطاولة على من أراد أن يقلب الطاولة عليه. وكان الرئيس سعد الحريري صريحاً في جلسة الساعات الخمس التي جمعته بباسيل بقوله إنّ الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا النحو، وانّ ما قبل الغضب السنّي غير ما بعده، فيما الدكتور سمير جعجع لا يريد أن يقدِّم استقالة «القوات» من الحكومة لمَن وضع كل ثقله لمنع دخولها إلى هذه الحكومة، أمّا توقيت هذه المسألة فيخضع للظروف ويبقى في يد أصحابها وليس في يد باسيل. ولكن ماذا لو واصَل باسيل النهج نفسه من دون أن يأخذ في الاعتبار دقة الوضع الاقتصادي والتحذيرات الدولية من خطورة عدم اتخاذ الإجراءات المطلوبة؟ وهل يمكن للثلاثي «المستقبل» و«القوات» و«الإشتراكي» أن يتحمّل مسؤولية انهيار يقع على عاتق غيرهم؟ وألا يشعر باسيل أنه وَحّد كل المكونات الحكومية ضده بسبب مواقفه وممارساته؟ وإلى متى ستبقى مكونات الحكومة في موقع المتفرِّج على إيقاع سياسي يفرضه باسيل على البلد؟ وألا تخشى هذه المكونات من أن يؤدي الاحتقان إلى انفجار الوضع وأن يخرج من تحت السيطرة؟ وما الذي يلزمها البقاء في حكومة طالما يصرّ أحد مكوناتها على فتح مواجهات بالمفرّق وبالجملة ومن خارج السياق العام للأحداث؟ وبإطلاق مواقف لا علاقة لها باللحظة السياسية ولا بهموم الناس الحياتية، إنما تعود إلى ثلاثة عقود إلى الوراء وما قبل، وباتت من آخر هموم الناس التي تريد أن تضمن حاضرها ومستقبلها وليس فتح مواجهات على جنس الملائكة ما يؤدي إلى خراب البصرة؟ ولماذا البقاء في الحكومة إذا كان الانهيار حتمياً، فضلاً عن أنّ أحداً لا يستطيع تحميل المكونات المستقيلة مسؤولية انهيار البلد، لأنّ استقالتها تأتي في سياق غسل يديها من الانهيار المحتّم؟ ولماذا لا تكون الاستقالة فرصة إنقاذية أخيرة قبل السقوط الحتمي؟ وهل يعتقد باسيل مثلاً أنّ إمكانية تشكيل حكومة أخرى متاحة وممكنة؟ من الواضح أنّ باسيل يَتكئ على نهج «أم الصبي» الذي يتّبعه الثلاثي الحكومي، وغيرهم ربما، وبأنهم لن يقدموا على خطوة الاستقالة، ولكن ما دام المسار الحالي سيقود حتماً إلى الانهيار، فلا يعود ينفع البقاء في مركب مصيره الغرق، بل القفز منه يصبح أفضل وسيلة للنجاة، إذ بدلاً من أن يكون كل التركيز مُنصباً على الواقع الاقتصادي، يغرِّد باسيل منفرداً خارج هذا السياق، بل تحولت حركته إلى عامل مسرِّع للانهيار ليس الاقتصادي فحسب، بل انهيار الاستقرار السياسي بسبب معاركه غير المبرّرة وغير المفهومة سوى في سياق انتزاع مشروعية لن ينجح بانتزاعها، وبدلاً من أن يستدرك دعساته الناقصة يسرّع وتيرة هذه الخطوات إلى درجة تحوّل معها إلى عنوان لأزمة وطنية، وإحدى المشكلات الوطنية الأساسية في البلد اليوم هي باسيل. وبما أنّ المكونات الحكومية الخمسة (المستقبل والقوات والإشتراكي و«أمل» والمردة) تتشارك النظرة السلبية لحراك باسيل، فيما «حزب الله» يقف على الحياد، وبما أنّ الانهيار واقع حتماً ما دام باسيل لن يبدّل في نهجه، وبما انه لا يوجد أي مبرر يجعل هذه المكونات تتحمل هذا التحامل المتواصل عليها وعلى البلد، وبما أنّ هذه المكونات ليست في وارد أن تكون شاهد زور على سقوط البلد بسبب السياسات المتبعة، فلا بد من استقالتها من الحكومة، واستقالة من هذا النوع تفقد المبادرة من يد باسيل وتعيد تشكيل الحياة السياسية على أساس توازنات جديدة. ولن يتمكن باسيل من تأليف حكومة لا يترأسها سعد الحريري، ولا توجد أي شخصية سنية في وارد القبول بتكليف يحتاج الى شرعية سنية داخلية وسعودية غير متوافرة سوى للحريري الذي يشكّل مطلباً دولياً أيضاً، كما لن يتمكن من تشكيل حكومة من دون جنبلاط كونها ستكون حكومة فاقدة لميثاقيتها باعتبار أنّ الطرف الدرزي الآخر غير قادر على تأمين الغطاء الميثاقي، فيما خروج جعجع من الحكومة يعني افتقادها الى الشريك المسيحي القوي في ظل تراجع التأييد المسيحي لباسيل، وعدم قدرتها على تحمّل معارضة مسيحية بوزن «القوات اللبنانية». وفي هذا السياق تؤكد أوساط على تقاطع مع أكثر من فريق سياسي انه لا يمكن وقف هذا المسار الانحداري والتدميري سوى من خلال وضع الاستقالة جدياً على طاولة البحث، فهذه الطريقة الوحيدة التي ستجعل الرئيس عون يتدخّل للَجم باسيل، لأنّ عهده سيكون في خطر حقيقي، وستضع باسيل عند حدّه بأنّ زمن التساهل انتهى، وخلاف ذلك ستبقى الحياة السياسية على إيقاع شخص يقرّر مسارها، ومن غير المسموح ان تبقى القوى السياسية الأخرى في موقع المتفرِّج على هذا الكارنفال المتواصل. فلا يمكن استعادة المبادرة الوطنية إلّا من خلال التلويح بالاستقالة كفرصة أخيرة قبل الإقدام عليها، واللحظة الحالية أكثر من مؤاتية، لأنّ لا حليف وطنياً لباسيل، وإذا كان «حزب الله» يتوجّس من خطوة تؤدي الى كشف لبنان في مرحلة شديدة الخطورة إقليمياً، فما عليه سوى إفهامه على الطريقة التي يفهمها باسيل جيداً بأنّ «المزاح» انتهى. ومن الخطأ وضع التطورات التي يمكن أن تشهدها الحياة السياسية الداخلية في سياق التطورات الإقليمية، لأنّ تحصين لبنان من هذه التطورات ممكن ووسيلته معروفة، ولكن يستحيل تحصين لبنان في ظل فتنة متنقلة، وإذا كان «آخر الدواء الكَي»، فإنّ الاستقالة تشكّل المعبر للخلاص الوطني.

أسقطوا الأسوار

أسقَطوا كل قوانين مكافحة الفساد وهيئاتها وبيروقراطيتها ولجانها، وأقرّوا قانوناً واحداً، قانوناً متقدّماً للحق في الوصول الى المعلومات، يمنح المواطن الاطلاع الكامل. قانون يسمح بأن يُصبح عمل الحكومة علنياً بطريقة مطلقة أي أن يدخل المواطن بطريقة اوتوماتيكية عبر الانترنت متى شاء وكيفما شاء، عبر فتح القنوات اللازمة وإنشاء أنظمة تتيح للمواطن الدخول الى سجلات الوزارات والمؤسسات والادارات العامة. قانون لبناني رائد يُشرك المواطن في القرار. فاذا اخترعنا الحرف، نستطيع اختراع قانون سبّاق يعطي مثالًا رائدًا عن الديموقراطية الحقيقية التي تجعل المواطن شريكاً في الحكم عبر الشفافية الكاملة. تستمر محاولات الدولة في انتاج قوانين فاعلة لمحاربة الفساد، بعد أن تعهّد الجميع بأنّه آن الآوان لاقتلاع هذه الآفة التي يقرّ الجميع بأنّها تؤخّر قيام الدولة الحديثة في لبنان، وكان آخرها قانون محاربة الفساد في القطاع العام وإقرار الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وقد أعرب النواب أنفسهم عن تخوّف من أن تتحول هذه القوانين الى حبر على ورق، كما يحدث اجمالاً مع القوانين في لبنان. وعبّر أحد النواب بصراحة عن أننا أقرّينا القوانين الخاصة بالفساد، لكن الحكومات المتعاقبة في لبنان لم تنفّذها، فالواضح أنّ القوانين فقدت هيبتها فصار القانون وجهة نظر وتطبيقه ليس مُلزِماً، بل يخضع لرأي الوزير المختص في تطبيقه، تماماً كما حصل مع قانون منع التدخين في الاماكن العامة وغيره من القوانين. المشكلة في القوانين المقرّة اليوم في موضوع مكافحة الفساد هي أنّها تتبع الذهنية ذاتها التي أدّت أصلاً الى الفساد، البيروقراطية القاتلة والروتين الاداري وهيئات تخضع للسلطات السياسية، وتجربتنا مع الهيئات تُعبّر عن نفسها . ما زلنا نتصرّف من خلال ذهنية أنّ الحكومة تملك ترف المعلومة واخفاءها، وأنّ مجرّد كشفها يحتاج الى طلب، وكأن الحكومة تمُّن على المواطن بإعطائه المعلومة، وهذه الذهنية هي ذاتها التي أدّت الى تشويه الشفافية الكاملة التي نطالب بها عبر إقرار قانون مشوّه هو قانون الحق في الوصول الى المعلومات، والذي أصلاً لم يُنفّذ حتى الآن ولا تعترف به أي ادارة أو مؤسسة. القانون الذي انطلقنا به لتحقيق الشفافية الكاملة أي أن يُصبح عمل الحكومة علنياً للرأي العام لجهة صرف المال العام والقرارات والمناقصات الى آخره، تحوّل الى قانون يُدخل المواطن متاهة ادارية أخرى عبر التقدّم بطلب رسمي للحصول على معلومة وتخصيص موظف للردّ على الطلبات، وكلنا نعرف تجربة المعاملات الرسمية، فالمواطن يتوهّم من التقدّم بمعاملة اساسية تخصّ حياته، فمن سيقوم بمغامرة التقدّم بمعاملة رسمية للبحث عن معلومات هي بالاساس حق له، اي بمعنى آخر عندما تريد ان لا تمنح شيئاً، قم بتعقيد المعاملات. وظهرت الذهنية خلال مناقشتنا القانون في موضوع الاستثناءات، حيث تمّ استثناء ما يُنشر تلقائيًا على المواقع الخاصة بالادارات، ومن الاستثناءات المتوافق عليها هي استثناء الرواتب والمعاشات لموظفي القطاع العام، وهذه قناعة غير موجودة إلّا في لبنان، فكل البلدان تنشر بوضوح معاشات موظفيها من الرؤساء نزولاً، وما المشادة الاخيرة بين نائب ومدير عام إلّا خير دليل على أنّ المعاشات غير واضحة، ولدى سؤالنا عن موضوع الرواتب تحديداً أجبنا أنّها موجودة أصلًا في الموازنة التي سيتمّ نشرها، فاذا كانت هذه هي الحال فلماذا ذُكرت كاستثناء في القانون، هذا يسمح بأن تُنشر الموازنة من دون نشر الرواتب بدقة، والكل يعرف أنّ الموضوع غير محصور بالرواتب فحسب، بل بالتقديمات وبدلات السفر وغيرها والعطاءات التي تُضاف الى الراتب، من: بدل حضور لجان، تنقّل، سفر، ساعات اضافية وغيرها، ومن يدقّق في ذلك سيكتشف الكثير من المحظوظين ويقارن انتاجية الموظف بالتقديمات الممنوحة له، كما سيكتشف الظلم الواقع على المنتجين الحقيقيين والذين يُستثنون من التقديمات لانهم لم يحظوا برضى الزعيم. الاستثناء الآخر هو حصر المبالغ التي يجب نشرها بسقف الخمسة ملايين ليرة لبنانية، والذهنية هنا أنّ مبلغ الخمسة ملايين ليرة لا يستأهل النشر أي انه ليس مبلغاً كبيرًا، وهذا تفكير خطير لأنّ المال يجب أن يكون مقدّساً من ليرة الى مليون، حجم المبلغ ليس الاساس، الاساس هو قدسيّة المال العام. المهم أنّ اقرار قانون الحق في الوصول الى المعلومات في شكله الراهن أدّى الى انطباع خاطئ اننا دخلنا عصر الشفافية الكاملة، أي انّ الحكومة أدّت قسطها للعُلى عبر اقرار هذا القانون المشوّه، وبات يتم الاستشهاد به للدلالة على أنّ الحكومة شفافة واننا بتنا جاهزين لمتطلبات «سيدر»، في هذه الحالة التوهم بالشفافية أخطر من الفساد بحد ذاته. علماً أنّ من يستشهد بالقانون يُدرك تمامًا أنّ القانون وبحالته المزرية لا يتم تطبيقه ولا مساءلة الادارات حول تطبيقه. ولا يهتم المسؤولون بمدى تطبيقه اصلاً ، بل أصبح وسيلة فقط لتلميع صورتنا فقط. لقد انحرفنا عن جوهر الحق بالمعلومات، الفكرة ليست النشر او السماح، أو اعطاء الحق بالاطلاع، الفكرة بالشفافية الكاملة ان يُصبح عمل الحكومة علنياً بطريقة مطلقة، اي ان يدخل المواطن بطريقة اوتوماتيكية عبر الانترنت متى شاء وكيفما شاء، عبر فتح القنوات اللازمة وانشاء انظمة تتيح للمواطن الدخول الى سجلات الدولة وموازناتها وقراراتها من دون عائق او حاجز. فمن يرتكب جرمًا لن ينشر ما يُدينه، أما اذا كان النظام تلقائيا سيشعر المسؤول أنه مراقب وهو لا يملك السيطرة على المعلومات التي يريد كشفها او عدم كشفها. لن تتحقق الشفافية الكاملة دون اسقاط الاسوار المحيطة بعمل الحكومة، لقد فشلتم، لقد ورطتم البلد في ديون هائلة، عجزتم عن تحقيق الخدمات الاساسية وتحقيق اي نمو، حمّلتم المواطن أعباء الفشل يومًا بعد يوم وموازنة بعد موازنة، اذا كان المواطن يجب أن يتحمّل تبعات المشكلة يجب أن يكون شريكاً كاملاً، وليكون شريكاً كاملاً، يجب أن يتمتع بحق الاطلاع الكامل ليقتنع بحجم المشكلة وبفعالية الحلول المطروحة. اذا كنتم جديون بمكافحة الفساد وبالشعارات التي التزمتم بها لتحقيق الشفافية، الطريق لذلك وحيدة: «أسقطوا الأسوار».

loading