الشرق الأوسط

اتهام الراعي للمعلومات... رد فعل على صورة مغلوطة نُقلت إليه؟

أثار اتهام البطريرك الماروني بشارة الراعي مديرية قوى الأمن الداخلي بتلفيق الملفات والتعذيب، قبل أيام، جملة أسئلة تتعلق بتوقيته المرتبط باستجواب المقدم سوزان الحاج، التي اتهمت بتلفيق ملف عمالة للفنان المسرحي زياد عيتاني. وهذه المرة على خلفية نشاط حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي يُشتبه بأنها مرتبطة بها، بعدما تردد أنها تنشر أخباراً تهاجم المدير العام اللواء عماد عثمان. ورد عثمان، طالباً من الراعي أن «يحضر بنفسه أو يكلف من يختاره لمواجهة الموقوفين الذين تم الادعاء بأنهم تعرضوا للتعذيب أو جرى تلفيق التهم بحقهم، سواء من الذين أخلي سبيلهم، أو من الذين ما زالوا موقوفين؛ وبالطريقة التي يراها مناسبة، تبياناً للحقيقة ووضع الأمور في نصابها الصحيح». وعلق مصدر سياسي على اتهامات البطريرك الراعي ضد مديرية قوى الأمن الداخلي وتحديداً شعبة المعلومات بالقول: «ربما التبس الأمر على الراعي». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «من أين استقى البطريرك معلوماته عن أقبية للتعذيب تستهدف الناس من دين واحد ومذهب واحد خلال التحقيق معهم بعد فبركة الملفات لهم؟». إلا إن المصدر السياسي شدد على أن «من نقل صورة مغلوطة للراعي وحرَّضه على شعبة المعلومات، إنما تابع منهجاً يستهدف هذه الشعبة التي كشفت أخطر الجرائم؛ ابتداءً من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بتمكنها من وضع خريطة لشبكة اتصالات المتهمين بالجريمة، والتي دفع ثمنها المهندس الرائد وسام عيد حياته، مروراً بكشف المتورطين في التجسس لصالح إسرائيل وأشهرهم القيادي في (التيار الوطني الحر) العميد المتقاعد فايز كرم، وليس انتهاءً بميشال سماحة، مستشار الرئيس السوري الذي نقل بسيارته متفجرات للإطاحة بالسلم الأهلي في لبنان. هذا عدا إنجازاتها في كشف شبكات الإرهاب، مما دفع بالمتضررين إلى اغتيال رئيسها وسام الحسن قبل أعوام». ويقول النائب السابق من «كتلة المستقبل» الدكتور مصطفى علوش لـ«الشرق الأوسط» إن «احتمال وجود خلل في تحقيقات القوى الأمنية إلى أي جهاز انتمت، يجب تصحيحه. وكلنا نذكر خلل السجون وفضيحة سوء معاملة السجناء الإسلاميين. كذلك تتسرب المعلومات عن تعذيب يمارس بقدر معين على موقوفين أثناء التحقيق، ومن قبل كل الأجهزة الأمنية. لا أحد يملك أجوبة واضحة بهذا الشأن». ويضيف: «إلا إن المؤسف في هذا الملف أن كل مؤسسة أمنية أو سياسية أو إدارية محسوبة على طائفة معينة. وأي استهداف لها يصبح استهدافاً للطائفة. وشعبة المعلومات تتعرض إلى استهداف واتهامات لقربها من رئاسة الحكومة. هل المطلوب أن تمتنع عن مقاضاة أي موقوف بناء على طائفته؟». وتعدّ مصادر مطلعة أن «كلام الراعي ظلم قوى الأمن الداخلي وشعبة المعلومات كثيراً، وتحديداً إذا جاء رد فعل على ما نقل إليه عن استجواب سوزان الحاج، أو التحقيقات الجارية بشأن ملف الفساد القضائي الذي طال اثنين من القضاة الرئيسيين المحسوبين على العهد. وتكفي قضية زياد عيتاني لنعرف أين هو التعذيب. لو أن اتهام الراعي شمل كل الأجهزة لبدا الأمر مفهوماً». وتضيف المصادر أن «قوى الأمن الداخلي تواجه حملات على أكثر من جبهة، وذلك لإصرار اللواء عثمان على مكافحة الفساد. وتحديداً بعد أن وصلت الملفات إلى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس». وتنوه بأن «هذه القوى بصفتها جهازاً أمنياً أكثر من يفهم القانون ويلتزم به، وذلك لأن تدريبها يجمع القانون بالأمن حفظاً لحقوق المواطنين». ويرى علوش أن «ما يرد من تصريحات يؤكد أن الوضع الطائفي في لبنان أصبح متفجراً... فالتصرفات التي يقوم بها تيار رئيس الجمهورية، وعلى لسان وزير الخارجية جبران باسيل الذي يفيض بتشنج واعتباره أن الحرب الأهلية قائمة في لبنان وإنْ من دون سلاح... وما حصل خلال الأشهر الماضية هو تصادم على المستوى الطائفي من خلال الطرح الشعبوي لبعض مواد الدستور واسترجاع الحقوق، ما خلَّف جواً لدى السنّة بأنهم ضحية استهداف إقليمي ودولي». ويقول المسرحي زياد عيتاني لـ«الشرق الأوسط» إنه «بصدد تحضير رسالة للبطريرك يناشده فيها أن يشمل برعايته كل من تعرض إلى تلفيق تهمة وتعذيب، لأن البطريركية مرجعية وطنية وبوصلة تاريخية وسياسية للبلد». وهو سيسعى إلى لقاء الراعي ليشرح له ماذا حصل له ولعائلته جراء ما تعرض له. ويضيف عيتاني: «رفعت دعوى قبل نحو عام ونصف على الذين عذبوني في جهاز أمن الدولة، إلا إن الدعوى لا تزال نائمة في الأدراج. وقبل نحو الشهرين، دعيت إلى جلسة استماع، وانتهى الأمر. المؤسف أن أولويات العمل القضائي اللبناني غير متوفرة».

هل باتت المنطقة أمام مقاربات جديدة من واشنطن وموسكو؟

التطورات الأخيرة المتلاحقة في العراق وسوريا ولبنان توحي بدخول الحسابات الإقليمية والقراءات الدولية لها مرحلة جديدة. ورغم اختلاف التفاصيل، فإن ثمة قواسم مشتركة لافتة بين الدول الثلاث تستحق التوقّف عندها، في مقدّمها: 1 - عجز القوى الحاكمة عن التحكّم كلياً في مسار الأحداث داخل دولها. 2 - تعذُّر بناء جبهة داخلية واحدة متماسكة قادرة على التوافق على «هوية سياسية» للحكم، أو بلوَرة بدائل له تحظى بتوافق عريض يتجاوز الاعتراضات الإقليمية وتتوافق عليها القوى الدولية الكبرى. 3 - غموض التوجّهات - المعلنة على الأقل - عند القوى الإقليمية غير العربية التي ترى نفسها معنيّة بما يحصل داخل «جاراتها» العربيات، أو تعتبر أن لها «حقاً طبيعياً» للتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول «الجارة». 4 - ظهور بوادر نشاط أكبر على مستوى مُقاربات القوى الكبرى، سواء بصورة مباشرة أو بالواسطة، للتأثير فيما هو حاصل داخل هذه الدول. في العراق، قُصفت خلال الأسابيع القليلة الفائتة، وسط صمت رسمي، مقرّات لفصائل تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني في محافظتي صلاح الدين وديالى. وأفادت تقارير صحافية موثوقة بأن القصف نفّذته إسرائيل، وأن عناصر في «الحرس الثوري» قُتلت في أحد المقرّات. وجاء هذا القصف بعد فترة قصيرة من إدراج وزارة الخزانة الأميركية أربع شخصيات عراقية على لائحة العقوبات محسوبة على طهران. ومعلوم أن الخلافات داخل المكوّنات السياسية لحكومة بغداد حالت دون إكمالها، بسبب تعذّر التوافق على مَلء حقيبة وزارة التربية، بعد خلافات طويلة أخّرت اختيار وزيري الداخلية والدفاع. وفي لبنان، ما كان الوضع أفضل. فعلى امتداد شهر شلّت حادثة قبرشمون وتداعياتها واصطفافاتها السياسية، عمل الحكومة وعطلت اجتماعاتها وهدّدت بكارثة أمنية في منطقة جنوب جبل لبنان التي تعد إحدى أكثر مناطق لبنان حساسية طائفية. وفي مزيج من استنهاض الخطاب الاستفزازي الإلغائي، والحزازات الثأرية، والضغوط العلنية والمستترة لاستغلال الحادثة في تصفية حسابات محلية وإقليمية تمهد لوضع اليد على لبنان... بدأ البلد انزلاقه نحو المجهول. لقد كان الأمل الوحيد بالإنقاذ قد تبخّر عندما أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي تجميده مبادرته التصالحية رداً على تخلّي رئيس الجمهورية ميشال عون عن موقعه كـ«حَكَم» كي يجدد نزاعه القديم مع الزعيم الاشتراكي الدرزي وليد جنبلاط. وما يُذكر أنه بالتوازي مع موقف عون، صعّد وزير الخارجية جبران باسيل (صهر عون ورئيس «تياره») مواقفه رغم تلقيه «نصائح» أميركية بالتزام التهدئة. هذا «السيناريو» الخطير كان يتكشّف بالتوازي مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. وفجأة، جاء «الترياق» من السفارة الأميركية عبر بيان مفاجئ أعرب بكلام تحذيري عن دعم واشنطن «المراجعة القضائية العادلة والشفافة دون أي تدخّل سياسي». وشدّد على أن «أي محاولة لاستغلال الحادث المأسوي الذي وقع في قبرشمون في 30 يونيو (حزيران) الماضي بهدف تعزيز أهداف سياسية، يجب أن يتم رفضها». وأضاف: «لقد عبَّرت الولايات المتحدة، بعبارات واضحة، للسلطات اللبنانية، عن توقّعها أن تتعامل مع هذا الأمر بطريقة تحقق العدالة دون تأجيج نعرات طائفية ومناطقية بخلفيات سياسية». كان لهذا البيان فعل السحر. فعقد اجتماع في القصر الرئاسي حضره رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، ومعهم الزعيم وليد جنبلاط، والنائب طلال أرسلان (المحسوب، مثل باسيل، على «حزب الله»)، وانتهى بالتفاهم على إنهاء تعطيل اجتماعات مجلس الوزراء، والامتناع عن التطرق للحادثة، في اجتماع المجلس الذي تقرر في اليوم التالي. هذا التدخل الأميركي المباشر كان الأول في لبنان منذ 2005. وهو يعبّر عن قراءة واشنطن الجدّية لسير «حزب الله» - ومن خلفه إيران - في مخطط وضع اليد على البلد، وإحداث تغيير سياسي جذري ونهائي فيه. أخيراً، ماذا عن سوريا؟ في سوريا، كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن صراع يخفت حيناً ويتأجج حيناً آخر بين موسكو وطهران. وكانت تقارير عدة قد تحدثت قبل سنوات عن أن «التحالف» الروسي - الإيراني تكتيكي، وليس استراتيجياً، وأن ثمة اختلافاً في الرؤية بين الجانبين إزاء عدة أمور تفصيلية وجغرافية، ثم ظهر التباين بين أولويات «الحليفين» على الأرض في عدة أماكن، إذ بينما تتعامل موسكو مع سوريا من منطلقات سياسية - عسكرية مرتبطة بتوازن القوى الاستراتيجي مع واشنطن في شرق المتوسط... فإن جزءاً بارزاً من اهتمامات طهران كان إحداث تغيير ديموغرافي، خصوصاً، في «ممرّ» طهران - بغداد - دمشق - بيروت. وحقاً، تُرجم هذا عبر تهجير سكان منطقة وادي بردى، وهو اليوم يحكم تصرّف الإيرانيين في منطقة البوكمال - الميادين الحدودية مع العراق. قد يقول قائل إن سوريا تعيش راهناً ظروف «سايكس - بيكو» جديدة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية (إيرانياً وتركياً وإسرائيلياً) مع المصالح الدولية الكبرى بين واشنطن وموسكو. وقد يقول آخر إنه ما عاد بمقدور اللاعبين السوريين المحليين، من مختلف الفئات والطوائف، سوى توصيل رسائل عن هواجسهم «لمَن يهمّه الأمر». في الحالتين، لا يخلو هذا الكلام من الصحّة. ففي صميم اعتبارات تركيا منع وصل «جيب» عفرين (غرباً) بالكتلة الكردية الحدودية الكبيرة شرق «المنطقة الآمنة» في شمال سوريا. وفي شمال غربي البلاد والمنطقة الساحلية، بما فيها جبال العلويين ووادي النصارى، يهم روسيا حماية العلويين والمسيحيين من طموحات «التشييع» الإيرانية. وبما يخص واشنطن، فإنها - كما هو معروف - حريصة على الاحتفاظ بمنطقة نفوذ لها في شمال شرقي البلاد حيث النفط والكتلة الكردية الأكبر. ونصل إلى الجنوب السوري، حيث تبقى إسرائيل اللاعب الصامت القادر على تنسيق حساباته الإيرانية مع كل من موسكو وواشنطن. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنه إذا كانت واشنطن، فعلاً، قد أعطت «ضوءاً أخضر» لإسرائيل كي تضرب «الحرس الثوري» داخل العراق، فسيكون مستبعداً ألا تتفهّم «قراءتها» لمستقبل المناطق السورية التي تحدها شمالاً. باختصار، نحن الآن في مرحلة أكثر نشاطاً لكل من واشنطن وموسكو... والسؤال هو عن تأثيرها المحتمل على الطموح الإيراني الذي يغطي الدول العربية الثلاث!

قبرشمون - المصالحة الإنجاز...

طوى اجتماع بعبدا الخماسي، أمس، صفحة الإشكال الذي حصل بعد الحادث المسلح الذي وقع في قرية قبرشمون في الجبل، في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وانتهى الاجتماع إلى فتح «صفحة جديدة» بين المكونات، بعد مصالحة رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط ورئيس الحزب «الديمقراطي اللبناني» النائب طلال أرسلان في قصر بعبدا، بحضور الرئيس ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة سعد الحريري، وذلك عشية انعقاد جلسة لمجلس الوزراء ظهر اليوم في قصر بعبدا. ووصف اللقاء المطول بأنه «لقاء مصارحة ومصالحة»، وعده بري إنجازاً، وأعلن جنبلاط أنه راضٍ عنه. وتلا الرئيس الحريري بياناً قال فيه: «عقد اجتماع مصارحة ومصالحة في قصر بعبدا، واستنكر المجتمعون الحادثة المؤسفة التي وقعت، وسقط نتيجتها ضحيتان وعدد من الجرحى، والتي باتت في عهدة القضاء العسكري الذي يتولى التحقيق في ملابساتها. واستنادا إلى القوانين، وفي ضوء نتائج التحقيقات، يتخذ مجلس الوزراء القرار المناسب». ودعا الحريري مجلس الوزراء إلى الانعقاد اليوم عند الحادية عشرة قبل الظهر في قصر بعبدا، وقال: «من الآن وصاعداً، نفتح صفحة جديدة فيها كل الخير لمصلحة المواطن». وبعد ذلك، خرج أرسلان مبتسماً من دون الإجابة على أسئلة الصحافيين. وقالت مصادر سياسية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن المصالحة أنضجها الثنائي بري - الحريري، فيما كان الرئيس عون منفتحاً ومرناً على الحلول، وكان من المفترض أن تُعقد جلسة المصالحة صباحاً، وجلسة الحكومة بعد الظهر، لكن تأخر أرسلان في إعطاء جواب على المبادرة أخرها إلى ظهر أمس. وفي تفاصيل الاتصالات التي أفضت إلى المصالحة منذ أول من أمس (الخميس)، قالت المصادر إن بري وجنبلاط تعاونا على إقناع الحريري ليل الخميس - الجمعة، فأعطى الحريري ضمانات لجنبلاط بأنه لن يكون هناك أي طرح للملف على المجلس العدلي، ولا تصويت عليه في الحكومة، وطمأن جنبلاط حول هواجسه بأنه لا حل للقضية إلا سياسياً، وهو أمر متفق عليه بين بري والحريري، وأن المصالحة هي مدخل لتنفيس الاحتقان، وإعادة تفعيل الحكومة. ولفتت المصادر إلى أن الحريري الذي كان له دور لافت وأساسي في التسوية، لعب دوراً في إقناع الرئيس عون بأن المدخل لحل الأزمة هو المصالحة التي اقترحها بري، وأشارت إلى أن عون كان متجاوباً مقتنعاً باستعادة كل الأمور عبر المصالحة، منعاً لأن يذهب البلد إلى المجهول، واقتنع من الحريري بذلك بعد تقييم الأمور. وقالت المصادر إن الاتصالات امتدت إلى ما بعد منتصف الليل مع الرئيس عون، وحتى الفجر مع جنبلاط، فيما فوض «حزب الله» بري «على بياض» ببلورة الحل، على قاعدة المصالحة التي يدعمها الحريري بلا شروط. وقالت المصادر إن الحريري اتصل بوزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، ودخل «حزب الله» بثقله على خط الضغط على أرسلان لحسم الوضع، فيما كانت له بالتوازي اتصالات مع الرئيس عون.

loading