جورج شاهين
جورج شاهين

حراك بلا قيادة... في مواجهة حكومة مفككة؟

من فوجىء بالحراك الشعبي وحجمه كان يعيش خارج لبنان، ولم يقدّر ما بلغه الوضع من تَردٍ، وخصوصاً أنّ ما حصل في الشارع تزامَن مع صراع سياسي وحكومي خفيّ بلغ الذروة في الكواليس. فقد غابت التفاهمات على أبسط أولويات الإصلاحات وعناوينها، فانفجر الشارع وتحرّك المواطنون بلا قيادة، وإن وجدت، فلكلّ تجمّع محرّكه، في مواجهة حكومة مفككة لا تملك كلمة جامعة. وماذا بعد؟ لم يحجب دخان الدواليب وما انبعث من حاويات النفايات المحروقة التي غطّت سماء بيروت والمناطق، بعد أيام على حرائق الجبال الخضراء، الاهتمام الديبلوماسي والسياسي بما جرى في لبنان في الساعات الـ48 الماضية من مظاهر الغضب الشعبي، وما تسبّبت به صيحات المتظاهرين التي ملأت الشاشات في غياب المواقف وردود الفعل الرسمية التي كانت مطلوبة لتكون بحجم ما فَرضته التحركات الشعبية من استحقاقات سياسية واقتصادية، أقلّها دعوة الحكومة الى الاستقالة في مثل هذا التوقيت الدقيق. ADVERTISING inRead invented by Teads على وقع كل ما يجري، إنشغلت المراجع الديبلوماسية والسياسية بداية في قراءة الحراك الشعبي بحثاً عن قيادته وهويتها، بعد سلسلة من التحركات في نهاية كل أسبوع أظهرت أنّ هناك قيادات جديدة للحراك لم تكن بارزة من قبل، لا في تلك التي رافقت أزمة النفايات والمطامر ولا في الحراك الذي واكَب أزمة الكهرباء. فباستثناء مسؤولين عن جمعيات محدودة ما زالت تؤدي دوراً شعبياً تَعبوياً منظّماً، فقد انتهت أدوار كثر وغابت جمعياتهم وتجمعاتهم عن ساحات التظاهر. فحتى ساعات المساء أمس، لم تكن مراجع عدة أمنية وسياسية وديبلوماسية قد توصّلت الى تحديد هوية قيادة موحّدة تُدير الحراك، وخصوصاً بعدما انفجر الشارع وتوسّعت رقعة التظاهرات من بيروت الى مختلف المناطق اللبنانية من دون استثناء، فلم تبقَ منطقة من أقصى شمال البلاد الى جنوبها، ومن أطراف البقاع الى عمق جبل لبنان ساحلاً وجبلاً، إلّا وتحركت. وباستثناء الصمت المطبق لدى قيادة «التيار الوطني الحر» و»تيار المستقبل» دون غيرهما من أحزاب السلطة، فقد برزت الدعوات الى التظاهر التي أطلقتها الأحزاب على وَقع انفجار شعبي بعيد كل البعد عن الوجه الحزبي المعتاد. وباستثناء حزب الكتائب، الموجود خارج السلطة والتركيبة الحكومية، الذي دعا مناصريه الى الشوارع بعدما أعلن حال الاستنفار القصوى في مختلف الأقاليم والأقسام الحزبية، وأبقى اجتماعات مكتبه السياسي مفتوحة ويومية، فقد وجّهت قيادات الأحزاب الأخرى كـ»التقدمي الإشتراكي» و»القوات اللبنانية» دعوات مماثلة الى التحرك، مع الحرص على إبقاء الأعلام اللبنانية وحيدة في الساحة منعاً لأيّ احتكاك مُحتمل. وبعيداً ممّا يمكن أن يؤدي إليه الحراك، وأيّاً تكن ردود فعل أهل الحكم والحكومة، فقد طرحت أمس على هامش الإتصالات السياسية سلسلة من الهواجس لمرحلة ما بعد هذا الحراك، أيّاً كان المدى الذي يمكن أن يتخذه شعبياً وأمنياً وما يمكن أن يؤدي اليه. فالرهان على استعادة الهدوء بالسرعة التي كان يتمناها البعض تضاءَل نتيجة سلسلة من النصائح والمواقف التي دعت رئيس الحكومة الى التَريّث في اتخاذ اي خطوة تدفع الى الاستقالة. فالمرحلة وما يحيط بها من الداخل والخارج لا تحتمل أي خطوة من هذا النوع، وهو ما دفعَ رئيس الحكومة الى التردّد في توجيه رسالته الى اللبنانيين طيلة نهار أمس، وأرجىء موعد توجيهها غير مرة ابتداء من لحظة إلغاء جلسة مجلس الوزراء بعد الظهر، وبعد التشاور مع رئيس الجمهورية، وحتى بداية الليل. على كل حال، وباستثناء كل ما رافق تظاهرات الأمس من مظاهر الرفض الشعبي وردود الفعل السياسية التي لا يمكن أن تُقاس بحجم ما بلغته الأزمة، فقد توجّهت الأنظار الى ما يمكن أن تؤدي اليه تطورات الساعات المقبلة، والتي يجب قياسها بحجم المهلة التي أعطاها رئيس الحكومة سعد الحريري الى شركائه في التسوية والحكومة للخروج من المأزق، والتي حدّدها بـ 72 ساعة ابتداء من مساء أمس الجمعة. وعليه، وقبل أن تمر الساعات الـ 72 المقبلة، فقد طرحت سلسلة من الأسئلة انطلاقاً من المعادلة البسيطة التي قاد إليها موقفا وزير الخارجية جبران باسيل من منبر قصر بعبدا، وتلك التي أطلقها الحريري من السراي الكبير، واللذان التقيا على التورية في تبادل الرسائل. فتركيز الأول على أنّ العهد مُستهدف ولم يسمح له بأن يقوم بالخطوات الإنقاذية التي أرادها. أدّى الى تعبير الحريري، بالطريقة عينها، عن العقبات التي حالت دون تطبيق ما هدفت اليه التسوية السياسية التي أدّت الى ولادة العهد الجديد، ومن دون تحقيق ما يطالب به المجتمع الدولي لمساعدة لبنان للخروج من المأزق القائم. لذلك، ظهر واضحاً أنّ الخطابَين لم يلبّيا أيّاً من مطالب الشارع المنتفِض، ولا يمكن لأيّ منهما أن يؤدي الى خروج الناس من الشوارع، وهنا يكمن المأزق الحقيقي في حال طال الحراك الشعبي. وفي ظل هذه المقاربات المختلفة، صار واضحاً أنه إذا لم تُدعَ الحكومة في الساعات المقبلة الى اجتماع طارىء، لتُطلق آلية عمل جديدة لمقاربة الأزمة القائمة بشكل يوحي للناس المنتفِضة في الشوارع أنّ هناك مخرجاً جدياً يقود الى الخروج من الأزمة المتعددة الوجوه، فإنّ الحراك سيقود الى ما لا تُحمد عقباه. وعليه، وفي حال استحالة الوصول الى مخرج، فإنّ الوصول الى صباح الإثنين المقبل من دون تحقيق ما يُرضي الناس، من المتوقع أن يخضّ الأسواق المالية خضّة كبيرة قد لا يحتملها اللبنانيون، وعندها يمكن الحديث عن مسار جديد ستتخذه الأزمة في اتجاه ما هو مجهول أكثر مما هو مُمكن تقديره من اليوم.

مَن فضح تعميم المركزي... وكيف؟

على اللبنانيين ان يعتادوا أنّ برامج التقنين في لبنان تجاوزت الكهرباء والمياه الى الدولار، وكما عليهم دفع فاتورتيهما ان يستعدوا لفاتورة الدولار، وربما اكثر. وطالما أنّ لهذه المستجدات ما يبرّرها لأكثر من سبب، فقد جاء تعميم مصرف لبنان لتأمين الحاجات الأساسية بالسعر المدعوم ليفضح الكثير ممّا كان مستوراً في اكثر من قطاع. فكيف السبيل الى هذه المعادلة؟مهما اختلف الخبراء والمراقبون الاقتصاديون والماليون في توصيف ما شهدته السوق النقدية في لبنان من فوضى وتشبيح واستغلال وقلق والأسباب والظروف التي قادت اليها، فإن هناك الكثير ممّا اجمعوا عليه عند مقاربتهم ما حصل بالأرقام والوقائع المخفية والمعلنة.

فصول من حروب الضحايا على الضحايا!

قد تكون المرة الأولى التي يعجز فيها الخبراء والسياسيون عن توصيفٍ موحَّد لما بلغته الأزمة الإقتصادية والمعيشية. فالنظرة ليست موحَّدة، بل جاءت ترجمةً للفرز القائم بين اللبنانيين، فضاع المستقلون أو حُجبوا عن الشاشات وهو ما أدّى الى حالٍ من الفوضى المالية والإقتصادية. ولولا جهوزيّة القوى العسكرية لأُضيفت اليها الفوضى الأمنية. وعليه ما هو الدافع المؤدّي الى هذه المعادلات؟ على قاعدة أنّ الأرقام في لبنان ومعها الإحصاءات تحوّلت الى وجهاتِ نظر لم يتفق كثرٌ على توصيف ما يجري في لبنان. فكل التطمينات التي تناوب عليها كبار المسؤولين منذ فترة طويلة وتَغنّيهم بصلابة الوضع الإقتصادي ومتانة العملة الوطنية في لبنان انهارت في ايام قليلة وفقدت الثقة التي حظي بها عدد من المسؤولين، وخصوصاً اولئك الممسكين بالوضع المالي والنقدي في البلاد. قلائل بقوا على ثقتهم بالقدرة على استيعاب ما حصل مع الخوف من أن يقفل بعضها على زغل بعيداً عن الحلّ المستدام. وانطلاقاً من هذه المعادلات، تعددت المواجهات في لبنان، السياسية منها والإقتصادية، وصولاً الى إيقاظ الخلافات على الحدود بين بشري وبقاعصفرين، كما بين العاقورة واليمونة، وفي لاسا، وكلها تُذكي النعرات الطائفية والمذهبية. لكنّ أخطرها تجلّى بالنظرة الى اهتزاز الثقة بالعملة الوطنية والتلاعب بأسعار العملات الأجنبية التي تعني اللبنانيين بمختلف مناطقهم ومذاهبهم. فقد اعتاد اللبنانيون على ثبات سعر الليرة وغياب السوق السوداء منذ أكثر من عقدين. وهذا الوضع رفع منسوبَ القلق الذي زادته قراءاتُ الخبراء الإقتصاديين والماليين المنقسمين بين المتفائلين والمتشائمين. عدا عن أنّ السياسيين الذين تورّطوا في قراءة التطورات والمؤشرات الإقتصادية والمالية المتسارِعة، أعادوا الى الأذهان مسلسل التلاعب بأسعار العملة الوطنية تجاه العملات الأجنبية ما بين 1986 و1992، وجاءت أحداث 6 أيار من ذلك العام لتقدّم النتيجة التي أرادها اصحاب تلك السياسات الذين استخدموا الليرة اللبنانية مطيّةً لبلوغ اهدافهم، فاستقالت حكومة الرئيس عمر كرامي على وقع الإطارات المشتعلة والإنتفاضات التي قادت اللبنانيين الى الشوارع رغم خلافاتهم لتدخل البلاد نمطاً سياسياً واقتصادياً جديداً امتدّ لعقود. على هذه الخلفيات طُرحت سلسلة من الأسئلة عن أسباب ما حصل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: - هل هي فوضى مالية واقتصادية تعيشها البلاد في زمن الحدّ الأدنى من الإستقرار في محيطٍ ملتهب؟ - وهل هي مجرد أزمة عابرة ناجمة عن احتجاز الدولارات الأميركية في مكانٍ ما من لبنان؟ - وهل هي نتيجة حتمية للاختناق الإقتصادي الذي اقتيدت اليه البلاد بسياسات اقتصادية قصيرة النظر وهندسات مالية ومصرفيّة، عزّزتِ الركودَ بعدما لجأ أصحاب الرساميل الكبيرة الى تجميدها بفوائد تغنيهم عن هموم الإستثمار. منذ خاضت موازنة عام 2019 ماراتون الجلسات الحكومية، وبعدها تشريحها في اللجان النيابية كان هناك مَن يحذّر ممّا بلغته الأزمة، فلم يرَ المسؤولون في كل ما حصل ما يفاجئهم، بل هم ما زالوا يتوقعون الأسوأ ما لم ينجح اهل الحكم والحكومة في استيعاب الأزمة القائمة بأقل الخسائر الممكنة. ثمة مَن يعتقد أنّ التفاوت في النظرة الى حجم الأزمة ومظاهرها مردُّه الى تناولها كل من زاوية مختلفة عن الأخرى. فالطرفان المتشائم والمتفائل يدركان خطورة المرحلة، ولكنّ الخلاف قائم وما زال حول توصيفها وكيفية الخروج منها. وفي الوقت الذي يصرّ فيه البعض على السير بالإقتصاد الوطني الى «تجربة هونغ كونغ» هناك مَن يهوى «تجربة هانوي». وفي الوقت الذي يطالب فيه البعض بالتجاوب مع متطلبات المجتمع الدولي وما يطلبه من نأي بالنفس عن أزمات المنطقة حيث تتطاحن فيها قوى كبرى وإنجاز ما هو مطلوب من خطوات إصلاحية أيّاً كان الثمن، هناك في المقابل مَن يعتقد أنّ على هذا المجتمع أن يرضخ للحاجات اللبنانية دون مقابل. وعلى قاعدة الخلاف القائم بين اصحاب النظريتين، تبدو التطورات الإقتصادية تنحو الى ما يثير القلق. فما تتعرّض له الليرة اللبنانية في زمن ندرة الأوراق الخضراء، هناك مَن يؤكّد وجودها بما يكفي، لكنّ لجم التعامل بها وإمكان تهريبها الى خارج البلاد أمر ضروري. ورغم عدم الإعتداد بأن يكون ذلك سبباً بارزاً في ما حصل، هناك مَن يعتقد أنّ العقوبات المسلطة على النظام المصرفي لا ترحم، وأنّ من بين المتربصين بلبنان مَن هم قادرون على النفاذ من زوايا هذه العقوبات للقيام بما يؤدي الى تبخّر كل ما أُنجز في تركيبة هرمية السلطة والمؤسسات وفي السياسة والإقتصاد والسياحة وعمادها الاستقرار الأمني والإجتماعي. على هذه الخلفيات يتطلّع المراقبون الحياديون الى كل ما يجري على خلفية القول الماثور، إنّ «القلّة تولّد النقار». والدليل يكمن عند إجراء جردة عن المواجهات الصغيرة المفتوحة على شتى الإحتمالات السلبية. ويتطلعون الى الإشتباك بين اصحاب محطات المحروقات وشركات الإستيراد الذين يتقاسمون الخسائر اليومية، في وقت تندلع فيه المواجهة على خلفية نقل مليارات عدة من ميزانية المؤسسة العامة للإسكان الى مجموعة الجمعيات التي تُعنى بذوي الحاجات الخاصة والمعوقين، امتداداً الى الازمة التي قادت الى التحرّكات الشعبية رفضاً للغلاء ومسلسل إفلاس وإقفال العديد من المؤسسات التي تزيد من نسبة البطالة. وعند إجراء الجردة المنطقية لنتائج هذه المشاكل وتداعياتها المختلفة ينتهي المراقبون الى التفاهم على توصيف لها، فيختصرون ما يجري بأنه سلسلة من حروب «الضحايا» على «الضحايا». فأطرافها من الضعفاء ذلك أنّ الأقوياء هم في مكان آخر خارج الأراضي اللبنانية.

loading