طوني عيسى
طوني عيسى

السلطة ليست في وارد تقديم التنازلات... ومن فيها قد يدافعون عنها مهما كلّف الأمر!

... إذاً يتَّجه لبنان سريعاً إلى مكانٍ خطِر. فقد انكشف أنّ السلطة ليست إطلاقاً في وارد تقديم التنازلات، لأنّ هناك معطيات استراتيجية إقليمية وأخرى داخلية صغيرة تفرض عليها القتال حتى النهاية. لذلك، دخلت الانتفاضة مرحلة جديدة، أكثرَ قوةً. وهكذا، فإنّ عامل الوقت يزيد التباعد بين الطرفين. وصار واضحاً أنّ الجميع ذاهبون بإرادتهم إلى احتمالاتٍ كلها سلبية. أصبح ضرورياً أن يرى المحللون أنّ هناك كياناً جديداً داخل المعادلة اللبنانية، اسمه «الانتفاضة». وحتى الآن، تبيّن أن لا مجال للقضاء عليه أو إزاحته بأي وسيلة كانت. فالانتفاضة التي جرت المراهنة على إخمادها في الأسبوعين الأولين، أو بعد استقالة الحريري، عادت وانطلقت أكثر زخماً واتساعاً، وهي آخذة في الصعود لا التراجع. لماذا؟ وكيف استطاع الناس في لحظة أن ينظّموا صفوفهم وينتفضوا على تركيبة الفساد التي يزيد عمرها عن عمر الاستقلال؟ سيتبلور الجواب يوماً بعد يوم. ولكن، غالباً، في النماذج المعروفة وآخرها «الربيع العربي»، هناك ظروف داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية واجتماعية، قد تؤدي إلى دفن الانتفاضة أو الثورة أو قد توصلهما إلى الانتصار... وإلّا فإنّها تقود إلى المواجهات الأهلية، كما هي الحالات العربية المعروفة. تقع المواجهة عندما ينعدم التفاعل والحوار الحقيقي بين السلطة والمنتفضين. وهذه الحقيقة لا يزال أركان السلطة في لبنان يتعامَون عنها حتى الآن. وهي مصدر الخطر الأساسي على لبنان حالياً. فالانهيار المالي والتصادم الأمني في الشارع سيكونان نتيجةً حتمية للفراغ السياسي، وليس العكس. وثمة مَن يعتقد أنّ الخطر بات محتوماً، لأنّ السلطة تنحدر في المنزلق بإرادتها، ومن دون أن تقيم حسابات لعواقب الذهاب نحو الهاوية، ومعها البلد بأسره، ولأنّها لا تريد مقاربة مطالب الانتفاضة لا من قريب ولا من بعيد. الأسوأ أنّ «النظرية» المتداولة بين أركان السلطة، هي الآتية: ممنوع أن نتنازل. فإذا قدَّمنا أدنى تنازل للمنتفضين، فإنّهم سيطالبون بأكبر منه… وهكذا دواليك حتى إسقاط السلطة من أساسها، أي السلطة بمضمونها السياسي، وهذا ما يهدفون إليه. ولذلك، يصرُّ أركان السلطة على لعب ورقة واحدة هي إحباط الانتفاضة والتخلّص منها باتّباع أساليب مختلفة، على أن يشغلوا الرأي العام بعناوين عامة وبأوهام البحث عن حلول. وتتنوَّع الأساليب المتبعة لإحباط الانتفاضة. ومنها مثلاً، المراهنة في البداية على أنّ الانتفاضة «مزحة» عابرة وستنتهي سريعاً من دون أن تقدِّم لها السلطة أي تنازل. ثم المراهنة على تيئيس المنتفضين وإتعابهم في الشارع. ثم تصوير المنتفضين وكأنّهم «قُطّاع طرق» وتشويه صورتهم. ثم ترويعهم بالزعران، ثم دفع الأفراد والجماعات لتفتعل المواجهات معهم. وثمة مَن يعتقد أنّ بعض أركان السلطة كانوا سيحاولون استخدام القوى العسكرية والأمنية لقمع الانتفاضة، لو كان المناخ الدولي يسمح بذلك. أما في الشقّ السياسي من المناورة، فيحاول هؤلاء أن يرموا في سوق التداول بعض العناوين والشعارات، ومنها مثلاً «ورقة الإصلاحات» الوهمية، وبعض الوعود الإصلاحية القديمة غير القابلة للتنفيذ حتى إشعار آخر... فيما الاستشارات التي هي أول الطريق، والتي كان يُفترض إجراؤها تلقائياً بعد استقالة الحريري، بقيت تنتظر بلا مبرِّر منطقي. وهو ما يؤكّد أنّ في الأمر مناورة لا أكثر، وأنّ لا حكومة جديدة في الأفق. إذاً، البلد وصل إلى المواجهة المحتومة لأنّ أوراق الجميع مكشوفة، وهي تختصر بالآتي: 1- أركان صفقة 2016 يتجنَّبون السقوط لأنّه سيكون مكلفاً جداً عليهم. فهذه الصفقة صنعها طرفان أساسيان: الأول هو «حزب الله» الذي له السلطة في السياسة والأمن، والثاني هو الشركاء المحليون الذين لهم هامش الأرباح في التفاصيل الداخلية. واليوم، لا «الحزب» مستعدّ لخسارة نفوذه في السياسة والأمن، لأنّ ذلك يُبعد لبنان عن المحور الإيراني. ولا الشركاء يجرؤون على خسارة «التفاصيل» على أنواعها، وتعريض أنفسهم للمحاسبة والمراقبة. 2- المنتفضون لن يتراجعوا إطلاقاً. وعلى العكس، هناك دلائل إلى أنّهم سيمضون في التصعيد. وعمليات الضغط التي يتعرّضون لها أدّت حتى الآن إلى تقوية الانتفاضة لا إضعافها. ويتعامل «حزب الله» مع المسألة باعتبارها معركة حاسمة، لا يمكن أن يستكين إزاءها. وكذلك شركاؤه في السلطة، الخائفون من أن يكون سقوطهم عظيماً. وكذلك المنتفضون الذين ما عادوا قادرين على التراجع. إذاً، إلى أين سيصل الجميع، ومعهم البلد، ما داموا جميعاً يعتبرون المعركة حاسمة؟ البعض يقول إنّ الانهيار الاقتصادي سيكون هو الاستحقاق الأسرع، لأنه حقيقي وداهم وكل عناصره حاضرة. وعندما يفرض نفسه، سيصرخ الجميع من الوجع. لكن البعض الآخر يقول: الخطر الأمني قد يكون داهماً أيضاً. ولا يجوز الرهان على المناعة الأمنية إلى ما لا نهاية. فبعض المظاهر مثير للقلق. وتكْبُر هواجس المواجهة الأهلية عندما يتذكّر المراقبون أنّ بعض الممسكين بالسلطة قد يدافعون عنها مهما كلّف الأمر. ويتذكرون أيضاً أنّ الانهيار الاقتصادي- الاجتماعي هو أيضاً مفتاح للمواجهة الأهلية. أليس هذا ما حصل في لبنان من فتنة 1860 إلى فتنة 1975 وبينهما وبعدهما؟ وهل ما زال المجال متاحاً لتجنّب الانتحار؟

خوفٌ من إستكراد لبنان!

أكثر من أي يوم مضى، يشعر الأكراد بأنّهم قد بيعوا. كل القوى الإقليمية والدولية تشارك في الصفقة. والأسوأ أنّ العملية تمّت تحت الطاولة لا فوقها، أي إنّ الأكراد بيعوا في «السوق السوداء» لا في البورصة الرسمية. وإذا كان الكثيرون يوافقون على قول الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله، إنّ «أميركا تبيع حلفاءها»، فالأحرى أن يسأل اللبنانيون: أولاً، هل يعني ذلك أنّ أعداء أميركا يكونون في حال أفضل من حلفائها؟ وثانياً، الآخرون، إيران مثلاً، ألا يبيعون حلفاءهم عندما يصبح السعر مناسباً؟ الحليف الأكبر والحقيقي للولايات المتحدة الاميركية في الشرق الأوسط هو إسرائيل. مع ذلك، لم تتعرّض للخديعة الأميركية لا في عهد الرئيس دونالد ترامب ولا في أي عهد سابق. ولا تقوم أي دولة بخداع الإسرائيليين، لا روسيا ولا الصين ولا الأوروبيون ولا سواهم. هذه الحقيقة تحتِّم تعديل الفكرة الشائعة عن الأميركيين، خصوصاً لدى العرب، لتصبح كالآتي: تتصرَّف الولايات المتحدة بناءً على مقتضيات مصالحها، سواء مع الحلفاء أو مع الخصوم، وبناءً على ما يتمتّع به هؤلاء من قوة ورصيد. فلو كانت إسرائيل بلداً يهتزّ نظامه ويتعرّض استقراره الداخلي للخطر ويطلب الدعم لخوض الحروب مع الجوار، كما هو حال حلفاء واشنطن العرب، ولو لم يكن لها «لوبي» داعم في عمق القرار الأميركي، لكان الأميركيون وسواهم قد باعوها «من زمان». هذا الواقع يستدعي السؤال: كيف يمكن التمييز بين حلفاء أميركا وخصومها في الشرق الأوسط؟ الدول العربية المنضوية في المعسكر الحليف للولايات المتحدة معروفة. لكن هذا لا ينفي مثلاً أنّ ترامب كان يوحي في حملته الانتخابية أنّ له مآخذ عميقة على المملكة العربية السعودية، الحليف الأكبر. لكنه عندما وصل إلى الحكم بادر إلى تفعيل التعاون مع المملكة وحليفاتها العربيات بشكل مفاجئ، وأبرم معها اتفاقات تقارب قيمتها الـ450 مليار دولار. واليوم، كل الدلائل تؤشّر إلى أنّ العلاقة مع إيران لا تتجّه إلى الصدام بل إلى الحوار وإبرام صفقة. ومعروف عن ترامب أنه «هاوي صفقات». وهو يمثّل نموذج الفكر الليبرالي الأميركي القائم على البراغماتية. لذلك، هو لا يتورّع عن اتخاذ خطوات مفاجئة وخطرة في أي لحظة، كما حصل في مسألة الانسحاب من سوريا وإبقاء الأكراد وحيدين في مواجهة الأتراك، أعدائهم التاريخيين. قالها ترامب صراحةً: الأكراد لم يكونوا معنا في معركة النورماندي خلال الحرب العالمية الثانية. لذلك، هو يقدّم إليهم ما أمكن من دعم عسكري للمواجهة، ويوفّر لهم حمايةً يحتاجون إليها لئلا يتعرّضوا لمجازر قد تقوم بها «داعش»، بصرف نظر من الجيش التركي. لكن قرار ترامب بسحب القوات من سوريا يبدو محسوماً. فحتى اليوم، هو يقول: خسر الأميركيون في الشرق الأوسط 8 تريليون دولار وآلاف الرجال بين قتلى ومصابين. وأكبر خطأ ارتكبناه هو التورط في تلك المنطقة. ولكن، في الواقع، لم يضغط أحد على الولايات المتحدة لتنخرط في حروب المنطقة. فقط مصالحها فرضت عليها ذلك: - دعم إسرائيل والأنظمة التي ترتبط بها. - تأمين توازن مع روسيا والصين ومواجهة إيران. - السيطرة على مصادر الطاقة الأغنى في العالم. ويعترف الأميركيون أنفسهم بأنّهم يتصرّفون في السياسة بذهنية الربح والخسارة. لذلك، يُصدَم حلفاؤهم بالخيبة أحياناً. وهنا يمكن التذكير بنماذج الخيبة الكردية المتكرّرة، وأبرزها رفض الأميركيين الاعتراف بمفاعيل الاستفتاء الكردي على الاستقلال في العراق. وكذلك، «تقنين» المساعدات العسكرية المقدّمة إلى الأكراد ضمن الحدّ الأدنى من الدفاع عن النفس. الصفقة التي يجري تنفيذها اليوم في الشمال السوري تحفظ مصالح الأعداء جميعاً: الأميركيون يغادرون المستنقع ويحصلون على مكاسب أخرى في الشرق الأوسط ستظهر مفاعيلها تباعاً، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، على الأرجح. ويحصل الأتراك على شريط حدودي آمن ويسدّدون ضربة تاريخية للأكراد. أما الروس فسيكون لهم امتياز رعاية الحل في سوريا، وسيتمكنون خصوصاً من جذب الأكراد إلى بوتقة الرئيس بشار الأسد. ولن تكون إيران منزعجة من كسر شوكة الأكراد الحالمين بكيان يمتدّ إلى الداخل الإيراني. وأما الأوروبيون فستريحهم إقامة المنطقة الآمنة ووقف نزف النزوح في اتجاههم. في لحظة، وجد الأكراد أنفسهم خارج برنامج الدعم الأميركي. وهذا الأمر يذكّر البعض بنماذج مماثلة في لبنان، نماذج خيبة القوى المسيحية في مراحل من الحرب، ونماذج الفشل في دعم السلطة الشرعية المركزية للسيطرة على أراضيها. وحتى السلطة التي قامت في لبنان بعد الطائف جرى تلزيمها للسوريين بغطاء أميركي. وعندما حانت اللحظة لإنهاء هذا «التلزيم»، كانت محطة 2005 التي حظيت أيضاً بالغطاء الأميركي. واليوم، يبدو لبنان متجهاً إلى خيارات جديدة يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي. وتلوح مؤشراتها بالتحضير لمفاوضات الترسيم مع إسرائيل بالتوازي مع دخول لبنان نادي الدول المنتجة للنفط والغاز. وهذا الأمر لا يمكن أن يمرّ من دون إشارة مرور أميركية… لها ثمنها طبعاً. والعقوبات الأميركية والضغوط المالية والنقدية تندرج في هذا السياق. إذاً، الدرس الكردي للبنان هو: «عند تغيير الدول إحفظ رأسك». أي إن الدول تتغيَّر باستمرار، وعلى لبنان أن يضع نفسه على «أجندة» المصالح ليحافظ على وجوده. ومن المقلق أن تتحدّد الخيارات الكبرى في الشرق الأوسط فيما لبنان يعاني الترهّل والضعف ومخاطر الانهيار. هذا الضعف هو الذي يرجّح لبنان ليكون ضحية الصفقات التي قد تُبرم بين الكبار في أي لحظة. وفي هذه الحال سيكون طبيعياً «استكراد» لبنان على الطريقة التي يتمّ فيها «استكراد» كردستان. والذين يُمَنّون النفس لذلك كثيرون.

loading