48 ساعة حاسمة.. التأليف عالق بالأرقام!

  • محليات
48 ساعة حاسمة.. التأليف عالق بالأرقام!

يُسجّل لتكليف الرئيس سعد الحريري هذه المرّة، أنّه الأول في تاريخ حالات التكليف المشابهة له، الذي يترافق بعد أقل من ثلاثة أيام على إتمامه، مع إشاعة مناخات إيجابية توحي بأنّ ولادة الحكومة مسألة أيّام قليلة. وما زالت هذه المناخات هي المسيطرة على المشهد الحكومي، مع ارتفاع ملحوظ في منسوبها، بدا أنّه يؤشّر الى بلوغ طبّاخي الحكومة مرحلة العدّ التنازلي لولادتها، ضمن سقف زمني لا يتعدّى 48 ساعة على الأكثر.

لا يزال مسار التأليف، ووفق ما يرشح حوله من معلومات عالقاً في دوّامة الرصد وإحصاء الأعداد والارقام؛

- عدد اللقاءات بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف حول ملف التأليف، التي تتمّ بوتيرة يومية ومن دون تحديد سقف زمني لها. والتي تكتفي فقط بضخّ ايجابيات ولكن من دون تظهير حجمها وماهيتها. وثمة تشكيك بأنّها لو كانت هذه الايجابيات جديّة فعلاً لكانت اقترنت بما يترجمها. (اللافت في هذا السياق، مبادرة «تكتل لبنان القوي» الى تقديم اقتراح تعديل دستوري يرمي الى تحديد الفترة الزمنية لدعوة رئيس الجمهورية للإستشارات النيابية بشهر واحد، كما تحديد مهلة شهر للرئيس المكلّف لتشكيل الحكومة).

- عدد وزراء الحكومة والجدل القائم حول حكومة من 18 وزيراً، او حكومة من 20 وزيراً. والمناخ العام ما زال يغلّب حكومة الـ«18» على حكومة الـ«20». فما هو مؤكّد حتى الآن، هو أنّه لم يتمّ الحسم بشكل نهائي، لأي من الصيغتين. بل ما زال هذا الأمر نقطة تجاذب بين إصرار من الرئيس المكلّف على حكومة الـ«18»، ورغبة رئيس الجمهورية بحكومة الـ«20»، لتمثيل الفريق الدرزي الارسلاني في هذه الحكومة، وعدم اقتصار هذا التمثيل فقط على الفريق الجنبلاطي.

- حجم الحصص الوزاريّة لكلّ طرف، فحكومة الـ«18» تتوزّع فيها الحقائب ( 4 سنّة، 4 شيعة، و1 درزي، في مقابل 4 موارنة، 2 روم ارثوذكس، 1 كاثوليك، 1 ارمني، 1 اقليات). والثلث المعطل زائداً واحداً في هذه الحكومة هو 7 وزراء. ويبدو جلياً أنّ الرئيس المكلّف يسعى الى التفكيك المسبق لعبوة «الثلث المعطّل» وعدم جعلها عاملاً مهدّداً لحكومته وسيفاً مصلتاً فوق رأسها عند أي محطة. خصوصاً وانّ بعض المعلومات تشير الى وجود توجّه لدى رئيس الجمهورية وفريقه السياسي، لبلوغ هذا الثلث، عبر الظفر بالنسبة الاعلى من التمثيل المسيحي في الحكومة، مضافاً اليه التمثيل الدرزي والارمني. فحتى الآن لم تظهر أيّ مؤشرات توحي بأنّ هذه العبوة قد أُزيلت من طريق التأليف.

- عدد الوزارات التي يفترض أن تشملها المداورة. كان القصد منها لحظة طرحها هو إجراء خلطة سياسية للوزارات، وعلى نحو يُعاد فيه توزيعها بمبادلات بين القوى السياسيّة. ولكن لحظة التطبيق، بدا أنّ هذه المداورة هي النقطة الأصعب في مسار التأليف، اذ تبيّن انّ وزارة المالية ليست وحدها المستثناة منها، بل أنّ ثمة وزارات اخرى هي في حكم المستثناة وغير القابلة للتخلّي عنها. الأمر الذي قزّم طرح المداورة من عنوان عريض وشامل، الى عنوان جزئي ومحدود، حوّلها من مبادلات للحقائب بين القوى السياسية الى مبادلات بين طوائف الوزراء، ولكن من ضمن الفريق الذي كان يتولاها في الحكومات السابقة.

فعلى سبيل المثال، وفق ما يجري التداول به في موازاة مشاورات التأليف، فإنّ رئيس الجمهورية يريد الاحتفاظ بوزارات اساسية، كالدفاع والعدل والاقتصاد. اضافة الى ابقاء وزارة الطاقة في يد «التيار الوطني الحر»، والرئيس المكلّف يريد الاحتفاظ بوزارة الاتصالات، على ان يقترح لهذه الوزارات وزراء من طوائف مختلفة غير طوائف الوزراء الذين يتولونها حالياً، كأن يُسمّي رئيس الجمهورية مثلاً وزيرًا مارونياً لوزارة الدفاع بدل الوزير الارثوذكسي الذي سمّاه في الحكومة السابقة، ووزيراً ارمنياً لوزارة الطاقة بدل الوزير الماروني، ووزيراً كاثوليكياً للعدل بدل الوزير الماروني وهكذا.. والأمر نفسه ينسحب على سائر القوى السياسية.

الصحة والاشغال

واذا كانت المعلومات المسرّبة من مسار التأليف عن حسم شبه نهائي للوزارات السيادية (المالية للشيعة، الخارجية للسنّة، الداخلية والدفاع لرئيس الجمهورية والتيار)، فإنّ النقاش حول سائر الحقائب، وخصوصاً تلك التي تٌعتبر اساسية، لم يصل بعد الى خواتيم حاسمة. فحصة تيار المردة، لم تُحسم بعد ما اذا كانت وزيراً واحداً او اثنين. اضافة الى حقيبة الاشغال التي يتولاها حالياً، والتي لا يمانع المردة في مبادلتها بما يعادلها. كما لم تُحسم بعد هويّة الحقيبة التي ستُسند الى وزير يسمّيه جنبلاط، بين أن تكون وزارة الصحة التي يريدها، او وزارة التربية، وكذلك الامر بالنسبة الى وزارة الصحة التي يبدو انّ هناك توجّهاً لانتزاعها من «حزب الله». لكن لدى الحزب تساؤلات: هل نحن فشلنا في وزارة الصحة لتُنتزع منا؟ ثم أي وزارة بديلة لها وتوازيها ستُعرض علينا؟ هنا تكشف مصادر موثوقة لـ«الجمهورية»، بأنّ وزارة الاشغال قد عُرضت من قِبل الرئيس المكلّف على «حزب الله» بأن يسمّي وزيرها، ولكن الحزب، وعلى أهميّة وزارة الاشغال، لم يبدِ حماسة لهذه الفكرة.

اللافت هنا، ما كشفه مواكبون لمسار التأليف لـ«الجمهورية»، بأنّ عرض الأشغال على «حزب الله» فيه شيء من المجازفة، فهذه الوزارة على صلة بالمرافئ وتحديداً مرفأ بيروت الذي يتطلّب إعادة اعمار، وأيضاً بمطار بيروت، وكذلك بأعمال البنى والإنشاء على المستوى العام، وبالتالي اسنادها الى وزير يسمّيه «حزب الله» قد لا يكون فقط محل تحفّظ داخلي، بل محل اعتراض خارجي، وخصوصاً من قِبل الدول الكبرى، التي إن كانت في وارد تقديم اي مساعدة وخصوصاً لإعادة اعمار المرفأ، فستحجم عن ذلك. والمثال وزارة الصحة التي يتولاها وزير سمّاه «حزب الله»، حيث تقاطعها الولايات المتحدة الاميركية بشكل كامل، اضافة الى أنّ المجتمع الدولي بشكل عام يتعاطى معها بما يشبه المقاطعة ايضاً.

قبل 3 تشرين

على أنّ الحسم النهائي لتأليف الحكومة، وكما تؤكّد مصادر مواكبة له لـ«الجمهورية»، يفترض جولة مشاورات سياسية مكثفة وسريعة، يجريها الرئيس المكلّف بالتوازي مع مشاوراته مع رئيس الجمهورية، على أن تشمل رئيس مجلس النواب نبيه بري و«حزب الله» وتيار المردة والحزب التقدمي الاشتراكي، وذلك بهدف حسم توزيع الحقائب الوزارية، بما قد يمهّد للحسم النهائي لهذا التوزيع بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف. على أن يصار بعدها الى اعلان ولادة الحكومة ضمن مهلة لا تتجاوز مطلع الاسبوع المقبل.

نصائح

على أنّ مشاورات حسم توزيع الحقائب هذه، تتزامن مع نصائح تبديها مراجع سياسية للرئيس المكلّف، بقطف الحكومة قبل يوم الثلثاء 3 تشرين الثاني، الذي يصادف يوم اجراء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الاميركية.

وبحسب معلومات «الجمهورية»، فإنّ هذه النصائح يؤكّد عليها رئيس سابق للحكومة، وتنطلق من خلفيّة انّ كل الاحتمالات واردة بعد الانتخابات الاميركية، حيث يُخشى إن لم تتشكّل الحكومة قبل 3 تشرين الثاني من ظهور مستجدات قد تُدخل ملف التأليف مجدّداً في متاهة الانتظار الى امد غير محدّد، كما قد تتحرّك شهوات ورغبات لدى بعض الاطراف، تعيد خلط اوراق التأليف وبالتالي تؤخّر ولادة الحكومة.

الموقف الاميركي

الّا انّ مصادر سياسية معروفة بإطلاعها على الموقف الاميركي، تؤكّد لـ«الجمهورية»، ان لا رابط من الاساس بين الانتخابات الرئاسية الاميركية وتأليف الحكومة اللبنانية، لا من قريب ولا من بعيد. فالأكيد انّ لبنان ليس موجوداً حالياً ضمن الأجندة الاميركية، الّا ضمن الحدود المعمول فيها منذ امد طويل، وتحت العناوين الاميركية العريضة التي يعبّر عنها المسؤولون الاميركيون بين حين وآخر، وتتناول موضوع الحكومة دون الخوض في تفاصيلها، اضافة الى موضوع العقوبات على «حزب الله» وحلفائه، وهي سياسة معتمدة لدى كل الادارات الاميركية، سواء أكانت جمهورية او ديموقراطية، يُضاف اليها العنصر الاساس الذي استجد، والمتعلّق بمفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل.

ولفتت المصادر، الى انّ ما يُحكى عن رابط بين الانتخابات الرئاسية الاميركية وبين الملف الحكومي اللبناني، هو رابط وهمي غير موجود، اخترعه بعض اللبنانيين الذين اعتادوا على تكبير الحجر، وبالتالي فإنّه مع بقاء الادارة الاميركية الحالية او تغيّرها، فإنّ الموقف الاميركي من لبنان هو هو، مع حكومة جديدة تنفّذ برنامج اصلاحات تعبّر عن تطلعات الشعب اللبناني، ولا يتحكّم بها «حزب الله».

المصدر: الجمهورية