نحن لا نملكُ الأرض... الأرضُ تملكُنا ؟!

نحن لا نملكُ الأرض... الأرضُ تملكُنا ؟!

في بعضِ المقالات السّابقة ، كنّا "نُؤّنْسِنُ" الحيوانات لنأخذَ منها العِبَر...! أمّا في مقالِنا اليوم، فنحنُ نستَمِدُّ العِبرَةَ من الإنسان وقضيته الأرض...!
تقولُ القِصّةُ : "مابو Mabo " رجُلٌ من سُكّانِ أستراليا الأصليين (الأبوريجينال Aboriginals) يملِكُ قطعةَ أرضٍ كبيرةِ نائيةٍ في ولاية نيوساوث ويلز( عاصمتُها مدينةُ سيدني )
هذه الأرض ، كانت الحكومة الأستراليّة تستخدِمُها في أعمالِ حفرٍ للتّفتيش عن ثروات طبيعيّة...
"مابو" الرّجل ذو الوجه النّحاسي الدّاكِن البسيط والقويّ في الوقت نفسه، واجه الحكومة في الدّفاعِ عن حقِّهِ بتمَلُّكِ الأرض ورفَضَ عرْضاَ من قِبلِها يقضي بتملّكِ أرضٍ أُخرى تُساوي ضِعفَ مساحةِ ارضه التي يُطالِبُ بها ...
فَشِل الحلُّ الرِّضائي وتحوَّلَ الى نِزاعٍ قضائي، فقدّمَ Mabo وثائقَهُ ومستنداته التي تُثْبِتُ مُلكِيّتهُ لأرضِه منذ مئات السّنين توارثاً عن أجداده وآبائه...
جّدّدت الحكومة محاولاتها لِثَنْيه عن متابعة الدعوى ولكنّ محاولاتِها فشِلت فانتقلت الدعوى الى المحكمة العليا، ورُصِدَ لإجراءاتها مبلغٌ كبيرِِ من المال على أساس أنّها ستَسْتَغرِقُ وقتاً طويلاً ... ولكنّ Mabo حَسَمَ الدعوى في خمس دقائق؟!
طلبَ رئيسُ المحكمة سماعَ أقوالِ المدّعي، فحاولَ وكيله المحامي الكلام ، فرفض Mabo مُعتذِراً ومُتذرّعاً بانّه وحده قادرٌ على الدّفاع في هذه القضيّة...!
قالMabo بضع كلمات وبقي واقفاً طالباً من المحكمة ان تسمعَهُ وتُنْصِفَهُ :
" أنتم الشّعبُ الأبيض تعتبرون أنّكم تملكون الأرض، نحن – الأبوريجينال- تقاليدُنا قديمة وراسخة ومختلفة وهي تنصّ على أنّ الأرض تملِكُنا ولا نملكُ الأرض..."!!
إقتنع القاضي يهذه الكلمات البسيطة والمعبّرة، أنهى الجلسة فربحMabo القضيّة ... القاضي قال كلمته ومابو مشى..."
واجه "مابو" خصماً شريفاً وقاضياً عادلاً وتلقى حُكماً مُنصِفاً ... أمّا نحن، فلأننا أدْمنّا قراءة التاريخ وعيش وقائعه... من هنا يأتي خوفُنا الدّائم على الجغرافية؟!
ألسنا ضحيّة دولتين :
" الأولى لا نعترف بها ، والثّانية لا تعترف بنا "؟!
الم تحتلّ الأولى بعضاً من أراضينا؟
ألم تقضم الثّانية معظم حدودنا معها ؟
ألم "تُغْرِقنا" الأولى بلاجِئين؟
ألم "تُمطِرنا " الثّانية بنازحين؟
أليس الّلجوء والنّزوح مشروع توطين دائم؟
ألم يحاول اللاجئون في أرضنا ، المُحتلّون لعقارات شعبِنا، وبقوّة السّلاح أن يستبدلوا أرضَ البلدِ السّليب ، بأرض البلد البديل، فمنَعَهُم الأبطال؟ وما رأيكم بأنّ " فتح " لا تستطيع الدّخول الى "غزّة " ولكنّها تُقيمُ عرضاً عسكريّاً في مُعسكر مخيّم " عين الحلوة "؟!
الا يُشكّلُ النزوح المُتدفّق والمُمنهج إحتلالاً للأرض ، بديلاً عن الاحتلال العسكري الذي فارق ... ولم يَغِب؟!
الا يُعتبر اغتصاب أهل الدّاخل لأراضٍ لا يملكونها من أهلٍ يملكونها جريمة يُعاقب عليها القانون؟!
نحن شعبٌ تُستباحُ أرضُنا من الخارج ، ومن الخارجين على القانون في الداخل ، فتواجه دولتنا الكريمة ، الخارج ، بشكوى لرفعِ العتب ، والخارجين على القانون في الداخل ، بغضّ النظر، خوفاً من العتب؟!
فإلى متى يبقى وطنُنا وحيداً ينتظرُ قراراً، يُنقذه ، كانتظار "القطار" في محطّة فيروز والأخوين الرحباني؟!
فيا شعبَ لبنان الحزين ،Mabo لم يرضَ بأن تُستَبدلَ ارضُه ، فكيف ترضون بأن تُسلَبَ وتُغتصب أرضُنا؟!
هل تعلمون ، حتى الثّعلبُ الماكر المخادع المُنازع ، يُلقي نظرَته الأخيرة على الأرض التي وُلِد فيها ؟ فكم بالحريّ نحن؟ الا تحتَضِنُ أرضُنا شهداءنا وترابُها من تراب إنساننا ؟اليست أرضنا أغلى ما عندنا؟ لأنّها تضمّ أغلى ما عندنا؟!
يا شعب لبنان الحزين ، إنّ اهمّ العملاء وأنجح العملاء، هو العميلُ الذي لا يعرف انّه عميل...! والاّ كيف وصلنا الى ما وصلنا اليه :
حُكمٌ " كان صرحاً من خيال ٍ فهوى؟!
حكومة تصريف أعمال ممنوعة من الصّرف ؟!
مجلس نيابي "غبّ الطلب "؟!
مالية الدولة بعهدة " السّنديك"؟!
مستشفى الشّرق : أنين مرضى وصراخ أطبّاء؟!
المدرسة تُذكّرُنا بقصّة " المعلّم الجاهل "؟!
سياحةٌ ، حدّث ولا حرج؟!
عمُّال ومعامل بدونِ عمل؟!
مرفأ بيروت جعلوه كقلعة بعلبك ؟!
معيشةٌ باتت إعاشة؟!
بالإضافة الى أرضنا المُحتلّة والمُغتصبة ، فهل أصبَحنا وطناً لم يبق منه الا الإسم؟ ولم يبق أمامنا الا ان نذكرَ الشّاعرَ داود عمون ونَتَذّكّرَ وصيَّتَهُ الخالدة :
" يا بني أمّي إذا حَضَرَت ساعَتي والطبُّ أسلَمَني
فاحفروا في الأرز مقبرتي وخُذوا من ثَلْجِهِ كفَني "
فيا حُكّامَ شعب لبنان الحزين !
سواء كان " وطني دائماً على حق" أو لم يَكُنْ " وطني دائماً على حق " فانا دائماً مع وطني، فلا تُسلّموا التّاريخ ولا تبيعوا الجغرافية ، كي لا تُلاحِقَكُم ، والى الأبد ، أنىّ كنتُم وحيثُ صِرتُم ، لعنةُ التاريخ والجغرافية ...؟!

المصدر: Kataeb.org