جورج حايك
جورج حايك

ماذا لو استمرت الحكومة معطّلة؟

تعطّل مجلس الوزراء منذ شهر تقريباً على خلفية حادثة قبرشمون، وانقسمت القوى والأحزاب الممثلة في الحكومة بين مؤيّد لإحالة الحادثة إلى المجلس العدلي ومعارض له. ولا شك في أنّ الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان لا تحتمل هذا التعطيل، نظراً إلى الاستحقاقات الداهمة والتداعيات المالية والنقدية وسط تشنّج أمني وسياسي. يتساءل المراقبون ماذا لو استمر مجلس الوزراء معطّلاً؟ وما هي النتائج التي ستترتّب على لبنان؟ تكمن مشكلة الطبقة السياسية الحاكمة في أنها فاقدة حسّ المسؤولية، رغم علمها بوجود ملفات شائكة تتطلّب المعالجة. فتعطيل مجلس الوزراء يعتبر ترفاً سياسياً حالياً، فيما الشعب يئنّ تحت وطأة الأزمة الاقتصادية وما تؤدي اليه من إقفال مؤسسات وانتشار البطالة وتأثر الوضع النقدي على المَديين المتوسط والطويل. ملفات عدة تستوجب انعقاد مجلس الوزراء أكثرها إلحاحاً موضوع العامل الفلسطيني، واحتجاج بعض الفلسطينيين والقوى المسؤولة عنهم على إجراءات وزير العمل اللبناني "القانونية"، إضافة إلى ضرورة استكمال تعيينات المجلس الدستوري وملف النفايات. ولا يقلّ أهمية انتظار المجتمع الدولي والدول المُقرضة للأموال تطبيق مجلس الوزراء للإصلاحات التي اشترطها مؤتمر "سيدر" للافراج عن الأموال، خصوصاً بعد إنجاز موازنة 2019، وضرورة تحضير قانون موازنة 2020 ومواكبة ملف الحدود النفطية برّاً وبحراً. قد تكون هذه المشاريع المُعطّلة بسبب الاشتباك السياسي قابلة للتمديد قليلاً رغم أهميتها، الّا انّ بعض الاستحقاقات الاقتصادية ستشكّل مؤشراً خطيراً إن لم تتداركها القوى السياسية وتُبادر إلى عقد مجلس الوزراء فوراً، أهمها تقرير وكالة "ستاندرد اند بورز" في 23 آب المقبل الذي تتخوّف بعض المراجع الرسمية من أن يخفّض تصنيف لبنان إلى (C)، مع ما يترتّب عليه من مخاطر وتداعيات سلبية على السندات الحكومية وحامليها، خصوصاً أنها ستكون الوكالة الثانية بعد "موديز" التي تعتمد تصنيف C للبنان. الأيام تمر بسرعة، والجدير بالذكر انّ التقرير سيكتب قبل 10 أيام من موعد صدوره، أي ليس هناك وقت أمام الحكومة سوى الأسبوع الأول من آب لتتخذ بعض الإجراءات الصارمة، ولا يبدو في الأفق أي بصيص أمل بانعقاد مجلس الوزراء حتى الآن. وإذا كانت القوى السياسية الممثّلة في الحكومة تظنّ انّ مفاعيل إقرار الموازنة وحدها تكفي كأداء إيجابي، فلا بد من أن تخيّب آمالها، لأنّ المفاعيل السلبية، كتعطيل الحكومة، ستلغي أي مفاعيل إيجابية ناجمة عن إقرار الموازنة. ومن المؤكد انّ لبنان يتقدّم بسرعة نحو تصنيفه دولة فاشلة، باعتراف كبار الصحافيين والمحللين الاقتصاديين في الغرب. وليس مفاجئاً هذا الكلام لأنّ أجزاء من الاقتصاد اللبناني تسقط يومياً عبر إقفال مؤسسات، وصَرف عمال وموظفين، وعدم القدرة على تسديد الديون للمصارف أو للشركات. هذه الدوّامة تتفاعل وتتفاقم، ما سيؤدي إلى اقتصاد تهجيري بمعنى دَفع كل شخص لا يزال قادراً على الإنتاج إلى البحث عن العمل في دول أخرى. أمّا الأخطر فهو قدرة مصرف لبنان على دعم الليرة، والاستمرار بالتدخل في السوق لتثبيت سعر صرف الليرة في ظل التفكك السياسي وتعطيل الحكومة. وماذا سيفعل هذا المصرف اذا انخفض الاحتياط إلى ما دون الـ25 مليار دولار؟ وماذا سيحصل لو استمر الفراغ الحكومي 6 أشهر أو 7؟ والمفارقة انّ صندوق النقد الدولي لن يتدخل في الأزمة الاقتصادية الّا اذا طلبت الدولة اللبنانية ذلك بواسطة الحكومة، لكنّ الواقع يشير إلى انّ مكوّنات الحكومة تعوّل على الحركة السياحية الناشطة في البلد بين منتصف تموز ومنتصف أيلول، متوقّعة ملياري دولار ستدخل إلى الخزينة. قد تكون هذه الحسابات ملائمة لشراء الوقت في غياب انعقاد مجلس الوزراء المطلوب منه القيام بإصلاحات جذرية واعتماد سياسة ضرب الاحتكارات في القطاعين العام والخاص، وبالتالي تحسين القدرة الشرائية للشعب اللبناني. وإذا عادت الحكومة إلى الحياة فهل هي قادرة على وقف البذخ والفساد والهدر؟ المشكلة لا تكمن في سلسلة الرتب والرواتب، بل في الأعداد الهائلة من الموظفين في القطاع العام، فمن أصل 1,2 مليون أجير في لبنان، هناك أكثر من 400 ألف موظف في القطاع العام يستفيدون من تقديمات واسعة من الدولة بشكل مباشر وغير مباشر. وربما ستؤدي هذه التخمة إلى انهيار سقف الهيكل على الجميع والأزمة تفوق قدرة الحكومة على التحمّل، بعدما رفضت كل القطاعات ما يسمّى "توزيع الآلام" في التضحية بجزء من المداخيل لإنقاذ الوضع. بموازاة ذلك، وفي حال انعقد مجلس الوزراء، فإنه سيتعامل مع قانون موازنة من الخمسينات لا يفيد لبنان في المستقبل. لذا، المطلوب قانون موازنة عصري يسمح للبنانيين أن يراقبوا ويحاسبوا، وإن استغرق تحضيره وقتاً طويلاً. فالاكتفاء بموازنة كموازنة 2019 لن يقدّم ولن يؤخّر، بل سنستمر في التدحرج إلى "المهوار"، خصوصاً انّ سنة 2020 هي مفصلية للبنان، وستكون النتائج وخيمة إن لم تأتِ صدمة سياسية او اقتصادية إيجابية تنقذ الوضع. وفي النهاية، تحتاج الأوضاع الاقتصادية والمالية إلى مناخ سياسي وأمني يعطي المستثمرالثقة، سواء كان لبنانياً أم عربياً أم غربياً.

loading