نبيل هيثم
نبيل هيثم

السيناريو المحظور

مقولتان شعبيتان يصح تطبيقهما على الواقع اللبناني، في شقّه الاقتصادي تحديداً، لتوصيف ما يجري. المقولة الأولى مصرية تقول: «يعمل ايه المشط في الوجه العكر؟». المقولة الثانية لبنانية تقول: «كثرة الطباخين تشيط الطبخة». المقولتان تعبّران خير تعبير عن الكوميديا السوداء التي يعيشها لبنان. من جهة، بات الاقتصاد اللبناني معلّقاً على إجراءات بديهية، يحاول البعض استثمارها، بتعظيمها لترقى إلى مستوى الإنجازات الباهرة. ومن جهة أخرى، بات الكل خبيراً في علم الاقتصاد. فترى هذا الفريق أو ذاك يتبارى إلى تقديم «ورقة إصلاحية» بوصفات السياسة اللبنانية المعروفة، في إطار المزايدات الفجّة. الإجراءات السريعة التي اتخذها مصرف لبنان خلال الأيام الماضية إيجابية بطبيعة الحال، لكنها لا تكفي على الإطلاق لتجنيب البلاد السيناريوهات الكارثية. صحيح أنّ تعميم المصرف المركزي أبعد قطاعات حيوية كالمحروقات والطحين والدواء، وجنّب اللبنانيين شللاً في بلد يفتقد أدنى مقومات النقل المشترك، أو طوابير المصطفين أمام الأفران، وهو المشهد الذي يتذكّره كل من عاش تجربة الحرب الأهلية، أو حتى فقدان العلاجات الطبية، كما جرى في بلد مثل فنزويلا، إلّا أنّ ذلك لا يخفف من القلق الذي يستشعره اللبنانيون، بعدما صار سعر صرف الدولار حديث كل الناس. أعدم القابضون على السلطة الليرة، ويتباكون على جريمتهم هذه بالقول إنّ الليرة ما زالت بخير!! كل لبناني يشعر بالقلق اليوم تجاه فرضية إنهيار البلد إقتصادياً. هذا القلق بالتأكيد لا تبدّده التطمينات المتصلة بسلامة الوضع المالي، فحتى التأكيد المستمر على أنّ «الليرة مستقرة» بات أشبه بنكتة سخيفة وموضع سخرية من اللبنانيين، سواء في احاديثهم اليومية، أو بما يكتبونه على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، فكيف الحال إن ذهب أحدهم إلى محل للصيرفة ليجد الدولار أعلى من الصرف الرسمي، أو أنّ حتى بعض خدماتهم (من بطاقات شحن الهاتف المحمول إلى اقساط الجامعات الخاصة) باتت تسعيرتها مفروضة بـ»الأخضر» الأميركي؟! خلال الحرب الأهلية، انتشرت نكتة واقعية، من وقائع الأيام السود التي شهدت صعود الدولار أمام الليرة، مفادها أنّ أحدهم ذهب ليشتري ربطة خبز فطلب البائع ثمنها 50 ليرة، فسأله المواطن «لكنّ في الراديو قالوا إن سعرها 30»، فأجابه البائع: «إذاً، اذهب واشترِ من الراديو». لا يكفي إذاً تطمين المواطن إلى أنّ الاقتصاد ليس على شفير الانهيار بالكلمات فحسب. ثمة حاجة إلى المصارحة الشاملة، وقول الأمور كما هي: ما المشكلة؟ إلى أي درجة بلغت المخاطر؟ إلى متى يمكن البلد أن يصمد؟ الأهم من المصارحة أن تقترن المعالجة الاقتصادية، إن كان ثمة نية حقاً في هذا الإطار، برؤية موحّدة، أقلّه على مستوى القوى السياسية، بعيداً من مزايدات اللعبة السياسية التي تُدار على طريقة أسوأ الألعاب الصبيانية في مرحلة ما قبل المراهقة. ثمة أسس يمكن البناء عليها في خطة الانقاذ تلك، بدءاً من احتياط العملات الأجنبية الذي يمتلكه مصرف لبنان (وإن كان ثمة حاجة إلى الشفافية في تحديد حجم وأسباب التقشف المفاجئ في العملة الصعبة)، بجانب احتياط الذهب (وإن كان ثمة حاجة ملحّة أيضاً لتحديد ظروف تسييله أمام اللبنانيين في ظل كل الشائعات التي تحوم حوله)، مروراً بوجود قطاعات منتجة يمكن أن تضخ أموالاً في الاقتصاد، إذا طُهّرت ولو بالحد الأدنى من الفساد والمحسوبية، وصولاً إلى الفرصة التي قد تكون الأخيرة في الاتفاق على الإصلاحات التي من شأنها أن تُفرج عن أموال، أو بالأحرى قروض «سيدر». لكنّ البناء على ما سبق من أسس، يتطلب في مجمل الأحوال أن يكون ثمة حد أدنى من التوافقات السياسية، خصوصاً أنّ القاصي والداني يدركان أنّ جزءاً من الأزمة الاقتصادية يعود إلى أجندات سياسية خارجية. أولى هذه الأجندات أميركية طبعاً. فالعقوبات الأميركية الأخيرة على القطاع المصرفي، فضلاً عن خنق التحويلات من المغتربين إلى لبنان، تؤكّد وجود قرار أميركي باستخدام الاقتصاد أداةً للضغط السياسي، سواء داخلياً (محاصرة «حزب الله») أو إقليمياً (الضغط على إيران عبر «حزب الله»)، وهي أداة لا يمكن أن تتحقق لو توافر قدر من التوافق الوطني على البديهيات السياسية التي تمنع تحويل الاقتصاد اللبناني إلى جبهة لتصفية الحسابات. ثاني تلك الأجندات، تتعلق باللاجئين الفلسطينيين، الذين طالما أُقحموا في البازارات السياسية الإقليمية، وهو ما يفسّر اليوم الكثير من المخاوف حول ارتباط الضغوط الاقتصادية اللبنانية بتسوية ذات طابع اقتصادي للتوطين، في إطار «صفقة القرن». أما ثالث هذه الأجندات، وهي امتداد للثانية، ولا تقلّ عنها خشونة، فتتعلق بالنازحين السوريين، الذين يجادل منظّرو الاستقرار الاقتصادي في لبنان على أنّ المجتمع الدولي لن يترك لبنان لمصيره، خوفاً من احتمالات تدفّق أكثر من مليون سوري إلى أوروبا! ما جرى اليوم في شمال سوريا ليس تفصيلاً في انعكاساته على الاقتصاد اللبناني. العملية العسكرية التركية التي قد تنطلق بين لحظة وأخرى، في حال استقرّ الضوء الأخضر الأميركي على ما أعلنه ترامب في تغريدة الانسحاب قبل يومين، عنوانها العريض إقامة «منطقة آمنة» يمكن أن تشكّل ملاذاً للاجئين، وهو ما يثير احتمال منطقي، بأنّ اللاجئ السوري، الذي عانى ما عاناه في لبنان، وعانى لبنان ما عاناه بسبب ما شكّله من ضغط اقتصادي - مجتمعي، قد يجد نفسه مضطراً في نهاية المطاف العودة إلى تلك البقعة «الآمنة»، وعندها ستسقط ورقة التوت عن تنظيرات الاستقرار! الأهم ممّا سبق أنّ أحداً لا يمكن أن يحك جلد الاقتصاد اللبناني، إلّا ظفر اللبنانيين أنفسهم. المجتمع الدولي اليوم أقل استعداداً لأن يكون سخياً في انقاذ بلد مثل للبنان، والتجربة اليونانية أكثر الأدلة وضوحاً على ذلك. هذه حقيقة تنطلق من حقيقتين فرعيتين: الأولى، انّ العلاقات بين الدول لا تبنى على مجرّد الصداقات غير النفعية. وعلى هذا الأساس، فإنّ كل ما خرجت به زيارة الرئيس سعد الحريري للامارات - على أهميتها - لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها مجرّد استعراض للانجازات، يمكن للطرفين التباهي به، دونما نتائج جوهرية. وكذا الحال حين يتعلق الأمر بوديعة قطرية هنا أو سعودية هناك، وهي لا يمكن النظر إليها إلّا بوصفها مجرّد فقّاعات إعلامية او «مسكّنات» موضعية. الثانية، إنّ المجتمع الدولي اليوم يعيش مرحلة القلق من الركود أو ربما الكساد، على وقع الحروب التجارية بين الدول العظمى التي تدفع بالاقتصاد العالمي نحو منزلقات خطيرة، بحسب ما يتوقع الكثير من المحللين. فإذا كان العالم كله متجهاً إلى هذا السيناريو الأسود، فمن سيهتم بأمر اقتصاد لبنان، خصوصا انّ الكل على يقين أنّ كل ما يُضخ فيه سيذهب أدراج الرياح.. هذا إذا بادر أحد إلى الضخ اصلاً!

الحريري بعد واشنطن: أنا القوي!

أمّا وأنّ «لقاء المصارحة والمصالحة» قد طوى صفحة موقعة قبرشمون، فإنّ لبنان بكل تحدياته السياسية والاقتصادية، يعود بضعة مربعات إلى خَلف التوترات التي دفعت بكل الملفات إلى حافة الهاوية، خصوصاً في ظل الحديث عن سيناريوهات الانهيار الاقتصادي، وما قد تعكسه في ذلك التصنيفات الإئتمانية. تبدو المصالحة الأخيرة نسخة مصغّرة من صيغة «لا غالب ولا مغلوب». الكل عاد إلى قواعده: رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أظهر أمام جمهوره أنه رئيس «العهد القوي» القادر على تحقيق المصالحات من دون تنازل عن المواقف. وزير الخارجية جبران باسيل عاد خطوة إلى الوراء بعد خطوتين إلى الأمام، بانتظار أن يستكمل معركته الرئاسية المقبلة. رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط فرض نفسه مجدداً، وبشكل قوي على المشهد السياسي، بعد شعور مرير بالعزلة. رئيس مجلس النواب نبيه بري أثبت أنه ضمانة للتوازنات القائمة بالنظر إلى دوره المحوري في تحقيق لقاء «المصارحة والمصالحة». ربما كان سعد الحريري وحده من ظلّ، بشكل أو بآخر، على الهامش. فطوال الأسابيع الصعبة من الأزمة السياسية التي أعقبت حادثة قبرشمون، بَدا رئيس الحكومة كأنه «صوت صارخ» في برّية الحياة السياسية في لبنان، مكتفياً بالتحذير من التداعيات الكارثية لِما يجري، ومحاولاً تدوير الزوايا، مع إدراك كبير بمحدودية قدراته على القيام بدور كذاك الذي قام به الرئيس نبيه بري. مع ذلك، فإنّ الحريري سجّل الكثير من النقاط الإيجابية لصالحه في الأزمة الأخيرة، بعدما قدّم نفسه باعتباره الصوت العاقل في مسرح الجنون اللبناني العبثي. إستفاد الحريري، في هذا السياق، من أخطاء الآخرين، لينتقل بعد «المصارحة والمصالحة» من مرحلة التحرك على الهامش إلى اقتناص الفرصة لإعادة تثبيت حضوره، كأحد المحاور الاساسية في المشهد السياسي اللبناني. ينطلق الحريري من مسلّمة أساسية، وهي أن المجتمع الدولي يرى فيه الشخصية الوحيدة القادرة على إبقاء «الستاتيكو» السياسي القائم في لبنان، وهي الصيغة التي يبدو أنّ اللاعبين الخارجيين قد استقرّوا عليها، في ظل التسخين الذي يشهده الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران، والذي ربما يجعل التوازنات الحالية أفضل الحلول الممكنة، بدلاً من انفلات الأمور إلى سيناريوهات أكثر تطرّفاً، ولاسيما في ميدان المواجهة مع إسرائيل. وبالنسبة إلى الأميركيين تحديداً، ووفق المنهج الذي يسيرعليه دونالد ترامب في السياسة الخارجية، فإنّ العقوبات المالية هي الخيار الأفضل، والأقل كلفة، في مواجهة «الأعداء»، بدلاً من الخيارات العسكرية التي لا يمكن للولايات المتحدة أن تلجأ إليها، في حال لم تكن متأكدة من تحقيق أهداف كبرى، كإسقاط النظام في إيران، أو سحق «حزب الله»، وهو ما يدرك الأميركيون استحالته الموضوعية، سواء تَعلّق الأمر بالجمهورية الإسلامية، حيث ثمة يقين أميركي من أن أية ضربة عسكرية ستحدث نتيجة معاكسة لجهة تقوية الجناح المتشدد في النظام الإيراني، أو بـ«حزب الله»، حيث لا تزال ذكريات حرب تموز عام 2006 ماثلة أمام الجميع. من هذا المنطلق، يأتي تلاقي المصالح بين الإدارة الأميركية وسعد الحريري، فبالنسبة إلى الأميركيين إنّ رئيس الحكومة هو وحده الضامن لعدم «سقوط لبنان في قبضة «حزب الله»، بحسب الأدبيات والسرديات الأميركية المعروفة... وبالنسبة إلى الحريري فإنّ تلاقي المصالح المذكور يجعل من الممكن استعادة المبادرة التي فقدها منذ «حادثة السعودية» في خريف العام 2017، وما رافق وتَبِعَ ذلك من بروز لدور بعض «الصقور» في الشارع السني، و»تيار المستقبل تحديداً». بهذا المعنى، يمكن أن تترجم زيارة الحريري الأخيرة للولايات المتحدة بمعادلة جديدة، عنوانها العريض «الحريري القوي»، بما يوازي اختلال التوازن السياسي الذي يحمله شعار «العهد القوي»، وهو ما يتطلّب، وفق تلاقي المصالح الأميركية - الحريرية ذاتها، إعادة تعويم رئيس الحكومة في الحياة السياسية اللبنانية، وتكريس دوره كضامن للاستقرار السياسي... والأهم من ذلك الاستقرار الاقتصادي. لن تتأخر تلك المعادلة في الظهور ما ان يعود الحريري إلى لبنان، فالإطار العام للتموضع الحريري المقبل اتّضَح مع البيان المشترك الذي أعقب لقاءه وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، وربما قبل ذلك، فالاستقبال الذي حظي به الحريري، ومستوى المسؤولين الذين التقاهم، وفي مقدمهم بومبيو ورئيس البنك الدولي ديفيد مالباس، والمواقف التي أعلنت إثر هذه اللقاءات تعكس رغبة واضحة لدى الإدارة الأميركية، وبطبيعة الحال المجتمع الدولي، لدعم موقف رئيس الحكومة اللبنانية. ثمة نقطة قد تبدو هامشية، ولكنها بالغة الرمزية حين يتعلق الأمر بالسلوك السياسي الأميركي: ما حظي به الحريري من حفاوة الاستقبال في الولايات المتحدة، كان قد سبقه تجاهل كبير، وربما فَج، لزيارة وزير الخارجية جبران باسيل إلى الولايات المتحدة قبل أسابيع قليلة، والتي لم تشهد أيّ لقاء مع أيّ مسؤول أميركي! وبصرف النظر عن التأويلات التي يمكن ان يحملها التناقض الأميركي في التعامل مع الحريري وباسيل، إلا أنّ الثابت هو أن الحريري يعود إلى لبنان بدعم أميركي واضح، يفتح له الباب واسعاً للدخول في مرحلة جديدة ستنعكس بشكل مباشر على لبنان، خصوصاً في ما يتصل بإعادة رسم قواعد الاشتباك الداخلية. لكنّ قواعد الاشتباك الجديدة تستهدف، على ما يبدو، تثبيت توازنات سياسية ما، بدلاً من التصادم، وهو ما عكسته تصريحات الحريري، التي جاءت على مسمع الأميركيين، ولاسيما في موضوع العقوبات المالية، التي قاربها الحريري بمنطق مثير للانتباه، حين قال إنها «برأيي لا تفيد بشيء، لكنهم (الأميركيون) بالتأكيد سيتشددون في كل ما يتعلق بإيران ومن يساعدها ويتواصل معها، وقد شرحنا لهم وجهة نظرنا بضرورة تجنيب لبنان تبعات هذه العقوبات، وأعتقد أنّ رسالتنا وصلت بشكل جيد». بل ان الحريري ذهب أبعد من ذلك في ملف العقوبات، حين تطرّق إلى الإجراءت التي يجري التلويح بها ضد حلفاء «حزب الله» - وهنا المقصود بطبيعة الحال حركة «أمل» و»التيار الوطني الحر»، حين تعمّد توجيه رسالة لا شك أنّ رموزها قد فكّت سريعاً في لبنان: «هذا مجرّد كلام متداول أكثر مما هو حقيقة، ولا أرى أننا يمكن أن نصل إلى ذلك». بذلك، حاول الحريري طمأنة «شركاء» الحكم أنّ الدعم الذي تلقّاه في واشنطن، والذي سرعان ما سيستثمر في المشهد السياسي اللبناني، لا يمكن أن يؤدي في أيّ حال من الأحوال إلى تصادم داخلي، بمعنى أنّ رئيس الحكومة لا يسعى إلى الاستقواء بالأميركيين لتصفية حسابات سياسية داخلية... بل ان جلّ ما يطلبه هو إعادة التوازن عبر استعادة الدور المفقود منذ فترة. وللتأكيد على ذلك، يبدو أنّ تلاقي المصالح الأميركية - الحريرية سيفرض تغييراً ما في السياسة الأميركية، لجهة عزل ملف العقوبات عن الدعم الاميركي للاستقرار الاقتصادي من جهة، والمساعدات العسكرية للجيش اللبناني من جهة ثانية، والمضي قدماً في عملية ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان واسرائيل من جهة ثالثة.

أبعد من ذئب أو مختلّ

ثمة حاجة ملحّة لفهم موضوعي لما جرى في مدينة طرابلس عشية عيد الفطر. في الظاهر، يبدو الهجوم الإرهابي، الذي استهدف الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، مشابهاً لهجمات إرهابية عديدة شهدها العالم خلال السنوات الماضية، لا سيما أنّ ثمة استراتيجية باتت واضحة من ِقبَل تنظيم «داعش» لنقل المعركة إلى خارج النطاق الجغرافي لما كان يعرف قبل فترة بـ»الدولة الإسلامية»، وذلك بعد سلسلة الهزائم التي مُني بها من العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان ومصر. لا شك أنّ هجوم طرابلس يحمل بصمات «داعشية». على الأقل، هذا ما يمكن استشرافه من الانتماء الايديولوجي لمنفّذه عبد الرحمن مسبوط، والذي اتضح منذ اللحظات الأولى للهجوم، الذي راح ضحيته عسكريون شهداء. برغم ذلك، يبدو أنّ ثمة مبالغة في تبسيط الأمر، على النحو الذي اختزل هذا العمل الارهابي بالقول، إنّ المنفذ يعاني من اختلال عقلي، وايضاً بكلام آخر، وصّف العمل الارهابي بـ»هجوم فردي» نفّذه «ذئب منفرد»! هذا الكلام، اياً يكن مصدره، يمكن إدراجه في ثلاث خانات: الاولى، اعتباره كلاماً عشوائياً، ينم عن إرباك، وجهل مريع بالوقائع المحيطة بهذا العمل. الثانية، إعتباره كلاماً متسرّعاً، أو زلّة لسان غير مقصودة، خصوصاً أنّ السجل الإجرامي - الإرهابي والدوافع الايديولوجية للارهابي عبد الرحمن مبسوط لم تكن خافية على أحد. الثالثة، إعتباره، كلاماً ينطوي على محاولة هروب الى الامام، بالحديث عن مرض عقلي يعانيه المنفّذ، او وصفه بـ»الذئب المنفرد»، وذلك لرفع مسؤولية المسؤول عن الأمن، وللتهرّب من المساءلة على تقصير من هنا أو هناك. وبالتالي إبعاد تهمة التقصير عنه. بالحد الادنى، فإنّ صحة فرضية الإختلال العقلي من عدمها، يؤكدهما تحقيق جدي، او تقرير طبي، اكثر جدّية يثبت ذلك. ثم انّ مصطلح «الذئب المنفرد»، كما يقول الخبراء الأمنيون، هو في الواقع مصطلح إستخباري يدلّ الى قيام شخص او أشخاص، غير منظّمين، أي لا يخضعون الى تنظيم هرمي يتلقون منه التعليمات للقيام بعمليات ارهابية، وذلك بالتخطيط والتنفيذ ضمن إمكانياتهم الذاتية. ومن هنا فإنّ غالبية الأشخاص المنفذين لمثل هذه العمليات هم من الشخصيات السويّة الاعتيادية، التي لا تثير الشكوك في سلوكها وحركتها اليومية. وبحسب الخبراء، فإنّ المحرّك الايديولوجي يبقى الأساس، خصوصاً أنّه غالباً ما يكون الإرهابي، على قناعة راسخة بأهمية عمله «الجهادي»، وهو نصرة التنظيم الأم الذي يتأثر بأفكاره - والأمر هنا يتصل بتنظيم «داعش» - فيتحرّك ضمن استراتيجية واضحة، غالباً ما يعممّها التنظيم الإرهابي عبر قنواته الخاصة وعبر الشبكة الالكترونية العنكبوتية ووسائل التواصل الحديثة. من هنا، فإنّ نظرة واقعية لما حصل، تدفع إلى تتبع فرضية تقترب من اليقين، بأنّ عبد الرحمن مبسوط لا يمكن بأي شكل من الأشكال تصنيفه ضمن فئة «الذئاب المنفردة». فالرجل سبق أن كان عضواً في تنظيم محلي متشدّد - مجموعة أسامة منصور التي شاركت في المعارك ضد الجيش اللبناني في طرابلس سنة 2014 - في حين تشير معلومات أخرى إلى أنّه ذهب إلى سوريا للقتال إلى جانب تنظيم «داعش»، ثم عاد إلى عرسال، حيث تمّ توقيفه عام 2016، ليُطلق سراحه بعد أشهر، نتيجة لضغوط سياسية معيّنة، بحسب ما كشف مسؤولون في الدولة اللبنانية، ومن بينهم وزراء معنيون، تحفّظوا عن الكشف عن هوية الجهة التي مارست هذه الضغوط. التفاصيل اللوجستية المرتبطة بالعملية، تُظهر في رأي الخبراء الأمنيين، أنّ ثمة جانباً آخر للشكل التنظيمي الذي تحرّك من خلاله عبد الرحمن مبسوط، والذي يجعل فرضية الانتماء إلى «خلية نائمة» أو «خلية قاعدية» أقرب إلى المنطق منه إلى فرضية «الذئب المنفرد». فالإرهابي مبسوط، لم يكن في مغارة، ولم يسقط فجأة من السماء، بل كان مرئياً في محيطه وفي منطقته، كان حراً طليقاً، كان مرتاحاً يتحرّك كما يبدو بلا قيود، وبلا رقابة (؟!) وضمن خطة مُحكمة، حددت نقاطاً حساسة، لاستهدافها في وقت واحد، لحظة الاسترخاء الأمني الطبيعية عشية عيد الفطر، علاوة على أنّ كمية الذخائر التي استخدمها (رصاص، قنابل يدوية، قنابل دخانية) لا تشي ابداً بالعمل الفردي، الذي غالباً ما يلجأ فيه «الذئب المنفرد» إلى مواد متوافرة معينة يمكن توفيرها بشكل سهل من الأسواق لتصنيع متفجرات بدائية على سبيل المثال. العمل الارهابي الذي حصل في طرابلس خطير جدا، الّا أنّ أخطر ما في الأمر، إن كان يشي بأنّ ثمة توجّهاً لدى التنظيمات الإرهابية الى تفعيل خلايا إرهابية، بعضها نائم ولم يتم كشفه، أو عبر «خلايا قاعدية يمكن أن تكون قد تشكّلت من تلاقي «ذئاب منفردة» في هذه المنطقة او تلك. هذا الامر يضع الجميع، مواطنين، سياسيين وأجهزة امنية وعسكرية امام تحدٍ كبير. ولكن هل في الإمكان التصدّي له؟ يحدّد الخبراء الأمنيون خمسة شروط من شأنها تعزيز عامل التصدّي: - الاول، تنفيس المناخ الحاضن لهذه الفئات، والتشدّد القاسي مع الجهات التي تحمل الفكر «الداعشي» او تروّج له. الّا انّ هذه العملية شديدة الخطورة والحساسية، إذ انّ مجتمعات كاملة ما زالت تحتضن هذه الفئات. - الثاني، تشديد المراقبة الأمنية، على نحو ما هو متبّع في كل دول العالم. والتنسيق الفاعل بين الاجهزة الأمنية، وإعادة إجراء مسح جدّي للارض اللبنانية، بدءًا من طرابلس. - الثالث، التشدّد الصارم حيال المخيمات الفلسطينية، التي يؤكّد الجميع من دون استثناء انّها تشكّل الملاذ الآمن لأصحاب الفكر الارهابي سواء من «داعش» او من اخواتها وكل التنظيمات الارهابية. - الرابع، انّ هذا الخطر لا يمكن التصدّي له، إذا ما استمرت البازارات السياسية على الطريقة اللبنانية، والتي تتراوح بين ضغوط لإطلاق سراح موقوف، رغم اهوائه الارهابية، أو المطالبة بعفو عشوائي على متشدّدين محكوم عليهم بالسجن. هنا يتوجب الفرز في ما بين الموقوفين، ووضع المعايير الواضحة التي تحدّد مدى الخطورة الأمنية التي يشكّلها إطلاق سراح هذا الموقوف او ذاك. - الخامس، انّ هذا الخطر يمكن التصدّي له، من خلال تحييد الأمن عن الخلافات السياسية والاعتبارات المذهبية. في رأي الخبراء الأمنيين، انّ هذه الشروط، وغيرها من خطط وإجراءات وتدابير من قِبل الأجهزة الامنية اللبنانية، قد تشكّل عنصر التصدّي الفعّال لهذا الخطر. والّا، فإنّ ما حدث في طرابلس لن يكون سوى مقدمة لعنف ارهابي متنقل، سرعان ما سيبدّد خطابات التباهي بـ»الإنجازات» السابقة.

loading