هل من مبرر للصمت العربي تجاه الحكومة؟

  • مقالات
هل من مبرر للصمت العربي تجاه الحكومة؟

بعد خمسة أيام على ولادتها، تلاحقت المواقف الدولية من الحكومة ولاسيما منها مواقف «المجموعة الدولية من أجل لبنان» وبعض العواصم الغربية التي تقاربت الى درجة ان تكون موحّدة. ولكن ما يثير الريبة هو عدم صدور اي تعليق عن جامعة الدول العربية او ايّ من دولها. فهل لهذه الظاهرة من تفسير؟ وهل يمكن أن تثير القلق؟

منذ اندلاع الانتفاضة في 17 تشرين الأول الماضي واستقالة الرئيس سعد الحريري في 29 منه، ومروراً بكل المراحل التي قطعتها عملية التكليف والتأليف لتشكيل الحكومة الجديدة، غاب النشاط الدبلوماسي العربي عن الساحة اللبنانية. ولولا زيارة أعضاء السلك الديبلوماسي ومديري المنظمات الدولية السنوية التقليدية قبل ظهر 9 كانون الثاني الجاري للقصر الجمهوري ووصول السفيرين الجديدين المصري والجزائري الى بيروت وقيامهما بزياراتهما البرتوكولية الى المرجعيات والقيادات الرسمية والحزبية، لاعتقد البعض انّ الحضور الديبلوماسي العربي فُقد في بيروت.

وما يمكن اعتباره مكمّلاً لهذه الصورة غير المشجعة إلغاء زيارات عدد من الموفدين الدوليين المعنيين بالملف اللبناني، وأبرزهم الزيارة التي كانت مقررة لموفد الرئيس الفرنسي المكلف متابعة مؤتمر «سيدر» بيار دوكان الى بيروت منذ اشهر عدة وآخرين من مؤسسات أممية ودولية، ما خلا اولئك الذين ارتبطت زياراتهم في فترة عيدي الميلاد ورأس السنة بوجود الوحدات العسكرية لدولهم في إطار القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل).

ولذلك بقي الحراك الذي يقوده الممثل المقيم للامين العام للامم المتحدة يان كوبيتش متصدراً لائحة الديبلوماسيين الامميين والعرب والاجانب الناشطين على الساحة اللبنانية، وأعقبه رئيس بعثة الاتحاد الاوروبي في لبنان رالف طراف قبل ان ترصد الحركة النشطة للسفيرين الفرنسي برونو فوشيه والبريطاني كريس رامبلينغ في كل المحطات الديبلوماسية والسياسية المهمة، بعدما شاركتهما السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد زيارة يتيمة لوزارة الخارجية بداية الشهر الجاري بعد اغتيال قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني في مطار بغداد.

ومن هذه المنطلقات بالذات، تحاول مصادر ديبلوماسية تفسير الصورة المعاكسة التي يترجمها الغياب العربي عن الساحة اللبنانية. فتوقفت أمام سلسلة من الملاحظات، وأبرزها تلك المتصلة بانشغال معظم السفراء العرب بالأزمات الإقليمية التي تعيشها بلدانهم، ولاسيما منها تلك التي تشهدها منطقة الخليج العربي المزنّرة بنيران المواجهات بين اليمن شرقاً والخليج العربي غرباً، عدا عن التطورات الأخيرة المتصلة بالتوتر الإيراني ـ الخليجي والإيراني ـ الأميركي، وتلك الناجمة عن القطيعة القائمة بين قطر وجاراتها الخليجية الأربعة التي تقاطعها وتحاصرها.

والى هذه الملاحظات، تشير المصادر الديبلوماسية الى انّ السفارة السعودية في بيروت قلّصت وجودها الديبلوماسي في لبنان الى حدوده القصوى منذ ان حوصرت بالمتظاهرين تزامناً مع أحداث اليمن، وزادت منها العملية التي استهدفت منشآت «ارامكو» في المملكة العربية السعودية وشارَكها في الغياب عدد آخر من سفراء دول الخليج العربي وشمال افريقيا لأسباب مختلفة، منها ما هو أمني ومنها ما كان مرتبطاً بالانتخابات الرئاسية التي شهدتها تونس والجزائر والتغيير المنتظر في الأسلاك الحكومية والادارية والديبلوماسية فيها.

وترى المصادر الديبلوماسية «أنّ هذه الأسباب لا يمكن ان تشكّل سبباً وجيهاً للقطيعة مع لبنان وإهمال الوضع فيه الى حدود عدم تسجيل أي موقف ممّا يجري على ساحته، منذ ان اندلعت الانتفاضة وما شهدته الساحة اللبنانية من متغيرات حكومية وسياسية واقتصادية ومالية». وأضافت «انّ الأمر لا يتصل بشكل العلاقة وما ستكون عليه مع حكومة الرئيس حسان دياب، لأنّ مثل هذا الاهمال كان قد سبق عملية التأليف وما رافقها من متغيّرات على الساحة اللبنانية لفترة طويلة».

ولفتت الى «أنّ هذا الاهمال بدأت بوادره عندما بقيت كل المقررات التي انتهى اليها آخر المؤتمرات الخليجية التي خصّصت للوضع في لبنان، وآخرها «مؤتمر الاستثمار الإماراتي ـ اللبناني» الذي عقد في 4 تشرين الأول العام الماضي برعاية وزارة الاقتصاد الإماراتية وغرفة تجارة أبو ظبي، والذي انتهى بجملة مبادرات بقيت حبراً على ورق. حتى انّ القرار الذي صدر في نهايته لجهة اعلان دولة الإمارات العربية المتحدة إلغاء الحظر عن سفر رعاياها إلى لبنان اعتباراً من منتصف تلك الليلة في 6 تشرين الأول الماضي لم ينفّذ. كذلك جمّدت كل المبادرات التي أطلقت فيه تحت عنوان «تعزيز سبل التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين وزيادة فرص الاستثمار في عدد من القطاعات الحيوية».

ثمّة مَن ربط بين ما جرى في تلك الفترة وبين «الخطأ الديبلوماسي الكبير» الذي ارتكبه وزير الخارجية جبران باسيل، عندما أعلن في اجتماع وزراء الخارجية العرب الاستثنائي في القاهرة بعد ايام على مؤتمر ابو ظبي، وتحديداً في 12 تشرين الثاني عقب التوغّل التركي في شمال سوريا. فهو طالب في حينه بضرورة إعادة سوريا الى الجامعة العربية، وتحدّى العرب قائلاً: «نحن لا نجتمع اليوم ضد تركيا، بل نجتمع اليوم من أجل سوريا، في غياب سوريا. نجتمع من أجلها، ولكن نغيّبها فقط من أجل أن تكون غائبة».

وتوجّه الى نظرائه العرب متسائلاً: «هل علينا انتظار الأضواء الخضراء من كل حدب وصوب؟ إلّا الضوء العربي الذي عليه اليوم أن يُضيء مشعشعاً كأوّل رد من الجامعة في وجه العدوان التركي على أراضي سوريا العربية، لكي لا يضيع شمال سوريا مثلما ضاع الجولان السوري!». وقيل يومها انّ هذا الموقف هو الذي شَلّ كل المبادرات التي سعى اليها الحريري في حينه لاستدعاء الدعم الخليجي، وإحياء الدور العربي في ساحة عليها ان تبرهن للخليجيين انها ليست من الساحات التي تسيطر عليها إيران من ضمن العواصم العربية الخمسة التي باتت تتحكّم بها طهران.

وعليه، لا يمكن فهم المقاطعة العربية تجاه لبنان من دون العودة الى تلك المرحلة وما تبعها من مواقف امتدّت الى الأمس القريب في السياق عينه من الاهمال لكل ما يجري في لبنان. ومن هنا يرصد المعنيّون في فريق رئيس الحكومة الجديد حسان دياب جملة العقبات التي عليه تجاوزها لاستعادة العلاقات بين حكومته والدول الخليجية. ففي اعتقادهم، كما في ظَنّ كثر، انه لا يكفي ان يعلن دياب انّ أول جولة له الى خارج لبنان بعد تشكيل الحكومة ستكون الى الدول الخليجية، وهي التي دونها عقبات جمّة لا يمكن تذليلها بسهولة بين يوم وآخر، فيما الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان تتطور يومياً بنحو سلبي ولا يمكن مواجهتها من دون الدعم الخارجي المباشر، وإن لم يكن من دول الخليج العربي فمن أين سياتي؟

المصدر: الجمهورية