جورج شاهين
جورج شاهين

قواعد الإشتباك تغيّرت في سوريا قبل لبنان؟

ربما بمعزل عمّا تريده واشنطن ومعها لبنان بأكثرية مكوّناته قد تغيرت قواعد الإشتباك في سوريا قبل لبنان. فالتجاذبات الكبيرة على الساحة السورية أدّت إلى إلحاق ساحات الجوار اللبنانية والعراقية. والدليل أنّ ما جرى على الحدود الجنوبية شكل انعكاساً لما يجري في سوريا فتمدّدت حدود الجولان الى المتوسط. وعليه ما الذي قاد الى هذه المعادلة؟ ومَن غيّر قواعد الإشتباك؟ مقابل حجم القلق الذي ساد الأوساط اللبنانية بإمكان التلاعب او التخلي عن قواعد الإشتباك التي أرساها القرار 1701 والتي تسبّب بها التوتر الأخير على الحدود الجنوبية ما بين الأول من ايلول والتاسع منه، كان هناك مَن يبحث عن متغيّرات طرأت على ساحات وجبهات أخرى ليفهم ما يجري في لبنان، فاستقرّ الرأي عند كثير من المراقبين الديبلوماسيين والخبراء العسكريين أن عليهم البحث عمّا يجري في سوريا وعلى جبهة المواجهة المفتوحة بين طهران وواشنطن وتداعياتها على معظم الساحات التي يلتقي فيها الطرفان، دون تجاهل ما لروسيا من دور يزكي هذه المواجهة بالنظر الى ما يدور في اروقة موسكو وتل أبيب وانقرة ايضاً. فالجميع متورط في سوريا ولكل منهم مصالحه التي تتلاقى وتتعارض في آن في اكثر من منطقة سورية ملتهبة. ADVERTISING inRead invented by Teads كان لبنان في تلك اللحظات يعيش نوعاً من الإستقرار أعقب التمديد للقوات الدولية «اليونيفيل» في الجنوب في 30 آب الماضي لمدة سنة دون ايّ تعديل في مهماتها ودورها وموازنتها وقواعد الإشتباك التي قال بها القرار الدولي. وكل ذلك كان يجري على وقع انتظار الرد المتوقع من «حزب الله» وايران على عمليتي الغارة الإسرائيلية على دمشق ومقتل اثنين من خبراء الطيران في «حزب الله» (25 آب 2019) وسقوط طائرتي الإستطلاع في الضاحية الجنوبية في الساعات القليلة التي تلتها (فجر 26 آب 2019). وهو وضع انتهى الى نوع من القلق المضاعف جراء رد «حزب الله» على غارة دمشق باستهداف آلية مدرعة في موقع «افيميم» (1 ايلول 2019) وإسقاط طائرة مسيّرة اسرائيلية في خراج بلدة «رامية» الحدودية (9 ايلول 2019) رداً على سقوط الطائرتين المسيّرتين في الضاحية الجنوبية من بيروت. على خلفية هذه التطورات المتلاحقة بالسرعة القياسية يتوقف المراقبون الديبلوماسيون والعسكريون عند عدد من السيناريوهات المتوقعة فيرصدون المواقف المتشنّجة على اكثر من مستوى، خصوصا في المرحلة التي واكبت ورافقت وصول مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شينكر الى بيروت وما رافقها من مواقف تصعيدية سواء تلك التي عبّر عنها الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله في ليالي عاشوراء ومواقف شينكر في آن. وفي القراءة المتأنّية لمجمل هذه المواقف يخلص هؤلاء المراقبون الى رسم سيناريو تقريبي هو المرجح من بين عدة سيناريوهات متداولة على اكثر من مستوى. فتوصلوا الى القول إنّ ما جرى في الجنوب لا يمكن احتسابه تغييراً في قواعد سلوك القوات الدولية وادارة الحدود بين البلدين، بل إنه ناتج من ترددات الصراع الأميركي – الإيراني في سوريا والذي تترجمه اسرائيل في جانب منه، و«حزب الله» من جهة أخرى. ويستند هذا السيناريو الى ما لم يصدقه أحد من اللبنانيين والأميركيين وغيرهم، في وقت ظهر فيه انّ إسرائيل وحدها فهمت الرسالة وتوسعت في الحديث عن ردود فعل الحزب المتدرجة المتوقعة دون غيرها. ولما نفذت عملية «افيميم» قال الإسرائيليون وحدهم إنّ هذا الرد مرتبط بغارة دمشق فقط، وانتظروا الرد الثاني على عملية الضاحية الى ان اسقطت طائرة «رامية» ليطمئنّوا الى انّ الرد انتهى على العمليتين وعلى الأقل في المدى المنظور. وفي ظل هذه المفارقات، يصرّ المراقبون على القول إنّ موضوع التلاعب بقواعد الإشتباك ليس سوى قرار اتخذه الايرانيون او قيادة «حزب الله» لا فرق، وهو يقول بالربط بين الساحتين السورية واللبنانية، فتحوّل الجنوب اللبناني امتداداً طبيعياً لما يجري على جبهة الجولان. فغارة دمشق استهدفت مَن يخطط لإستهداف اسرائيل من الخاصرة الجولانية وحديثها عن تعطيل عملية أخرى في سوريا قبل ايام قليلة كان يعدها الحرس الثوري الإيراني، كما تزعم، يقع في النطاق الجغرافي نفسه. وما زاد في هذه القناعة، بدء الإعلام الحربي التابع لـ«حزب الله» منذ مطلع الأسبوع الجاري ببثّ البيانات الحربية التي تشير الى الغارات الإسرائيلية على مناطق نفوذ اصدقاء ايران في الحشد الشعبي على الحدود العراقية - السورية، وهو ما ادّى ايضا الى الربط العسكري والإعلامي، وبالتالي السياسي، للساحات الثلاث العراقية والسورية والإيرانية. وبغير هذا المنطق لا يمكن فهم ما يجري في جنوب لبنان. فالحكومة اللبنانية تقف في صفّ المتفرّج وأقطابها مستسلمون للأمر الواقع، فلا حول لها ولا قوة، انهم يتابعون كما كل المعنيين بالأزمة التطورات عندما يعلنها «حزب الله» فلا استشارة مسبقة ولا لاحقة رغم اصدار بيانات الشكر عن قادة الحزب ومسؤوليه الى المسؤولين اللبنانيين الذين تبنّوا عملياتهم وقراءتهم لدوافعها والأسباب الموجبة لها كما ارادها الحزب شكلاً ومضموناً، وصولاً الى اعتبارها حرباً معلنة على لبنان دون ان يدري معظم اللبنانيين لماذا؟ وكيف؟ وما شأنهم بما يجري على الساحة السورية وتلك المتورّطة في حروبها والتقلبات اليومية المنتظرة؟ وفي الختام، وعلى خلفية هذه القراءة للتطورات يظهر جلياً ان قواعد الإشتباك لم تتغير في لبنان، بل في سوريا. فالمواجهة المفتوحة بين طهران وواشنطن مرشحة للكثير من المطبات المقبلة، ولكن السؤال المحيّر: هل أراد «حزب الله» او ايران، لا فرق، إحراج الروس أيضاً، كما الأميركيين بتوحيد الجبهات والساحات العسكرية في سوريا والعراق وبنقل المواجهة من الأراضي السورية الى اللبنانية؟ وإن صحّ ذلك فما سيكون عليه ردّ موسكو؟

ماذا لو تبنّى المجلس الدستوري قراراتِ سلفه!؟

يتسلّم المجلس الدستوري الجديد اليوم مهماته رسمياً في احتفال يقام في مقرّه قبل أن ينتخب رئيسه ونائباً له إيذاناً ببدء المهمات الموكلة اليه. وهي خطوة إلزامية في مرحلة ساد فيها الكثير من اللغط حول نية البعض التعجيل بتسلّمه مهماته لمواجهة الطعون الجديدة في مرحلة كان سلفه قد أنجز بعضها ووضع أخرى على السكة. فماذا لو تبنّى المجلس قرارات سلفه؟ لا يستطيع احد أن يبرّرَ سعيَ بعض أهل الحكم والحكومة وبعض المستشارين الى التعجيل بتسلم المجلس الدستوري الجديد مهماته بما أوحى بحرق المراحل الإجبارية المؤدّية الى تلك المرحلة في ظل تجاهل سلسلة من الخطوات التي كان يجب التزامها احتراماً لدور السلف كما الخلف. فعلى وقع سلسلة من الأخطاء الشكلية التي كادت تمسّ دور المجلس ومهماته قبل أن يمارسها، حاول البعض إنجاز عملية تشكيل المجلس وتسليمه مهماته في ساعات أو أيام معدودة بعد سنوات من الإهمال والتردّد والتخبّط الذي حال دون انتخاب وتعيين أعضائه، وهو ما أدّى عملياً الى أن يمارس المجلس الدستوري السابق رئيساً وأعضاء المهمات على مدى عشر سنين وشهرين ونصف الشهر، رغم مسلسل الشكاوى التي عبّر عنها هؤلاء الذين فقدوا زميلاً لهم قبل اسابيع، فضلاً عن إصابة اكثر من عضو من أعضائه بحالات مرضية مختلفة وتعب وقرف. الى ذلك، أوحت تصرفات البعض انّ استعجال عملية التسلم والتسليم تخفي الكثير من الرسائل السلبية وغير الحميدة تجاه اكثر من طرف، ولا سيما اعضاء المجلس القديم الذي قام بمهمات إستثنائية في ظروف صعبة للغاية، وتجاوز أعضاؤه اكثر من محاولة لتعطيله وضرب هيبته والمَسّ بالمهمة الدستورية التي أُنيطت به، بعدما حرم من بعض المهمات، وأبرزها نزع الصلاحية المقترَحة له في اجتماعات الطائف لجهة تفسير مواد الدستور وإناطته بالمجلس النيابي، وهو أمر خالف في جزء منه ما كان القصد من تشكيله. وعبّرت الخطوات المتسرّعة التي لجأ اليها البعض عن انّ المجلس الجديد جاء ليهدم ما بناه أسلافه، خصوصاً المجلس السابق الذي انتهت ولايته، لحظة قسم اليمين الذي أدّاه أعضاؤه يوم الجمعة الماضي امام رئيس الجمهورية في بيت الدين. ولكنّ وعيَ بعض الأعضاء الجدد الخطوات الواجب اتّخاذُها أنقذت المجلس الجديد من احتمال ارتكاب أخطاء مميتة قبل أن يتسلم مهماته. ويروي احدهم انه لفت نظر المعنيين بالأمر أنه لا يمكن للأعضاء الجدد قسم اليمين امام رئيس الجمهورية قبل صدور مرسوم التعيين، فوقّع رئيس الجمهورية المرسوم ليل الخميس – الجمعة الماضي وصدر ملحق بالجريدة الرسمية صباح يوم الجمعة قبل قسم اليمين بساعات قليلة. ولو تمكّن البعض المتورّط في عملية سلق المراحل من إجراء انتخاب رئيس للمجلس هو طنوس مشلب ونائبه أكرم بعاصيري قبل عملية التسلم والتسليم لشُكّلت دعسة ناقصة أخرى. وعليه، تولّى احد الأعضاء الجدد – من دون أن تكون له أيّ صفة - الطلب من رئيس القلم في المجلس تمديد الدوام الرسمي فيه يوم الجمعة الماضي الى ساعات بعد الظهر من اجل إجراء عملية الإنتخاب بعد قسم اليمين وتحديد يوم الإثنين لعملية التسليم والتسلم، متجاهلاً ضرورة الاتصال والتفاهم مع الرئيس السابق للمجلس والتنسيق معه في مثل هذه الخطوات الإدارية عدا عن كونها خطوة لا يمكن إتمامُها قانوناً قبل إجراء التسليم والتسلّم، فأنقذ رفيق له الوضع. وبعد حفلة قسم اليمين تدخل أحد اعضاء المجلس الدستوري السابق من اجل تصحيح المسار، فطلب الى الرئيس المتوقع أن ينتخب اليوم رئيساً للمجلس القاضي طنوس مشلب الإتصال بعد قسم اليمين بالرئيس السابق للمجلس الدكتور عصام سليمان لتصحيح بعض الأخطاء التي ارتُكبت في الساعات التي سبقت الحفل وترميم بعض الخطوات، فكان للوسيط ما أراد. فجرى اتصال لائق تمّ خلاله التفاهم بعد تبادل الإحترام بين ابناء السلك القضائي الواحد، على إرجاء عملية التسليم الى اليوم بدلاً من الأمس ليتسنّى للسلف والخلف أن يقولا كلمتيهما. وبعيداً من هذه الوقائع التي لا يمكن التشكيك في شكلها ومضمونها سيجد اعضاء المجلس الجديد منذ اللحظة الأولى لتسلمهم مهماتهم أنفسهم أمام ضرورة بتّ ثلاثة طعون كان المجلس السابق على قاب قوسين أو أدنى من إعلان قراره بواحد منها، وردّ الطعن المرفوع امام المجلس بنيابة ديما جمالي في الإنتخابات الفرعية الطرابلسية في جلسة ستعقد اليوم في المجلس. والى ما كان متوقعاً بشان الطعن النيابي، فقد كشف المطلعون انّ المجلس السابق كان يتوجّه الى إبطال الطعنين المقدَّمين من القضاة والعسكريين المتقاعدين في بعض مواد موازنة عام 2019 منذ أن أجرى أعضاؤه القراءة الأولى لهما الأسبوع الماضي في الجلسة التي انتهت بتعيين مقرّرين لهما لسلوك الطريق الدستورية المؤدّية الى ولادة القرار النهائي للمجلس. وبناءً على كل ما تقدم، سيرى مَن سعى الى استجرار انتصارات جديدة للعهد - كما يدعون - عبر المجلس الدستوري الجديد انه لن يبتدع شيئاً كان مقرّراً. فما سيقرّره المجلس الجديد غداً أو بعد اسبوعين بشان الطعون المشار اليها سيكون «مستنسَخاً» عمّا كان سيقوله سلفه. وعندها سيجد نفسه متبنّياً لقراراتٍ كان يمكن التريّث بعملية قسم اليمين لأيام الى حين صدورها بدلاً من الانتظار أسبوعين أو ثلاثة، ليُبنى على الشيء مقتضاه لاحقاً.

loading