وعُلِّقَ الدستور حتى إشعار آخر؟

وعُلِّقَ الدستور حتى إشعار آخر؟

يبدو العنوان وإن غريباً غير صادم، بعدما عاينا ما عاينَّاه وعانيناه من سوء تطبيق للدستور وغِياب للمُمارسة القانونية القويمة.

1. وأولى البوادر تتجلّى بعدم قدرة أي مؤسسة دستورية على حسم الخلاف المُستحكم، والذي مَنَع تشكيل حكومة «مهمّة»، حتى أضحت المَهمَّة الضَائِعة مُتجليّة بإيجاد قواسم مشتركة ولو بالحدود الدنيا، للولوج الى تكوين السلطة الإجرائية، ووضع برنامجها «الحافل» والمطلوب وطنياً ودولياً.

فلا النص الدستوري قد حدَّد شُروط وأصول التشكيل، إلاَّ من باب الصلاحية المُشتركة الكاملة المواصفات بين رئيس الجمهورية والرئيس المُكلّف دون أن يضع أطراً وقواعد. ولا ألزم هذا النص عينه الرئيس المُكّلف بمهلة زمنية للتشكيل تحت طائلة سقوط تكليفه. ولا الأعراف الدستورية قد أوجبت على رئيس الجمهورية التوقيع على التشكيلة المُقترحة من رئيس الحكومة المُكلّف، مما يجعل والحالة هذه، النص الدستوري غير قادر على حسم النزاعات والنزعات السياسية.

نصوص القانون الأسمى كما القوانين الأُخرى قد أُوجدت لتشكّل إطاراً لحلّ النزاعات، لا أن تتحول هي أيضاً الى أزمة جديدة من حيث قراءتها وتطبيقها، وذلك حسب الهوى الحزبي ووفق التوقيت السياسي ولخدمة المصالح الشخصية.

2. أمّا القضاء المأزوم فيّعيشُ أُمَّ أزماته، بعدما عُطّلت تشكيلاته رغم تأكيد مجلسه الأعلى عليها ولمرتين وبإجماع أعضائه، وبعدما أسقطت الحصانات السياسية والمحميات على إختلافها دوره «القانوني»، الحاسم والحازم والمترفع...

ولكون قانون استقلالية السلطة القضائية غير مدرّج على جداول أهل السياسة... كما أنَّ التدخّلات والشفاعات قد منَعت أي ملفٍ مفتوح وفيه عناصر الجديّة، من الوصول الى خواتيمه. وقضايا الرأي العام كما الحق الشخصي ذهبت أدراج عدم القدرة على الحسم لأسباب متعددة.

ومسألة «عوكر» وما سبقها أو تلاها أو سيتلوها لن تكون إلاَّ محطةً، طالما أنَّ الأمور لم تُحسَم والحقائق لم يُجاهر بها، والرأي العام غير المنحاز الى أي فريق لم يدرك مدى قانونية وشرعية ما تمّ القيام به، وأين نحن من ولوج الهدف المَنشود؟

3. هذا يعني بإختصار، أنَّ السُلطة الثالثة تعاني ما تعانيه شقيقتاها التشريعية والإجرائية، فالأولى تشرّع وتصادق دون أن يُنفّذ عدد كبير من التشريعات التي قبعت في الأدراج.

كما أنّ دور الرقابة البرلمانية قد انعدم مع تشكيل ما دَرَجَ على تَسميته بحكومات الوحدة الوطنية أو «الوفاق»، والتي إِختَزَلَت البَرلمان، ولم تُحقق أي شرط من شروط الوحدة، كما ولم تراع أسس الوفاق وأهدافه، حتى في زمن سادت فيه التسويات على حساب كل شيء.

وأزمة القضاء لا تتعلق بالأشخاص فحسب، بل بتحديد نطاق الصلاحيات وبإعطاء القضاء دوراً محورياً وملموساً في مكافحة الفساد وكشف المحوّلين للأموال، وبحجة أولى ناهبيها... والملفات لا تنتهي.

4. أمّا الأدهى، فهو الخلط القانوني في نطاق الصلاحيات بين دور كل من مصرف لبنان ووزارة المالية والحكومة... وكأنَّ المَطلوب تضييع المسؤوليات وإضاعة الفرص، وكبح جماح مطالبات الناس بأموالهم وبمستقبل أبنائهم الضائع.

وإذا كان السؤال مشروع حول عدم المسّ بالإحتياطي الإلزامي، لأنّه واقع ضمن حقوق المودعين....

أوليس السؤال الأكثر مشروعية يتمحور حول ضياع عشرات المليارات ومعها أتعابٌ وحقوقٌ دون مسؤولية أو نتيجة؟ّ!

مَن سَمحَ لأي سلطة سياسية أو نقدية أو مصرفية بخرق القانون والتصرّف بأموال الناس، أي بملكهم المكرّس في الدستور والقوانين المرعية؟

وما سرّ الإستفاقة المتأخّرة جداً حول حقوق المودعين في ما تبقى من مليارات؟

إنّها مهزلة الإستنسابية والتوقيت الملتبس «والدومينو» الذي يخاف أن تسقط إحدى حجارته... فينهار هيكله المتداعي، بعدما أصبح غير مستند على قوة الدستور، ولا على حكم العدل الذي هو أساس الملك... وقد أضاعوا مُلك الغير وموّلوا أمبراطورياتهم البالية... والبقية سـتأتي يوم يُعاد العمل بالدستور نصاً وروحاً وتُطبّق القوانين دون استنسابية.

المصدر: الجمهورية