من هو الأب الروحي للحكومة: طهران ام باريس ام صندوق النقد الدولي؟

من هو الأب الروحي للحكومة: طهران ام باريس ام صندوق النقد الدولي؟

انطلقت الحكومة ومعها انطلقت عقارب الساعة حتى نيلها الثقة.

خلافاً لحكومة حسان دياب، حصدت حكومة نجيب ميقاتي دعماً دولياً لافتاً في سرعته، ومضمونه، حيث وافقت دول القرار على حكومة لم تأت وفق شروطها، لا من حيث التزام معايير الاستقلالية والاختصاص كما طالبت فرنسا في مبادرة رئيسها إيمانويل ماكرون، وتبنتها دول الغرب، ولا من حيث فيتو التمثيل السياسي لحزب الله الذي وضعته واشنطن في وجه أي حكومة تضم ضمن تشكيلتها وزراء للحزب.

وُلدت حكومة ميقاتي من رحم امر واقع فرضه انهيار الاوضاع في البلاد على مختلف المستويات، مهدداً بانفجار امني اجتماعي بدأ يتحسس الغرب مخاطره، بعدما بدا واضحاً أن سياسة العزل والضغط لن تؤتي ثمارها المرجوة، وان الرهان على الشارع لقيادة التغيير لم يكن في محله.

هكذا دارت عقارب الساعة ما يقرب العامين لتعود وتتوقف حيث كانت قبل السابع عشر من تشرين ٢٠١٩، وإنما بفارق كبير كمن في التداعيات الكارثية التي افضت اليها حكومة اللون الواحد بقيادة حسن دياب، وسؤ ادارة الازمة ما أدى عملياً إلى تفاقمها وإفساح المجال امام المستفيدين منها للضرب أكثر والضغط لدفعها نحو مستويات أعمق من الانهيار.

على مسافة أمتار قليلة من الارتطام الكبير، نجح ميقاتي في استقطاب دعم عربي ودولي في لحظة إقليمية ودولية سانحة لإنضاج حكومة يصح توصيفها بأنها حكومة منع الانفجار وعلى جدول أعمالها مهمتين أساسيتين: اجراء الانتخابات النيابية التي يعلق الغرب اهمية قصوى على اجرائها في موعدها، كمنطلق أساسي لاعادة تكوين سلطة سياسية جديدة، بعدما تعذر القيام بذلك عبر الشارع او عبر الحكومة. ويعتمد الغرب على تجربة ناجحة خاضها ميقاتي عندما تولى أولى حكوماته بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكانت حكومة التحضير وإجراء الانتخابات النيابية.

المهمة الثانية وهي تسير بالتوازي مع المهمة الاولى، وربما تسبقها وتتمثل في استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وهي حتماً لن تنطلق من حيث وصلت مفاوضات الحكومة السابقة باعتبار ان الجولات السبعة عشر الماضية ركزت على جانب واحد من الازمة ولم تنجح في معالجته، ويتعلق بمعالجة الخسائر في القطاع المالي (المصرف المركزي والمصارف). والواقع ان الازمة قد تفاقمت في شكل كبير منذ توقف تلك المفاوضات، في حين ان الارقام التي قدمتها خطة حكومة حسان دياب قد تغيرت في شكل لافت بفعل عمليات "قَص الشعر" القسرية التي مارسها القطاع على أموال المودعين.

وفي هذا السياق، علم أن معالجة موضوع الديون السيادية والتفاوض مع الدائنين وإعادة هيكلة القطاع المصرفي تمهيداً لتحديد مصير الودائع يشكل اولوية ملحة على اجندة ميقاتي. ولا يستبعد أن ينجح في وضع هذا الملف على سكة المعالجة، انطلاقاً من الانسجام والتعاون القائمين بين وزير المال وحاكم المصرف المركزي من جهة والمصارف التي ستلتزم أي قرارات من جهة اخرى، بالتوازي مع بدء المفاوضات مع صندوق النقد الذي سيقدم المساعدة التقنية قبل الوصول إلى وضع برنامج يحدد خارطة الطريق المطلوب سلكها.

لا يبني ميقاتي توقعات عالية جداً على حكومته، وهو المدرك لحجم التحديات الماثلة أمامها. لا "يكبر" حجره كثيراً، ولكن هناك أهدافا محددة تنطلق من النقطتين الأساسيتين المشار إليهما سابقاً، على ان توضع الملفات الاخرى على سكة المعالجة مع المؤسسات الدولية والمانحين. الآمال ليست كبيرة جداً، ولكن هناك عزما على التوجه فوراً إلى عمل جاد، أقله بالنسبة إلى الملفات الآنية المعيشية والاجتماعية. وتتوافر لحكومة ميقاتي حظوظ اكبر على مستوى المعالجة انطلاقاً من وجود بعض الخبرات واصحاب الاختصاص بين اعضاء الحكومة، وان ليس على رأس الوزارات المعنية، وانما على طاولة مجلس الوزراء، يضاف إلى ذلك خبرة ميقاتي وشبكة علاقاته الخارجية، الامر الذي كان يفتقد اليه بالكامل حسان دياب وحكومته.
في هذا المجال، لا يمكن اغفال الدور الفرنسي الذي ساهم في شكل كبير في تسهيل ولادة الحكومة، مع العلم ان الفرنسيين واكبوا عملية التأليف منذ تكليف ميقاتي، وعملوا على تذليل عقد من خلال الضغط على فريق رئيس الجمهورية، او عبر تسمية بعض الوزراء الذين لا يشكلون استفزازات لرئيس الجمهورية.

وكان لافتاً في هذا المسار التغاضي الفرنسي عن حكومة المهمة التي اقترحتها المبادرة الفرنسية، والانتقال إلى الفقرة الثانية من المبادرة وفق خارطة الطريق التي رسمتها، اي تشكيل حكومة امر واقع ومن ثم فرض الإصلاحات كأولوية ضمن البيان الوزاري. ما يعني عملياً ان باريس لم تغير أولوياتها، بقدر ما غيرت مقاربتها لها بما يتيح تحقيقها.
من هنا، بات واضحاً ان باريس ستكون الأب الروحي لهذه الحكومة، إلى جانب دور بارز لصندوق النقد بغطاء أميركي واضح. أما طهران التي كان لها مساهمتها في تسهيل التأليف، فلن تغيب ملائكتها حتما. عن الحكومة وعن عملها ومهمتها. ولكن لم يتضح بعد حجم هذه المساهمة، وهل ستكون بمواكبة فرنسية أميركية أو لا.

الواضح أن ميقاتي يسير ضمن حقل ألغام للتوفيق بين الدور الإيراني المستجد في #لبنان وبين إعادة لبنان إلى حضنه العربي. والمؤشر الاول لهكذا عودة يِنتظر ان يتلقاها لبنان من المملكة العربية السعودية التي، ولغاية اليوم لا تزال تعتصم بالصمت.

المصدر: النهار