مناقصة البنزين: شركتان لمستفيد واحد مدعوم عونياً؟

  • محليات
مناقصة البنزين: شركتان لمستفيد واحد مدعوم عونياً؟

سارعت وزيرة الطاقة في حكومة تصريف الأعمال، ندى بستاني، إلى ترتيب عملية شراء الدولة 10 بالمئة من حاجة السوق لمادة البنزين، أي شراء 150 ألف طن، عبر مناقصة كان من المفترض أن تُفتَح عروضها يوم الاثنين 2 كانون الأول.

 لكن تقديم شركتين فقط عرضيهما للمناقصة من أصل 14 شركة سحبت دفتر الشروط، دفعت الوزيرة إلى الموافقة على طلب الشركات تمديد مهلة تقديم العروض. والموافقة هَدَفت، حسب ما قالته بستاني في مؤتمر صحافي، إلى تأمين "المزيد من المنافسة للاستحصال على أفضل سعر للمواطن اللبناني". وفي حال بقاء الوضع على ما هو عليه في الأسبوع المقبل، يحق للوزارة فض عروض المناقصة ولو بين شركتين فقط.

سماسرة لا شركات
ستشتري الدولة البنزين من شركات مستورِدة عبر مناقصة تجريها بواسطة منشآت النفط. لكن، وبعيداً عن مخالفة القانون، في ما يتعلق بدور منشآت النفط التي لا يحق لها إجراء مناقصة كهذه، وتجاوزاً لاختصار الوزارة كل الطرق القانونية لإجراء المناقصات، وهي قضية تكررت كثيراً في ملف الكهرباء وبواخر الطاقة، يبقى أن وزارة الطاقة تقوم بالتحضير لمناقصة تشوبها التساؤلات. وهو أسلوب اعتدنا عليه في هذه الوزارة. فما زالت مناقصات بواخر الطاقة ماثلة أمام الجميع.

وسيراً على نهج مناقصات الوزارة، تكشف مصادر متابعة لملف مناقصة البنزين، أن "الشركتين اللتين قدمتا عرضيهما (شركة ZR energy وشركة  Lebneft FZE)، مدعومتان من الفريق السياسي النافذ في الوزارة، مع ترجيح أن يكون وكيلهما في لبنان هو شخص واحد. علماً أن الشركتين مسجلتان في الإمارات العربية المتحدة". وتشير المصادر في حديث لـ"المدن"، إلى أن الشركتين المذكورتين "خسرتا سابقاً مناقصة لشراء المحروقات لمطار بيروت. وبالتالي نستبعد تقديمهما عروض منافِسة للأسعار التي تشتري بها الشركات الموجودة اليوم في السوق". وترجح المصادر أنه في حال فوز إحدى الشركتين "ستؤّمن الشركة الرابحة البنزين من الشركات الموجودة في السوق، لأنه لا قدرة لها على الاستيراد مباشرة من الخارج".

الحارة ضيقة
تمنت وزيرة الطاقة على الشركتين اللتين تقدمتا اليوم للمناقصة، معاودة التقديم الأسبوع المقبل "علماً أنه جرى الكثير من الضغوط عليهما خلال الـ 48 ساعة الماضية". والمقصود بالضغوط، هو محاولة الشركات المستوردة للنفط الموجودة حالياً في السوق، منع دخول أي منافس جديد على خط الاستيراد، حتى وإن كان آتياً عن طريق الدولة. وتحدياً للضغوط، تصر بستاني على إجراء المناقصة التي تُعتَبَر "ناجحة، بمجرد تقديم شركتين، وبذلك يحق لنا اجراء فض العروض"، وفق بستاني.

ولأن "الحارة ضيقة والكل يعرف بعضه"، على حد تعبير المَثَل الشعبي، ليس مصادفة التركيز على امكانية الاكتفاء بعارضين فقط لفتح العروض. وتتّضح الصورة أكثر مع معرفة أن العارضين مدعومين من جهة سياسية واحدة. وبالتالي، العرض المقدّم لا ينطوي بالمضمون على عنصر المنافسة الموجود بالشكل فقط.

ولا تستغرب المصادر لجوء أهل القطاع النفطي للضغط على كل من يريد منافسته، "لكن هذه الضغوط سرعان ما تهدأ بعد جلاء غبار المناقصة، وتوزيع الأدوار مع الشريك الجديد في القطاع، خصوصاً وأن المنافسة ستقتصر على 10 بالمئة، في حين سيبقى لباقي الشركات 90 بالمئة من حصة السوق".

من ناحية أخرى، ترفض شركة ZR energy الإماراتية (لديها فروع في لبنان، جنيف والعراق)، ما يُقال عنها. إذا يؤكد مدير عام الشركة في لبنان إبراهيم زَوْق، أن "كل الاتهامات التي تطلق بحق الشركة غير صحيحة". ويؤكد في حديث لـ"المدن"، أن الشركة "تشارك دائماً في مناقصات منشآت النفط لشراء الديزل، إلى جانب الكثير من الشركات في لبنان. لذلك فإن الهجوم الذي شنته علينا بعض الشركات، سببه مشاركتنا في استيراد البنزين حصراً وليس المشاركة بحد ذاتها".

ونفى زوق أن يكون هناك أي دعم سياسي للشركة، مفضّلاً "عدم الدفاع، لأننا لا نريد القول أكثر من أننا نشارك في المناقصة كأي طرف آخر". داعياً كل الشركات العاملة في هذا المجال إلى التقدم للمناقصة "وليربح من يقدم السعر الأفضل".

اعتراف بالتقصير
بقرار استيراد الدولة للبنزين "نكون قد كسرنا الاحتكار الموجود ويساعدنا ذلك على معرفة الاسعار الحقيقية وما اذا كان في الإمكان كسرها أيضاً". هي جملة قالتها بستاني ظناً منها أنها تقدم بشرى سارة للمواطنين، لكنها غفلت عن احتواء الجملة على اعتراف رسمي بوجود احتكار وليس منافسة، رغم وجود أكثر من شركة مستوردة. فما الذي يضمن عدم دخول الشركة الجديدة إلى كارتيل الاحتكار الموجود حالياً؟ كما أن بستاني تقر بوجود أسعار غير حقيقية، وهذا يعني أن طرفاً ما يسرق الشعب اللبناني، فيما الوزارة تقف عاجزة عن وضع حد لذلك، لا بل انتظرت عقوداً لتقرر استيراد 10 بالمئة من حاجة السوق.

وأبعد من ذلك، طالما أن هناك علامات استفهام حول أسعار البنزين، فهناك حكماً علامات استفهام حول أسعار المازوت الذي تستورد الدولة 30 بالمئة من حاجة السوق، فيما الشركات تستفيد من نتائج استيراد 70 بالمئة.

تعترف الدولة بتقصيرها تجاه حماية سلعة أساسية يعتمدها المواطنون في حياتهم اليومية، ومع ذلك لم يُحاسَب أحد على التقصير، ولا على الاحتكار، وإنما تتجه الدولة لدخول نادي الاحتكار في وقت تهرب فيه الشركات نتيجة الوضع الاقتصادي المأزوم، وهذا عامل يحد من المنافسة الممكنة، فيما لو أن الوضع الاقتصادي والمناخ الاستثماري جاذب للشركات. وهو ما يؤكده محامي شركة Imperial trading company، أحمد الجمل، الذي يشير في حديث لـ"المدن"، إلى أن "الشركات في الخارج تطلب ضمانات مرتفعة لتزويد الشركات التي تريد الاستيراد البنزين لصالح الدولة، وذلك خوفاً من الوضع الحالي للمصارف التي سيتم عبرها تحويل الأموال للشركات".

وتشكل هذه الضمانات ضغوطاً إضافية على الشركات التي تريد المشاركة في المناقصة "إلى جانب ضغوط الكفالات المرتفعة التي تطلبها الوزارة، فهي اليوم تطلب كفالتين، الأولى بقيمة 2 مليون دولار، والثانية بقيمة 300 ألف دولار".

المصدر: المدن