مهنة كانت تطعم خبزاً.. في وضعٍ مأساويّ!

  • إقتصاد
مهنة كانت تطعم خبزاً.. في وضعٍ مأساويّ!

سابقاً، قبل الانهيار، كانت النكتة الرائجة عن سائقي السيارات العمومية أنهم «ملاكون» إذ إنهم أرباب أعمالهم، كان «شوفير الخط» قادراً على تأمين معيشته وطبابته وتعليم أولاده... وأكثر. رغم «النق» الذي اعتاده الركاب من السائقين، منذ الأزل، كانت تلك المهنة تطعم خبزاً، وتصلح أيضاً لادخار قرشٍ أبيض ليومٍ أسود، على ما يقول السائق حسن منتش. «كان فيها مصاري» يقول، إذ كانت تسمح له، إضافة إلى «الخرجية»، بتناول «وجبة غداءٍ وأربعة فناجين قهوة». من كان يملك سيارة و«نمرة» عمومية، كان يجني «أكثر من معاش العسكري وموظف الدولة».

سنتان من الانهيار... والثالثة تأتي، أوصلت السائقين إلى «تحت الأرض»، على ما يقول طوني الكعدي، الرجل الذي تدرّج في الانهيار حتى فقد القدرة على تأمين الأساسيات: «الأكل والشرب وحبة الدواء». لم يحدث السقوط دفعة واحدة. مع بداية الأزمة، كان السائقون لا يزالون قادرين على تأمين لقمة عيشهم،. صحيح أن أسعار المحروقات كانت تزيد بجداول أسبوعية، إلا أنها لم تبلغ المستوى الذي جعلهم عاجزين عن العمل. ما كان يسعف أن بعض الدعم كان لا يزال موجوداً سواء على المواد الغذائية أو غيرها، أضف إلى ذلك أن الأسعار كانت «ع اللبناني»، وكان مقدوراً عليها. بقوا على هذه الحالة من الاستقرار، حتى بدأ الانهيار يكبر. ارتفعت أسعار المحروقات بشكلٍ جنوني فاقت طاقتهم، وطار معها الدعم عن كل شيء، فباتت كل السلع تباع بالدولار.

«سمع» السائقون عن توجه لإعطائهم مساعدة بقيمة 400 ألف ليرة لكل من يملك سيارة و«نمرة» عمومية، واتفاق بين اتحادات النقل البري والحكومة لدعم صفيحة بنزين أو مازوت للسائقين، إلا أن هذا كله بقي حبراً على ورق. مع الثقل الذي فرضه الانهيار، وُلدت تعرفة جديدة كانت الضربة القاضية للسائقين، على ما يقول السائق شوقي سلمان، إذ «خفّ كثيراً عدد الركاب الذين فقدوا هم أيضاً قدرتهم المعيشية، وبات كثيرون منهم يسألون عن التعرفة قبل أن يصعدوا وفي الغالب لا يقبلون». لذلك، «في كثيرٍ من الأوقات منجي على البيت حاطين من جيبتنا». يوضح سلمان أن سائق «الفان» يحتاج يومياً بين 25 و30 ليتراً من المازوت، سعرها بحسب جدول «الدولة» نحو 600 ألف ليرة، فيما «ندفع على المحطة أكثر من ذلك، لأن هناك فارقاً في سعر التنكة يبلغ بين 50 و60 ألفاً». في نهاية اليوم، غالباً ما يعود السائق من دون أن يكون قد «ردّ» بدل ما دفعه للمحروقات، خصوصاً أنه مع غلاء تعرفة النقل، «الراكب لم يعد موجوداً». في غالب الأحيان، يعود سلمان بلا «غلّة»، وفي الغالب، أيضاًَ، يكرّر العبارة نفسها لزوجته: «دبروا حالكن، اعملوا اليوم شي بزيت». فعندما «تعود إلى المنزل خسران لا يعود بالإمكان أن تلبي احتياجات العائلة. يعني بعدّ للعشرة قبل ما إشتري للولاد، هذا ولم نتحدث بعد عن الطوارئ الصحية وإيجار المنزل وتعليم الأولاد».

يخرج منتش في الصباح الباكر ويعود مساء «بخسارة». فـ«البارحة عبّيت بنزين بـ300 ألف واشتغلت بـ240 ألفاً». بات سائق السيارة العمومية «شحّاد» ينتظر مساعدة لا تأتي، أو في أحسن الأحوال «حوالة»، يشير منتش الذي يتلقى من حينٍ إلى آخر «مئة دولار من أختي المسافرة تسندني في مصروف العائلة».

تخلى منتش عن طقس أساسي في عمله: فنجان القهوة الذي بات سعره بحدود الخمسة عشر ألفاً؟ لذلك، يقضي يومه على «الريق» أو يتناول «حبة بسكويت» ريثما يعود إلى منزله. أما الضربة القاضية فتكون عندما تحتاج السيارة إلى قطعة غيار. «بقيت 4 أشهرٍ أعسّ بالسيارة إلى أن توقف المارش الذي يبلغ سعره ثلاثين دولاراً».

السائقون العموميون طبقة مسحوقة طحنتها الأزمة مع من طحنت غيرهم. فرض عليهم الانهيار اختزال معيشتهم بالأكل والشرب بحدّه الأدنى. أما بقية المصاريف من تعليمٍ وطبابة واستشفاء، فلا يملكون أدنى فكرة عن كيفية تأمينها. يؤرقهم الدخول إلى المستشفيات، بسبب فروقات الضمان العالية. أما فواتير الدواء، فلم تعد تشكّل مصدر دخل لهم، وتخلى معظمهم عن تقديم الفواتير إلى صندوق الضمان بعدما بات مردودها أقل من أجرة تاكسي.

مطلب هؤلاء اليوم هو تأمين عيشهم، ولكن ليس بـ«الدعم المشروط»، على ما يقولون، وإنما بـ«تحمل الدولة لمسؤولياتها، كما النقابات في تنظيف القطاع من المخالفات». هذا يمكن أن يكون المدخل نحو «دعم» القطاع وأهله، لا انتظار بضعة آلاف من الليرات ولا صفيحة محروقات مدعومة، في وقت تحلّق فيه أسعار كل السلع الأخرى.

 

المصدر: الأخبار