د. مارك ابو عبدالله
د. مارك ابو عبدالله

الموجبات التاريخية لأقرار مشروع اللامركزية الإدارية الموسعة

يشكّل إقرار مشروع قانون اللامركزية الإدارية الموسعة احد اهم مشاريع حزب الكتائب اليوم، فقد تبنى رئيس الحزب النائب سامي الجميل الاقتراح الذي أعدته لجنة مشروع اللامركزية التي شًكلت في ٧ تشرين الثاني ٢٠١٢ برئاسة الوزير السابق زياد بارود وعضوية اختصاصيين وتقدم به الى مجلس النواب. كما شكّل إقرار قانون اللامركزية المشروع رقم ٢٩ في مشروع الكتائب الانتخابي لعام ٢٠١٨. ومؤخرًا، شكّل دولة الرئيس نبيه بري، وبناء على اقتراح مقدّم من حزب الكتائب، لجنة جديدة لدراسة مشروع قانون اللامركزية الإدارية الموسعة. إلا انه، ونظرًا للتجارب السابقة، قد يكون دور هذه اللجنة كما مصير المشروع الذي سيتمخض عنها مشابهًا للجان والمشاريع السابقة والتي بقيت، وللأسف، حبرًا على ورق. بالرغم من أن هذا المشروع يحظى بشبه اجماع لبناني من قبل اغلبية القوى السياسية، والتي من ضمنها معظم القوى المسيحية، الحزب الاشتراكي، تيار المستقبل وحزب الله، الا ان هذا الاجماع اللافت حول هذا المشروع قد يكون سببًا في مكان ما لعدم اقراره. قد سال حول هذا الموضوع حبرًا كثيرًا، إلاّ أننا سنتناول هنا حصرًا الموجبات التاريخية لأقرار هذا المشروع. بداية لا بدّ من التشديد على فكرة ان لبنان وخلال تاريخه الطويل لم يعرف سلطة مركزية واحدة استطاعت ان تفرض سيطرتها على كامل المنطقة المسماة لبنان والتي تشمل جغرافيًا الساحل والسلسلة الغربية والبقاع والسلسلة الشرقية. ففي الحقبة الفينيقية (١٢٠٠-٣٣٣ ق.م.) شكّلت المن الساحلية، وبالرغم من القواسم الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية المشتركة، كيانات سياسية مستقلة، وقد كانت في بعض المراحل على تنافس شديد وصل في بعض الأحيان الى حد وقوف بعضها الى جانب الغزاة ضد بعضها الاخر. وفي مرحلة الامارة المعنية، خاض الأمير فخر الدين المعني الكبير (١٥٧٢-١٦٣٥) حروبًا داخلية عديدة وأقام سلسلة من التحالفات العائلية لكي يتمكّن من بسط سلطته المركزية على كامل ارجاء لبنان. وعندما نجح في بعض الأماكن كان ذلك بفضل عوامل خارجية مساعدة، من بينها التهاء السلطنة العثمانية بحروبها الخارجية من جهة، والدعم الذي لقيه من قبل بعض القوى الأوروبية من جهة أخرى. وسرعان ما سقط الأمير المعني امام الاطماع الخارجية سنة ١٦٣٣، وتقاتل بعدها اللبنانيون فيما بينهم، ففي شمالي جبل لبنان حاولت اسرة آل حمادة الشيعية ان تفرض سيطرتها بالقوة بهدف بناء سلطتها المركزية في المناطق المارونية، كما خاض الاعيان الدروز في جنوبي جبل لبنان حرب ضروس من اجل وراثة السلطة المركزية التي بناها الأمير فخر الدين. وبعد ذلك، وبالرغم من تأسيس الامارة الشهابية، على اثر إقرار الميثاق الشهابي من قبل الاعيان الدروز في السمقانية عام ١٦٩٧، بقي الصراع، أكان بين الاعيان الدروز بين بعضهم البعض، من جهة، او بين هؤلاء والأمير الشهابي، من جهة أخرى. ووصل هذا الصراع الى ذروته في أيام الأمير بشير الشهابي الثاني (١٧٨٨-١٨٤١) وتحديدًا بين هذا الأمير والشيخ بشير جنبلاط والذي انتهى بمقتل هذا الأخير عام ١٨٢٥. ولم تكن الحرب التي اندلعت عام ١٨٤٠ والتي تجددت احداثها عام ١٨٦٠ الا بسبب الصراع على السلطة المركزية، اكان داخل المجتمع الدرزي او داخل المجتمع المسيحي، ففي هذا الأخير قام المسيحيون وفي عدة أماكن من اطلاق النار على بعضهم البعض. وبعد ذلك أتت التسوية الشهيرة المعروفة بنظام المتصرفية عام ١٨٦١، والذي شهد هو بدوره، خاصةً عند انطلاقته، صراعًا على السلطة المركزية وتحديدًا بين يوسف بك كرم، الذي وجد حاله وحيدًافي مواجهة المتصرف داود باشا. ألا أن هذا الصراع انتهى ونتيجة للظروف الدولية بتثبيت دعائم نظام المتصرفية على حساب مشروع كرم السياسي. ولكن وبالرغم من النجاح النسبي الذي حققه هذا النظام في تأمين الاستقرار واعمار جبل لبنان، إلا انه لم يستطع القضاء على موجبات صراع اللبنانيين بين بعضهم على السلطة المركزية، والذي بقي في تلك الفترة في حده الأقصى ضمن النقاشات الفكرية خاصة في الاغتراب اللبناني في مصر وفرنسا والاميركتين. عاد وانفجر الصراع على السلطة المركزية بين اللبنانيين عند تثبيت حدود لبنان التاريخية من خلال اعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول عام ١٩٢٠، وبرزت هنا الخلافات حتى داخل البيت الواحد. إلا أن الظروف الدولية آنذاك والمتمثّلة بصراع النفوذ بين بريطانيا وفرنسا ساهم في إقرار الميثاق الوطني، الذي وردت بعض بنوده في البيان الوزاري لحكومة الاستقلال الأولى برئاسة دولة الرئيس رياض الصلح، كما ساهم صراع النفوذ الغربي على تحقيق الاستقلال الناجز في ٢٢ تشرين الثاني عام ١٩٤٣. ألا انه وبالرغم من كل هذه الإنجازات الوطنية، لم يهدأ صراع اللبنانيين فيما بينهم حول وعلى السلطة المركزية. كما ان الميثاق الوطني الشفوي، وبالرغم من أهميته، بقي عاجزًا في البداية عن وضع حد لهذا الصراع، لا بل على العكس ساهم في تأجيج الصراع نظرًا لتناقضه في أماكن عديدة مع النص الدستوري المكتوب. كما ان صيغة ٤٣ حولت الصراع على السلطة المركزية بين الطوائف الى داخل كل طائفة. الى أن انفجر هذا الوضع، وايضًا وكما دائمًا وبفضل عوامل خارجية، في حرب داخلية، عجز فيها اللبنانيون بدايةً عن الدفاع عن وجود دولتهم وسلطتها المركزية، ما دفعهم، ومن اجل محافظة كل فريق على وجوده، الى تقاسم هذه السلطة. الى أن اتى اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ كتسوية بين اللبنانيين. إلا ان هذا الاتفاق، الذي هو في النهاية تجديدًا للمواثيق الموقعة سابقًا، لم يستطع بدوره ايضًا حلّ موضوع الصراع على السلطة المركزية. ففحين كانت هذه الأخيرة في يد رئيس الجمهورية قبل إقرار هذا الاتفاق فقد نُقلت بعده الى داخل مجلس الوزراء، ألا أنه وخلال تجربة حكومات ما بعد الطائف لم تنجح هذه المؤسسة في تنظيم الحكم كما في تنظيم الصراع على السلطة المركزية، والذي يحصل غالبًا من خارج مؤسسة مجلس الوزراء، كما خارج بقية المؤسسات الدستورية. ما يؤدي بطبيعة الحال الى تراجع دور هذه الأخيرة، والى توقف مصالح اللبنانيين وتدهور احوالهم الاجتماعية والاقتصادية. من خلال هذه التجارب التاريخية يتبين لنا ان الأسباب البعيدة لصراع اللبنانيين، كما لتوافقهم، هي غالبًا ذات طابع دولي واقليمي. إلا ان ذلك لا يمنع اللبنانيون من الحدّ ولو قليلاً من وطأة هذا الصراع على شؤونهم الداخلية، وهم الذين اقروا في وثيقة الوفاق الوطني عام ١٩٨٩ ضرورة تطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة، والتي وردت تحت عنوان"الإصلاحات الأخرى" في الفقرة أ وفي البند الرابع "اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى". والخوف من ان يؤدي اعتماد هذا المشروع الى التقسيم فهو في غير محله، لان اعتماد الوحدات الصغيرة، أي الاقضية، كان بهدف القضاء على احتمال التقسيم. ان إقرار مشروع اللامركزية الإدارية الموسعة يتطلب شجاعة غير مألوفة من قبل المسؤولين اللبنانيين، وخاصةً من قبل المشرّعين، وذلك من خلال تسليط الضوء اكثر على هذا الموضوع، والاعلان عنه في كل مناسبة، والضغط في كل الاتجاهات لأقرار قوانين تعزز لامركزية مؤسسات الدولة، والتي من بينها مؤسسة الامن العام، والجامعة اللبنانية، والمدرسة الرسمية، ومعالجة النفايات، والتنظيم المًدني، والخ. وإلا سيبقى مصير اللبنانيين وتنمية قراهم وبلداتهم وتعزيز دورتهم الاقتصادية معلقًا الى اجل غير مسمى بالصراعات الدولية والإقليمية التي غالبًا ما تقلب احداثًا دموية في لبنان.

loading