هل لبنان بحاجة إلى حكم متصرفين

  • مقالات
هل لبنان بحاجة إلى حكم متصرفين

حوادث الجبل الأليمة والمتكررة تُعيد إلى أذهاننا حوادث سنة 1860 وما تبعها من مآسي على القاطنين من دروز ومسيحيين، في عهد القائمقاميتين. إستتبعها عهد المتصرفين الذي مثّل حلقة من سلسلة تاريخ لبنان قوامه نظام خاص وضعته له لجنة دولية في بيروت والذي إستمر قائماً سبعاً وخمسين سنة، حتى إنتهاء حرب الفظائع والأهوال والمجاعة سنة 1918.
الكل يجمع أن عهد المتصرفين كان كثير الهدوء والإستقرار رغم قلة موارد العيش ووسائل التأنّق أي أنه كان عهد قلة وبسط، لأن اللبنانين أصبحوا تحت كفالة ست دول أوروبية. إنقطعت أصابع السوء عن اللعب بهم من الخارج وعادوا إلى نظرتهم الأصيلة وأقبلوا إلى الإخلاد الى الراحة والحياة البسيطة القامعة بما تيسّر. تعاملوا بعضهم مع بعض، رغم إختلاف الطوائف والأحزاب، على صفاء ومودة، يلتئمون لمناسبة أعيادهم ومواسمهم فيرقصون ويتناشدون الأغاني والأزجال متضامنين متباسطين.
تناسى اللبنانيون ماحرمهم إياه نظامهم الجديد من حقوق سياسية وحدود جغرافية رغم الإستقلال النوعي الخاص الذي كانوا يتوارثونه عن أسلافهم فينهضون صفاً واحداً إلى مقاومةجير الحكم العثماني الذي كان يبثّ روح التفرقة الطائفية لكسر الوفاق السائد بين سنديّه الأقويين إذ أن إستتاب الأمن فيه أصبح مضرباً للأمثال ومداعاتاً لترداد وإنتشار العبارة الشائعة على الألسن وهي:
"هنيئاً لمن له مرقد عنزة في لبنان"
آمن ومازال يؤمن اللبنانيون أن الله سبحانه وتعالى يحب هذا الوطن ويسهر عليه بعين يقظّى فيوقيه مما يبيّت له من مخاطر الفتنة ويقيمه كطائر الفنيق.
ولكن وبعد حرب عشواءكبدتنا مئة ألف قتيل وآلاف المفقودين ومليارات الدولارت من الخسائر في الإقتصاد، أين عبقرية ونشاط وعلو همّة اللبنانيين، على مشارف مئوية دولة لبنان الكبير في السيد الحر المستقل،
في تضميد الجراح و أين القييمين على مؤسسات الدولة في إعادة الأمن والطمأنينة والإنزال في القلوب رهبة تؤمن مجالات الرقي والحرية التي تقوي كل امرء على إجتناء ماتُمكنه منه مواهبه من ثمار الفوائد والمرابح بدل المصائب والويلات.
هل قدرنا أن نكون دائماً تحت حماية وإدارة دول وحكام أجانب لكي نتنعم بالحياة الكريمة أم سنتمكن يوماً من الإستفادة من تعددية المجتمع اللبناني ومهارات أبنائه لنبني دولة الحق l’ETAT DE DROIT مقامها الإنسان المنفتح على الآخر لا الجماعة المتقوقعة على نفسها.
إن منطقة الجبل التي كانت وماتزال العامود الفقري لدولة لبنان الكبير مهما تبدّلت دساتيره، تتمتع بخصوصية مجتمعية بالغة الحساسية، لا تتحمل كلاماً وأعمالاً إستفزازية رخيصة ومجانيّة قد تدفع في إتجاه الفتنة.
ألمّ نتعلم دروس الماضي فنفوت الفرصة على الجهات الداخلية والخارجية التي تؤجج الجو العام وتدفعه نحو الإنفجار!
مسؤولية الدولة بكامل مؤسساتها المدنية والقضائية والعسكرية إتخاذ أشد الإجراءات الأمنية لوأد الفتنة المستعرة ووقف الخطاب الإستفزازي العالي السقف الذي يؤدي إلى تفجير الوضع في الجبل.
مناخ الطمأنينة إهتز نسبياً. التقليل من خطورة أحداث قبرشمون تكون نتيجته الشرارة في إشعال نار تقضي على الجهود المبذولة في ترسيخ المصالحة ليس فقط على أساس مذهبي وطائفي إنما إجتماعي وسياسي.
إن عناصر إشعال الفتنة الطائفية متوافرة وتتراكم وتتجمع يوماً بعد يوم وتمهد لوصول البلاد إلى حوادث تؤدي الى هجرة طوعية لأبناء الجبل مسحيين ودروز إذ إن الإحتقان ليس درزياً درزياً فحسب بل يتحول إلى درزي مسيحي تحت غطاء جنبلاطيعوني وما أدراك من عواقب على صعيد الوطن.

المصدر: Kataeb.org