مقالات

لا توطين في صفقة القرن

ما كادت الإدارة الاميركية أن اعلنت الخطة الاقتصادية لـ»صفقة القرن»، التي اعطتها عنوان «الإزدهار والسلام»، حتى انطلقت ردود أفعال لبنانية رافضة، أقل ما يقال فيها إنها بنت «فوبيا» التوطين وسياسة كيسنجر. فعلى المستوى المسيحي، سُجّل إجماع رافض للخطة وكذلك على المستوى السنّي، أما بالنسبة لـ»حزب الله» وحلفائه، فلم يضبط البعض مشاعر البهجة والفرح لأنّ الجميع اقتنع اخيراً أنّ التسوية في المنطقة ستكون على حساب لبنان، وباتت لـ»حزب الله» مادة جديدة ووظيفة جديدة، هي معادلة السلاح الذي يمنع التوطين، على ما قاله الوزير السابق مروان شربل بلسان من لم يجاهروا به. ترفض اوساط مطلعة على موقف الإدارة الاميركية، وعلى بعض ما يمكن ان تتضمنه خطة القرن، هذه «التهيؤات»، وتضعها في خانة الشعبوية واللاإطّلاع، وتعتبر ان معظم السياسيين اللبنانيين يركبون الموجة ولا يجرؤون على مقاومتها، خشية إتهامهم بالموافقة على التوطين، الذي يشكل خطيئة في الوجدان اللبناني. وتوجز الأوساط الخطة التي تقوم بها الادارة الاميركية، بشقيها الاقتصادي والسياسي ما سيُعلن عنه قريباً بالآتي: ـ أولاً، لا تتنازل الخطة عن مبدأ إنشاء دولة فلسطينية، وأكبر الأدلة مشروع ربط الضفة بغزة، في حين أن النزاع الذي يمكن أن ينشأ بعد إعلان الخطة النهائية هو حول حدود هذه الدولة لا على مبدأ قيامها، والمقصود هنا حدود الضفة الغربية من أراضي العام 1967، التي أنشأت فيها اسرائيل المستوطنات لفرض حدود جديدة. تشير الاوساط الى انّ ما يمكن ان تتضمنه الخطة لحل مسألة الحدود لا يزال غير واضح، مع ترجيح ضم المستوطنات الى إسرائيل، واعطائها السيادة على غور الأردن، لكن السؤال كيف سيتم تعويض الفلسطينيين؟ هل بتبادل أراضٍ، أم بتعديل خط الـ 1948 ليشمل مجمعات سكانيّة فلسطينية، مع ضعف هذا الاحتمال؟ ـ ثانياً، على رغم من نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس، فإنّ الترتيبات النهائية للقدس لم تعطَِ إسرائيل السيادة عليها بنحو كامل، فهناك افكار لإقامة عاصمة فلسطينية في أبوديس، كما انّ مسألة السيادة على المراكز الدينية والأحياء العربية لم تُحسَم (سترد في الخطة). ـ ثالثاً، إن الشق الاقتصادي الذي أعلن في الخطة هدفه بالنسبة الى الفلسطينيين تثبيتهم في الضفة وغزة، وإلّا لما كانت رصدت هذه المبالغ لإنهاض الاقتصاد الفلسطيني ونفض البنية التحتية المتهالكة، وربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصاد اسرائيل والدول العربية المجاورة، ومنها لبنان ومصر والأردن وسوريا، والهدف من ضخّ هذه الاموال في هذه الدول هو إنشاء بنية تحتية لمنطقة تجارة كبرى، هي منطقة عبور وترانزيت بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. ـ رابعاً، إنّ التوطين في لبنان أو دول الشتات غير وارد في الخطة، فهذه الدول ترفض التوطين، ومصلحتها تكمن في حل النزاع العربي ـ الاسرائيلي، وإنشاء دولة فلسطينية سيعطى بموجبها كل فلسطيني في الضفة وغزة والشتات جواز سفر باسم دولته، وهذا يعني أن اللاجئ الفلسطيني سيصبح مواطناً أجنبياً يحمل جواز سفر دولته. تختم الأوساط بالاشارة الى أنّ كل مَن يعارض «صفقة القرن» في لبنان، خصوصاً من الفريق الذي لا يوافق على سياسة «حزب الله»، يعاني من نقص في «الداتا» او في التواصل مع الإدارة الاميركية، التي لم تحدد لمسؤول لبناني موعداً منذ فترة طويلة. وتشير الى انّ ما بين الحَرَد والمقاطعة والرفض المطلق، وما بين المشاركة ونيل المطالب، تسهل معرفة الإتجاه الأفضل، فالحرد أدّى تاريخياً الى التقهقر من سقفٍ مرتفع الى سقفٍ متدنِّ، أما إستسهال المواقف الشعبوية فهو يصب في طاحونة المشروع الايراني، الذي يطمح الى الإمساك بالورقة الفلسطينية، بعد ان أمسك بورقة لبنان والعراق واليمن وسوريا، وهي أوراق تفاوضية يسعى دائماً لاستعمالها مع الولايات المتحدة الاميركية، بالنيابة عن اصحاب القضية الأصليين.

رسم تشبيهي لشبح الإنهيار: هذه شروط النجاة

يشكّل الوضع المالي - الاقتصادي هاجساً كبيراً لدى معظم اللبنانيين الذين يخشون من ان يباغتهم الانهيار الشامل في «ليلة ما فيها ضو قمر» أو حتى.. «ضو شمعة». وإذا كان معظم المسؤولين يحرصون على التأكيد انّ الأزمة قابلة للمعالجة والإحتواء، على الرغم من تعقيداتها وتحدّياتها، إلاّ انّ هناك في الغرف المغلقة من ينزع القفازات والأقنعة، ويبوح بكلام قد لا يتجرأ كثيرون على الإفصاح عنه علناً. لعلّ أحد أبرز المؤشرات الى «الخصوصية اللبنانية» هو انّه عندما يُسأل أصحاب القرار والخبرة عن سرّ الصمود الاقتصادي والمالي حتى الآن، مع انّ الارقام والوقائع قاتمة على كل المستويات، يراوح الجواب بين حدّين، فإما ان يُقال لك انّ العناية الالهية هي التي تحمي لبنان، وإما ان يجري إقناعك بأنّ المجتمع الدولي يمنع حصول الانهيار الكبير، خشية من ان يتدفق نحوه النازحون السوريون، وهذا ما يفسّر مؤتمرات الدعم التي كان آخرها مؤتمر «سيدر». غير أنّ حسابات الورقة والقلم، والمقاربات العلميّة المجرّدة، تقود الى الاستنتاج، أنّ كل ما يجري على الصعيدين المالي والاقتصادي هو «تخبيص بتخبيص»، على ما تؤكّد شخصية خبيرة في هذا الشأن، وسبق لها ان شاركت في إحدى حكومات العهد الحالي. وتنبّه تلك الشخصية في مجلس خاص، الى أنّ الإنحدار نحو الأسفل لم يتوقف بعد، وهو لا يزال مستمراً من شهر الى آخر، إنما مع فارق في الوتيرة، حيث انّ هذا المسار الانحداري او الهبوط الفوضوي قد يتسارع أحياناً نتيجة عوامل مستجدة، وقد يتباطأ أحياناً أخرى بفعل مسكّنات ظرفيّة أو معالجات موضعية وسطحيّة لا تلامس عمق الأزمة وجذورها. وانطلاقاً من حصيلة مراقبتها للمشهد العام، لا تخفي الشخصية نفسها عدم ثقتها في نمط المقاربات المعتمدة للسيطرة على المأزق المتفاقم والخروج منه، مشيرة الى أنّ لديها انطباعاً بأنّ ما يحصل من محاولات انقاذيّة لم يتجاوز بعد إطار «لعبة الطرابيش» التي ترمي الى تمويه الحقيقة وتضليل الناس. مضيفة: «بشيلوا وبيحطوا، بيطلعوا رقم وبينّزلوا رقم، حتى في الآخر يضيع الشنكاش وما يعود حدا قادر يلحقن، او يلحّق عليهن..». وبالعودة الى الوراء قليلاً، تلاحظ الشخصيّة نفسها أنّ الأزمة كانت قبل سنوات «ممسوكة» وتحت السيطرة الكاملة، «ويمكن القول من باب تقريب الصورة، إنّ الأمر كان في السابق يشبه احتمال السقوط من الطابق الأول على سبيل المثال، حيث انّ أقصى الضرر المُحتمل عندها لا يتعدّى حدود الإصابة برضوض أو كسور خفيفة في أسوأ الاحتمالات، أما الآن فإنّ ما نواجهه هو خطر الوقوع من الطابق العاشر، وبالتالي فإنّ السقوط من هذا الارتفاع الشاهق ستترتب عليه حُكماً نتائج وخيمة». ولئن كان بعض أطراف السلطة يراهن على ان تتمكن موازنة 2019 من إيجاد ممرات، ولو ضيّقة، للخروج المتدرّج من نفق المأزق، إلاّ انّ الشخصية التي تجيد لغة الأرقام، تعتبر انّ الدولة تتصرّف كمن يحاول ان يغطي كومة نفايات بالتراب بدلاً من ان يزيلها، «وهي بذلك ربما تنجح في إخفاء تلك الكومة، لكنها لن تستطيع القضاء على رائحتها الكريهة ومفاعيلها المضرّة». وتلفت الشخصية إيّاها، الى أنّ الانطباع السائد لدى كُثُر، ومن بينهم مسؤولون وسياسيون، هو انّ لبنان يهتز من وقت الى آخر إلاّ انه لن يقع، مهما اشتدت الضغوط، عملاً بقاعدة «لا استقرار ولا انفجار» التي تتحكّم به منذ عقود، «ولكن ماذا لو حصل أي خطأ في التقدير؟ وماذا لو رُفع الغطاء فجأة عن لبنان؟ ومن يضمن عدم تبدّل المصالح الدولية في لحظة غير محسوبة؟ وهل يصح اصلاً ان يُربط مصير دولة سيّدة ومستقلة بضمانات او بمعادلات خارجية؟». وعلى قاعدة وجوب التحسّب لأقسى الاحتمالات، ولو انّها تبدو مستبعدة في هذه اللحظة، تشدّد الشخصية على ضرورة صنع صمامات أمان داخلية، تعمل بقوة دفع محلية وليست أجنبية، مشيرة الى انّ الدينامية الاقتصادية والمالية التي تستند الى عناصر قوة لبنانية يجب أن تكون هي الحصانة الأساسية في مواجهة المخاطر الداهمة. وتلفت الشخصية المُلمّة بالتفاصيل، الى أنّ أحد أبرز التحدّيات التي تواجه الاقتصاد اللبناني راهناً تكمن في ضخ كميات ضخمة من الدولار الى الخارج، لأنّ معظم السلع التي يستهلكها اللبنانيون مستوردة، موضحة انّ الموارد المالية، المتعددة الروافد، كانت تكفي في الماضي لسد الفجوات وتقليص الخلل في التوازن المالي، أما حالياً فأصبحت هناك حاجة ملحّة الى موارد أكبر، غير متوافرة، لتؤدي دور ورقة التوت، الأمر الذي وضع الدولة امام خيارين اثنين أحلاهما مرّ: مواصلة الاستدانة، او فرض ضرائب جديدة. وتوضح الشخصية المنفتحة على الجميع، انّها جمعت في احدى المرات صوراً عن الاحتجاجات والتداعيات التي حصلت في اليونان عقب أزمتها الشهيرة، وعرضتها على عدد من اصحاب القرار في السلطة لتحفيزهم وتنبيههم الى خطورة الموقف وضرورة الحؤول دون تكرار السيناريو اليوناني في لبنان. وتجنباً للأسوأ، تشدّد الشخصية على ضرورة اعتماد مجموعة من التدابير البنيوية والمستدامة للجم التدحرج في اتجاه الهاوية، ومنها: - إستثمار مكامن القوة في قطاعاتنا الاقتصادية والانتاجية، تطبيقاً لما أوصت به دراسة ماكينزي التي يجب على الحكومة ان تقرّها رسمياً وتباشر في تنفيذها، علماً انّ الفرنسيين أدرجوها ضمن شروط «تسييل» مشاريع مؤتمر «سيدر». - إنشاء وزارة للتخطيط أو هيئة للتخطيط، مع منحها صلاحيات كاملة تسمح لها بمراجعة الوزراء ومواكبتهم في الخطط التي يُفترض وضعها. - خفض معدلات التهرّب الضريبي. - مكافحة التهرّب الجمركي والتهريب عبر المعابر الحدودية، الشرعيّة منها وغير الشرعيّة. - الخروج المتدرّج والمنظّم من أنماط الاقتصاد الريعي، وبالتالي تعزيز الصناعات الوطنية وحمايتها، خصوصاً تلك التي تتناسب مع تحدّيات العصر ومتطلباته، وصولاً الى تخفيف الإتكال على الاستيراد وبالتالي تخفيف النزف في العملات الصعبة. - تقليص حجم القطاع العام المتضخم. - تعديل بعض قواعد الضريبة على القيمة المضافة ( TVA )

loading