ورقة تسجيلها أضحت ورقة نعيها... الدولة تقتل طلاب الجامعة اللبنانية على أوتوستراد زحلة!

  • مجتمع

من بطاقة تسديد رسوم تسجيلها، طالبة جديدة في الفرع الرابع لكلية الآداب والعلوم الانسانية عن العام الجامعي 2020-2021، تعرفوا إلى هويتها: إسراء إبرهيم أيوب، الضحية الجديدة لحوادث الصدم على أوتوستراد زحلة، في صفوف طلاب الجامعة اللبنانية.

كتبت دانيال خياط في النهار:

من بطاقة تسديد رسوم تسجيلها، طالبة جديدة في الفرع الرابع لكلية الآداب والعلوم الانسانية عن العام الجامعي 2020-2021، تعرفوا إلى هويتها: إسراء إبرهيم أيوب، الضحية الجديدة لحوادث الصدم على أوتوستراد زحلة، في صفوف طلاب الجامعة اللبنانية.

 على تلك الورقة المطوية على الخطوة الأولى نحو مستقبلها، دُوّن تاريخ ميلادها: السادس من آذار 2003، كيف تنعى صبية انطوت ورقتها قبل أن تطوي السابعة عشرة من عمرها؟

 من المستند الذي كان يفترض أن يحجز لها مكاناً على مقاعد الجامعة، فتحوّل إلى ورقة نعيها، يتبين أنها كانت تنوي التخصص بالأدب الانكليزي. لا يسع المرء إلا أن يسأل نفسه: هل كان حلم إسراء أن تتخصص بالأدب الانكليزي أم أنها رضيت بأفضل مما هو متوافر لها من اختصاصات في الجامعة اللبنانية في البقاع، كما هو حال العديد من الشباب البقاعي؟ في كل حال، إسراء كانت واحدة من هؤلاء الشابات العازمات على شقّ طريقهن في الحياة على الرغم من كل العوائق والأفخاخ التي تنصبها السلطات لجيل الشباب أمام طموحاتهم وتحقيق ذواتهم. كانت في رحلتها ما بين المنارة في البقاع الغربي وزحلة تقوم بأولى رحلاتها إلى عالم النضوج الذي تصقله التجارب الحياتية.

 هل تذكرون هذا الشعور من شحنات الغبطة التي اعترتكم عندما أدرك عقلكم أنكم بإنجاز أوراق تسجيلكم بالجامعة، تنتقلون فعلياً إلى مرحلة جديدة من حياتكم، هذا الشعور بالفرح الممزوج بالإرباك وأنتم تمارسون للمرة الاولى استقلاليتكم بإدارة شؤون حياتكم؟ لا بد أن إسراء كانت محمولة بهذا الشعور، وهي تجتاز الطريق المحفوف بالمخاطر، الاوتوستراد الذي ما عاد يحمل من مواصفات الاوتوسترادات سوى الاسم، فقتلوها.

قتلوا طالبة العلم إسراء أيوب إبنة بلدة المنارة، "منارة العلم والمتعلمين"، وهو الوصف الذي تُعرف به هذه البلدة في البقاع الغربي، قتلوا إبنة إبرهيم ونورا. عند وقوع الحادث القاتل هلعت كل القلوب باتجاه والدين، لا يعرف أحد عنهما سوى الإسمين المدونين على ورقة المستقبل للعام الجامعي 2020-2021؛ كيف لأهل أن يلفّوا بكفنٍ من كانوا يخططون معها مسيرتها إلى ثوب التخرج؟ كيف يردّون التراب على من كانوا سينثرون الزهور يوم عرسها؟

 

قتلت إسراء. السائق الذي صدمها لن يتمكن من التفلت من العواقب، ولا الهرب لا من ضميره ولا من كاميرات المراقبة ولا من شهود، وإذا كان ما ارتكبه حادث قضاء وقدر، فإن ثمة من قتل إسراء وسواها من طلاب الفرع الرابع في الجامعة اللبنانية، وغيرهم من المواطنين، عن سابق تصور وتصميم. 

قتَلَتُها هم كل من لم يلتزم بوعوده أمام الإدارات المتعاقبة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، في خلال الاجتماعات واللقاءات التي نظمتها لأجل إيجاد حلول لـ"مَقتلة" الاوتوستراد، من أيام المديرة السابقة للكلية وزيرة شؤون المهجرين غادة شريم ومن تلاها في هذا المنصب. 

قتَلَتُها هم كل من عطّل أو تغاضى أو أهمل صرف الاعتمادات لتمويل "مشروع تحسين وتطوير أوتوستراد زحلة" الذي أعدته لجنة السير والسلامة المرورية في بلدية زحلة – المعلقة وتعنايل بالتنسيق مع المجلس الوطني للسلامة المرورية، بهدف أن يصبح "طريقاً آمناً لطلاب الجامعات المحيطة ولمرتادي المؤسسات العامة من ضمان إجتماعي وغيره ولجميع مستخدميه من طالبي الخدمات". وكانت اللجنة انطلقت من واقع التغيرات التي طرأت على الطريق من قيام محال تجارية ومطاعم ومؤسسات رسمية وجامعات على طرفيه، بحيث لم تعد تنطبق عليها مواصفات الاوتوسترادات، وخططت لإجراءات تحوّله إلى طريق غير سريع يحفظ سلامة السائقين والمشاة. وكان لدى بلدية زحلة – معلقة وتعنايل النية بتمويل تنفيذه، لكن طلبها رفض. وتسلم مجلس الانماء والاعمار المشروع من خلال ضمه إلى أشغال توسيع وتأهيل طريق الفرزل.

في جلسته المنعقدة في 26 نيسان من العام 2018 وافق مجلس الوزراء على كتاب مجلس الانماء والاعمار، المبني على كتاب لبلدية زحلة – معلقة وتعنايل، لتأمين تمويل المشروع المذكور والمنجزة دراسته ومخططاته. سنتان مرّتا، طوّت الأيام التصاريح المحتفية بالموافقة على تأهيل اوتوستراد زحلة، وظل عدّاد الضحايا شغالاً. 

في أيلول الفائت قُتلت طالبة في الفرع الرابع لكلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ياسمين باقي من بلدة العين في بعلبك أيضا،ً بحادث صدم على أوتوستراد زحلة، كان مقتلها حافزاً لتأخذ "جمعية التعايش والانماء" المبادرة بوضع دراسة هندسية لجسر مشاة على أوتوستراد زحلة، عند مفترق كلية الآداب والعلوم الانسانية، وقد حصلت على كل الموافقات الرسمية لبنائه. وتبحث الجمعية التي لها في رصيدها العديد من المشاريع المنجزة بشفافية مالية، عن ممول أو ممولين لتغطية أكلاف بناء الجسر البالغة نحو 42 ألف دولار. فإذا كانت الدولة عاجزة ومتقاعسة عن حماية أرواح شبابها من طلاب العلم، هل ثمة من هم مستعدون للإنفاق من مالهم الخاص فيشترون بها حياة جيل الغد من الموت المتربص بهم عند كل ذهاب وإياب إلى جامعاتهم، علماً أنه فور توافر التمويل يمكن إنجاز الجسر في غضون شهر، بحسب الجمعية؟

المصدر: النهار