موريس الجميّل...قتلَهُ انشغالُهُ بلبنان

  • مقالات
موريس الجميّل...قتلَهُ انشغالُهُ بلبنان

إذا سَرَّبْنا نظرَنا الى عمقِ الدّماغ، تُطالعُنا فُوَّهاتٌ ذكائيّة ناشِطة، تنبعثُ منها حِمَمُ الفكر، مزيَّنةً بنُقوشِ الصَّباحات، وينبضُ فيها عِرقُ الفَهمِ، ليَعلُوَ معها أَنْفُ العبقريّةِ كِبَراً. والذي يَقفُ طويلاً أمامَ زادِ التطوّرِ، عالِماً بلَقاحاتِه، مُتشابِكاً مع مَسارِه فلم تتعثَّرْ خريطتُه معه، تَقَعُ بينهما الغبطةُ التي تُنبِتُ زهرَ النّور.ومَنْ يَشقُّ له النّورُ بُردَتَهُ هو موريس الجميّلالذي، لو اتَّخَذَه لبنان، لاتَّخَذَ سُقوفاً من الذَّهب.

لا يمكنُ ذِكرُ التَّخطيطِ للتَطَوّر في لبنان، إلّا مَشفوعاً باسم موريس الجميّل. الفارقُ بينَه وبين " الآخرين " أنه يقترحُ مدارجَ بعيدةً ليتنفَّسَ الوطنُ تقدُّماً، وهم يُتقِنون انخفاضَ رؤوسِهم لتُصبِحَ يَدُهم السُّفلى هي العُليا، وليس العَتَبُ على صُروفِ الليالي، ليعودَ موريس مكسورَ الخاطرِ، وقد قامَت ساعتُه على شِرارِ الخَلق.

كان لبنان مرصوداً على لعنةِ الرُّكود، في حين كان موريس يسعدُ بحضرةِ الحداثة، ويحاولُ أن يضعَ أسلاكاً شائكةً أمامَ تَكَلُّسِ مسيرةِ الوطن، ويُؤمنُ بأنَّ التطوّرَ وحدَه يحوّلُ كتلةَ الزمان الى قيمة. من هنا، تمتّعَت أطروحاته بامتياز الحقّانية الحصري، على مستوى "توثيب " لبنان الى الرقيّ، بعد أن كان، ولطويلِ عهد، في حالةٍ من النَّوام، فمِن حقّه، بالتالي، أن يتوقّع مع موريس الجميّل خَصبَ التقدّم، توقّعَ الظمآن للماء الزّلال.

لم تكن طروحاتُ موريس الجميّل سطحاً من دون عمق، أو ضجيجاً من دون محتوى. لقد قدَّمت حلولاً ينطبق عليها عنوان : التجربة الانتقالية الرّائدة، والتي بمَقدورها أن تشكّلَ مخرجاً من مأزقِ التردّي، في وطنٍ رقَّت غلالةُ صَحوتِه، في وطنٍ أَدمنَ الفسادَ والتخلُّف، وصَهْرَ الناسِ في أتونِ الاستبداد، والإبقاءَ على الدولةِ عَيِّنةً للإنحطاطِ واللّاتَمَدُّن. مع تجربةِ الجميّل،قامَ بناءٌ مَعرِفيٌّ منفتِحٌ على التَرَقّي، عملَ على أن يتفلَّتَ الوطنُ من رابطِ المسافاتِ الضيِّق ليحلَّ في كلّ الأبعاد، فصاحبُالفكرٍ النّابِه الذي يُحتذى بمنهجيّته، شكّلَ إكسيراً جديداً يُحيي رميمَبلدٍ كان قابعاً في أبديّةِ الانتظار.

موريس الجميّل الموسوعيُّ الثقافة والمتمرّس بالفضيلة والعِلم، والمتحصِّن بالأصول والاستقامة، كان ممرّاً إلزاميّاً للانفتاحِ على التحضّر، ومن هنا، يَكمنُ الخطرُ منه والخطرُ عليه. كان اللحظة التاريخية، في مَرِّ زمانِ لبنان، للتصالح مع التقدّم، والانسجام مع التطوّر، وكان محطّة في البُعد التَّخطيطي لقيام وطنٍ كانت رغبتُه في التطوّرِ معدومةً، وهمَّتُه الى الرقيِّ باطلةً مفقودة.

لقد آمنَ موريس الجميّل المتشَدِّدُ بالأمّة اللبنانية، واحتلّ هذا الإيمان عنده مكان الصّدارة، فبينه وبين الأمّة طقسٌ عاطفيّ، وثوابتُ عقائديةٌ تخترقُ ذهنيّةَ الفرديّةِ والوصوليّةِ، ورواسبَ الباشاوات، للتآخي مع الوطن بنقاءٍ وبراءةٍ ومدنيّةٍ رائدة. فلبنانُ، مع موريس الجميّل، مَعشوقُ السُّكنى، يسافرُ بِخَمرٍ له، في حين يَمزجُ المُدَّعونَ الخمرَ بالماء، ويبيعونَه بِسِعرِ الخَمر.

إذا كانَ المَدادُ هو ينبوعَ الآداب، واللسانُ هو مادةَ الإِفهام، فالولاءُ هو عِتادُ الوطنية. موريس الجميّل لم يَظمأْ قلمُهُ عن غلَّتِها، ولو كانَتِ استقامةُ الكثيرينَ، فيها، نادرة. فهو لم يشهدْ ثمّ يجرحْ شهادتَه، لأنه لا يتلوّنُ ولا يَحول، فالإنتماءُ الى الأرضِ هو من صُلبِ الينابيع، وليسَ سذاجةً من فَمِ عابِر.

لم يَحُز موريس الجميل على لقبِ مُخَطِّطٍ خِلعةً من صاحب سلطان، فقد أثبت مقدرته بتشكيلة اقتراحات وضروبٍ وموازينَ صمَّمها لتكون مشاريع للنموِّ والتقدّم، كما لم يَسبُقْ لغيره أن فعل، فكان، عن حقّ، عمارةَ تنهيضٍ. موريس الجميّل ظاهرة في التنظيم، وداعية للإنطلاق الى عالم التطوّر والإرتقاء، فمصير الوطن متَّصل بمصير الحضارة والمجتمعات. لذلك، كان موريس الجميل، لمُدرِكي القِيَم، عنواناً لمرحلة أجهضَها الأَقربونَ قبلَ الأَبعدين، هؤلاءِ الذين رأوا في طروحاتِ الجميّل، عن قَصد، رواياتٍ خرافيّة ومجرَّدَ أساطير. 

إنّ موريس الجميّل الذي كان من أهلِ الفَضلِ والبَراعة، والذي يتعقَّبُ تراكيبَ الذكاءِ العِلميّ لصناعةِ التطوّر، رأيناه وعليه أرديةُ الحديد، مات ولم يُحفَظ عنه مَذهب، فرؤساءُ الوقتِ كذّبوا به وجعلوه في أقسامِ الباطل، ذلك ضَعفاً عن الإتيانِ بمِثلِه لكبيرِ ما احتوى عليه، وقُصوراً عن إنتاجِ خواطرِهم فِعلاً يُقارِبُ أفعالَه.

لم يكن موريس الجميّل كالصَّقرِ اللَّماحِ الذي نجا بنفسِهِ عندما عايَنَ الأَشراكَ تُنصَبُ لِقَنصِه، بل تابعَ  وتأَهَّبَ للنِّزالِ وواجَهَ حتى أُلهِبَتْ أَنفاسُه، وأَسعَرَتْ حواسُه، وأَنقَضَتْ ضلوعُه. وفيهِ، ما أَصدَقَ ما قيل:

يبيتُ ويُضحي، كلَّ يومٍ وليلةٍ        على منهجٍ تَبكي عليهِ القبائلُ

المصدر: Kataeb.org