د. مارك ابو عبدالله
د. مارك ابو عبدالله

النائب الياس حنكش وأهمية التاريخ

في مداخلة للنائب الياس حنكش على صوت لبنان نهار السبت الواقع في ٥ تشرين الأول ٢٠١٩، وفي اطار حملة دعم الحريات التي نظمها حزب الكتائب، قال نائب المتن:" الفرص لا تضيع بل يجب ان نتعلم من التاريخ، وعلى التاريخ ان يكون اكبر مدرسة لتطوير نفسنا". تشكّل هذه العبارة بالفعل أهمية كبيرة أكان لناحية تاريخ لبنان وتاريخ حزب الكتائب، ام لناحية تفهّم واقع الحال في لبنان اليوم، كما لناحية استشرافالمستقبل. بهذه المداخلة اختزل النائب حنكش جزءًا محوريًا من تاريخ لبنان، وذلك من خلال تسلّيط الضوء على أهمية الحرية ودورها في تشكيل الهوية اللبنانية المتميزة. فهذا اللبنان ذات التضاريس الجغرافية الفريدة بشواطئه ووديانه وجباله وسهوله كان ومنذ فجر التاريخ ملجأ لكل هارب من ظلم وبطش، وملجأ لكل طالب حرية. فقد اتاه رهبان مار مارون في القرن السادس هربًا مما تعرضوا له على ايدي بعض الفرق المسيحية، وقام الرهبان، ونظرًا لما تمتعوا به من حرية في جبل لبنان، بنشر الدين المسيحي في أواسط واعالي جبل لبنان حيث كانت وقتذاك لأغلبية السكان معتقدات محلية. وبهذا الجو من الحرية ايضًا نجح هؤلاء الرهبان والسكان المحليين بتأسيس احد اهم الكنائس المشرقية، وهي الكنيسة المارونية. وبعد فترة زمنية، وتحديدًا خلال القرن الحادي عشر، اتى الى جبل لبنان أصحاب الدعوة الدرزية هربًا من الاضطهاد وطلبًا للأمان. وهم بدورهم ونتيجة ما تمتعوا به من حرية في جبال لبنان نجحوا، وبعد اختلاطهم ببعض السكان المحليين ذات الأصول الآرامية والعربية، من تأسيس طائفة الموحدين الدروز. وفي مجال اخر، ما كان شيعة الامام علي ليلجأوا بدورهم الى جبل لبنان لولا إدراكهم بمدى الحرية التي يستطيعون التمتّع بها في ذلك الجبل، ما سمح لهم بالعيش بأمان وبتطوير مجتمعهم بعيدًا عن الاضطهاد والتنكيل.وايضًا، ونظرًا لما تمتع به اللبنانيون من حرية وانفتاح، نجحوا في القرن التاسع عشر في احداث نهضة ثقافية في الشرق ساهمت في تحرر الشعوب العربية من الظلامية وحصولها على استقلالها وحريتها. وانطلاقًا من ذلك، يُشكّل التعرض للحرية في لبنان، وكما يقول النائب حنكش، مسًّا بهوية لبنان، كما وبجوهر وجوده. ويتفق بالتالي نائب الكتائب في قوله هذا مع ما يذكره الأستاذ جوزيف أبو خليل في كتابه "عمري عمر لبنان" حيث يقول: "انها الحرية التي املت وجود لبنان دائمًا في كل عهوده". في مداخلة نائب المتن ايضًا دعوة صادقة وصريحة للتعلم من التاريخ. وما تاريخ الكتائب، وبالرغم من محاولات الكثيرين إما تشويهه بهدف الحصول على بعض مغانم السلطة، وإما استغلاله لأهداف سياسية وسلطوية، يبقى مدرسة وطنية بحدّ ذاته. فتاريخ حزب الكتائب، هو تاريخ نضال ناس آمنوا ومنذ العام ١٩٣٦ بلبنان، الكيان والدولة، وكانوا من أشدّ المدافعين عنه ولم يتخلفوا يومًا عن تقديم أغلى ما لديهم، منذ معركة الاستقلال الأولى عام ١٩٤٣، الى معركة حفظ الكيان عام ١٩٥٨، الى معركة الدفاع عن هوية لبنان ومؤسساته عام ١٩٧٥، الى معركة الاستقلال الثاني عام ٢٠٠٥. أراد النائب الكتائبيتذكير اللاهثين اليوم وراء السلطة والمستعدّين دومًا للمساومة، التعلم من تاريخ الكتائب،التي لم تكن يومًا باحثة عن سلطة على حساب قيمها ومبادئها. ونذكر في هذا المجال رفض الشيخ بيار الجميل، وبالرغم من الضغوطات الكبيرة، المشاركة في الانتخابات النيابية عام ١٩٤٧ مفضلاً ان يبقى في صف المعارضة والرقابة الشعبية للوزراء والحكّام، بل وايضًا في صف حراس المصلحة العامة، يحارب في سبيلها الأصدقاء وغير الأصدقاء. وتأكيدًا ايضًاعلى ترفّع الكتائب عن المناصب، نذكر ما ورد في رسالة وجهها الرئيس كميل شمعون في ٢٣ أيلول ١٩٥٨ الى الشيخ بيار الجميل والتي يقول فيها: "لم ألمُس يومًا من الكتائب تهافتًا على مقعد نيابي او وزاري، وبنوع خاص اسجل للحقيقة ان النيابة والوزارة عُرضت عليكم انتم شخصيًا أكثر من مرة، فكنتم تعتذرون". واخيرًا نقول، وانطلاقًا من مداخلة النائب الياس حنكش عبر صوت لبنان، ان كل من يسأل عن حلول لما يتعرض له اليوم لبنان من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، ما عليه إلا مراجعة تاريخ لبنان بدقة ليدرك فعلاً أهمية الحرية ودورها الأساسي في تكوين هوية لبنان من خلال تراكم التجارب التاريخية. كما ان على الباحث عن حلول لأزمات لبنان اليوم مراجعة تاريخ حزب الكتائب الحافل بمحطات نضال عديدة في معركة الدفاع عن لبنان وهويته، كما الحافل بأخلاق حميدة تحلّى بها اهم رجالاته، والذين تميزوا بترفعهم عن المناصب والتي لم يروا فيها الاّ وظيفة يقومون بها وفق ما يمليه عليهم ضميرهم الوطني والإنساني من اجل خدمة جميع اللبنانيين. وما النائب الكتائبي الياس حنكش إلاّ مثالاً يُحتذى به في ذلك.

حرية التعبير بين الواقع والمرتجى

ورد في الفقرة "ج" من مقدمة الدستور على ان لبنان هو جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد. كما ورد في المادة الثامنة من الدستور ذاته على ان الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون؛ وفي المادة التاسعة على ان حرية الاعتقاد مطلقة. بناء على هذه المواد الدستورية يتميز لبنان عن باقي الدول المحيطة به بتمتع أبنائه بالحرية المطلقة أكان في التعبير عن رأيهم، بالطريقة التي يرونها مناسبة، ام في الاعتقاد بما يرونه مناسبًا لهم. وقد شكّلت هذه المواد الدستورية الأسس الصلبة التي بُني عليها لبنان المعاصر والتي بحكم وجودها تمتع هذا الاخير بنوع من الرفاه والتقدم النسبي. ولكن في المقابل تُطرح، بين الفينة والأخرى، مواضيع جدلية متعلقة بحدود تلك الحرية وكيفية ممارستها، ومن بين هذه المواضيع الموقف الذي يجب اتخاذه فيما خصّ بعض ما تضمنته اعمال فرقة "مشروع ليلى" الفنية، والتي اعتبرها بعض المسيحيين إساءة للعقيدة المسيحية. تقوم العقيدة المسيحية بجوهرها على المحبة والتسامح، وهذا ما اظهره السيد المسيح في حياته اليومية كما في أقواله، عندما دعا الى محبة ومسامحة الاشخاص الذين نجد صعوبة في محبتهم ومسامحتهم، وكان هؤلاء في أيام المسيح من المرضى والمنبوذين والمُبعدين والسامريين والكنعانيين والرومان وجباة الضرائب والخ. واكثر من ذلك، لم تتضمن حياة المسيح، التي تُعتبر الأساس التي بُنيت ونمت عليه العقيدة المسيحية، أي دعوة او حثّ على استخدام العنف. اما في قول المسيح في انجيل متى (١٠ : ٣٤-٣٥) انه أتى حاملاً السيف، فاستخدام كلمة سيف هنا هو تعبير مجازي للإشارة الى انه اتى ليفصل بين عهد وأخر. أما عن حادثة تجار الهيكل الواردة في انجلي متى (٢١ : ١٢) ويوحنا (٢ : ١٤-١٦)،فهي تعبر وبحسب اغلبية اللاهوتيين عن غضب شخصي وليس غضب جماعي. وانطلاقًا من هذه المعطيات، ليس هناك أي إشارة في العقيدة المسيحية الى العنف او الكره، بل على عكس دعوة لمحبة وتسامح من نجد صعوبة في محبتهم ومسامحتهم.وانطلاقًا من هذه المعطيات ايضًا، نستنتج ان خوف المسيحيين في لبنان والذين يدعوهم الى محاربة ومناهضة كل فكرة او مشروع يرونه خطرًا على وجودهم ودورهم، هو أكثر خوف على عاداتهم وتقاليدهم، وليس خوفًا على العقيدة. لأن العقيدة المسيحية، والتي اشرنا الى أسسها، أضحت عقيدة عالمية بحكم وجودها في عدد كبير من المواثيق والشرائع الدولية، والتي من بينها شرعة حقوق الانسان الصادرة عام ١٩٤٨، ودساتير وقوانين اغلبية دول العالم، خاصة الدول الغربية المتقدمة. إلاّ ان السؤال المحوري الذي يُطرح: ما هو إذًا سبب هذا الخوف؟ يعود سبب هذا الخوف الى مجموعة من الموروثات التاريخية التي حملها المسيحيون، وخاصة الموارنة منهم، منذ هروب رهبان مار مارون من اضطهاد السلطات البيزنطية وبعض الفرق المسيحية لهم الى جبل لبنان بين أواخر القرن الخامس والقرن السادس. وتراكمت هذه الموروثات نتيجة عمليات الاضطهاد التي حصلت بحق المسيحيين بكافة فرقهم ومللهم خلال الحقبة الإسلامية وخاصة في عهدي المماليك (١٢٥٠-١٥١٦) والعثمانيين (١٥١٦-١٩١٨). ونتيجة لهذه التراكمات اكتسب المسيحيون وفي اللاوعي عندهم فكرة المؤامرة وباتوا يرون في كل امر صغير ان هناك شيئًا ما يُحضّر ضد وجودهم ودورهم. وتحول المجتمع المسيحي ونتيجة هذا الخوف الى مجتمع عسكري هو دائم على أهبة الاستعداد لحمل السلاح. إلاّ انه كان لذلك عواقب وخيمة على المسيحيين، ففي حرب ١٨٦٠ قتل المسيحيون بعضهم بعضا وكانت أكثرية ضحاياهم قد وقعت نتيجة خلافاتهم الداخلية وعدم تنظيمهم. وفي حرب ١٩٧٥-١٩٩٠ وبالرغم من دفاع المسيحيين عن وجودهم في بداية الحرب، ألا انها انتهت الى حرب اخوة كانت تكاليفها جد باهظة. لذلك بات خروج المسيحيين من هذا الخوف حاجة ملّحة، لان الاستمرار في العيش في الخوف يزيد من المشاكل الاجتماعية الثقافية، ويحول دون تمكّن الشباب من الابداع والابتكار، ما يدفعهم بالتالي الى الهجرة. ومن دوافع الخروج من هذا الخوف، الحاجة لبناء جسور الثقة مع بقية الافرقاء، بهدف بناء الدولة الحديثة، والتي هي حلم كل لبناني من دون أي استثناء. ومن اجل بناء الثقة لا يمكن الاستمرار في اجتزاء التاريخ وتكرار بعض حوادثه خارج اطارها الزماني والمكاني لأهداف آنية ومصالح سياسية ضيقة. وكما قاوم أجداد المسيحيين، ومنذ القرون المسيحية الأولى، من اجل حريتهم، فلا يجب ان يكونوا اليوم من بين الذين يحجبون الحرية عمن يرونهم مختلفين عنهم في العادات والتقاليد. من دوافع الخروج من هذا الخوف هو ضرورة ملاقاة مسيحيي العالم، اذ لا يمكن ان ينعزل مسيحيو لبنان عن اكثر من ملياري مسيحي في العالم، فقط بسبب خوفهم على عاداتهم وتقاليدهم. فتواصل المسيحيين الفكري مع الغرب هو حاجة وطنية كما انه حاجة عربية، إذ كما كان المسيحيون، وبفضل تواصلهم مع الغرب منذ القرن السادس عشر، رواد النهضة العربية الذين اغنوا المنطقة بنتاجهم الفكري والثقافي، عليهم اليوم ايضًا المبادرة للعب هذا الدور الريادي.

"مسؤولية فؤاد شهاب عن اتفاق القاهرة"

في كتابه الأخير عن فؤاد شهاب، يحاول الصحافي أنطوان سعد تحميل هذا الأخير مسؤولية توقيع لبنان على اتفاق القاهرة الذي جرى في أواخر العام ١٩٦٩. كما يتضمن الكتاب، وبطريقة هامشية نسبيًا، الحديث عن دور بعض الأنظمة العربية، والتي من أهمها سوريا ومصر، كما عن دور بعض الأحزاب اللبنانية، والتي من بينها حزب الكتائب، في تنامي دور المنظمات الفلسطينية العسكرية في لبنان وإنفلاش سلاحها. نظرًا لأهمية هذه المرحلة التاريخية، والتي سبقت اندلاع حرب ١٩٧٥-١٩٩٠، ارتأينا وضع الكتاب تحت المجهر العلمي بهدف تقييمه.

loading