الطائفية

الإدّعاء على شخصيّات معروفة من بينها باسيل

في سابقة تعتبر الأولى من نوعها يلجأ الناشطون الحقوقيون إلى القوانين اللبنانية، بعدما تبيّن أن الحراك المدني في الشارع غير قادر على وضع حدّ لانتشار خطاب الكراهية ولغة الحرب الأهلية، السائدين. ففي ظل إيغال البعض في استحضار لغة الحرب وإثارة النعرات الطائفية، لتحصيل مكاسب سياسية، تنقل "المبادرة اللبنانية لمناهضة التمييز والعنصرية"، المعركة من الشارع إلى القضاء، عسى أن يساق العنصريون إلى المحاكمة، لخلاص اللبنانيين من تلك اللغة التي جلبت الخراب والويلات للبنان. المواجهة قانونياً الناشطة الحقوقية المحامية ديالا شحادة، قالت في حديثها إلى "المدن": على الرغم من أهمية الاعتصامات والتحركات في الشارع لمواجهة الخطاب العنصري، وتحريض الجماعات اللبنانية ضد بعضها وضد اللاجئين، رأى بعض الناشطين الحقوقيين ضرورة اللجوء إلى القوانين اللبنانية، للفصل في هذه المسائل، واتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة بحق المحرضين. وبدأوا منذ ثلاثة أشهر في تشكيل مظلة تضمّ جمعيات مدنية وشخصيات معنوية وناشطين حقوقيين، لمواجهة الخطابات العنصرية والتحريضية، التي توجّه ضد جميع فئات المجتمع، وليس حصراً ضد اللاجئين السوريين. ودرسوا الإمكانات القانونية لرفع دعاوى قضائية ضد الأفراد والمسؤولين، انطلاقاً من أن المادة 317 من قانون العقوبات يعاقب على إثارة النعرات الطائفية والأهلية، ويجرّم كل شخص ينشر خطاباً من هذا النوع يطال مجموعات تعيش في لبنان، أو عناصر الأمة. ولفتت شحادة إلى أهمية هذه الدعوى لأنها الأولى في لبنان. ونظراً لأهميتها قرروا تقديمها ليس باسم أشخاص وأفراد، بل جمعيات مدنية وشركات وشخصيات معنوية، وصل عددها إلى نحو عشرين جهة. وقدموا دعاوى بحق ستة أشخاص منهم مسؤولين حاليين وسابقين، ووقع الخيار عليهم لأن ما صرّحوا به كان فظيعاً وخطيراً. العونيون سبّاقون ووفق شحادة، بينت المتابعة أن مناصري التيار الوطني الحر يتصدرون المحرضين في لبنان، في إطلاق المواقف والخطابات التحريضية، وإثارة نعرات الحرب وتأليب مجموعات ضد بعضها البعض. وتصدّر الوزير جبران باسيل قائمة الأشخاص المدعى عليهم، بسبب خطاباته عن تفوق العنصر اللبناني على جميع المكونات، وكراهيته للاجئين السوريين والفلسطينيين واستحضار مصطلحات الحرب الأهلية بحقهم: المؤامرة والتوطين. هذا فضلاً عن التحريض على الجرائم التي حصلت خلال الحرب الأهلية، عندما قال في طرابلس: "لست من قتل رشيد كرامي"، غامزاً من قناة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، محرضاً عليه. وشملت الدعوى رئيس بلدية الحدث جورج عون، الذي صرّح أنه يريد القرى الشيعية للشيعة، والدرزية للدروز، والسنّية للسنّة، داعياً المسيحيين إلى البقاء في قراهم وعدم استقبال الآخرين. وستدّعي "المبادرة" على عضو المكتب السياسي في التيار ناجي الحايك، الذي وجّه كلاماً لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السّابق وليد جنبلاط قائلاً: "بعد 10 أيام سوف نتذكر نحن وأنت القرود الذين أرسلتهم إلى سوق الغرب في 13 آب 1989 ، وأعادهم ميشال عون لعندك بأكياس الجنفيص". هذا فضلاً عن تحريض الحايك رئيس بلدية الحدث للمضي بقرارات البلدية لمنع بيع العقارات لغير المسيحيين، وعدم استقبال غير المسيحيين للسكن في الحدت، متعهداً أن لا أحد يجرؤ عليه في قراراته. جرائم جزائية ومن الأشخاص المدعى عليهم النائب السابق إيلي ماروني الذي صرّح في مؤتمر صحافي أنه يريد لكل بائع مسيحي وشاري مماثل، مثلما لكل داء دواء. وبرز اسم رشيد جنبلاط الذي قال إنه لو كان رجل دين لأفتى بقتل باسيل وعون. ورغم أن كلام جنبلاط أتى كرد فعل على عدم تدخل أجهزة الدولة لوقف خطابات باسيل، رأى الناشطون الحقوقيون أن كلامه يعتبر بمثابة تحريض المسلمين على المسيحيين. يتقدم القيّمون على "المبادرة" بالدعوى لدى المدعي العام التمييزي على اعتبار أن الأفعال المرتكبة جرائم جزائية تمس بالسلم الأهلي. وعلى المحكمة مراسلة وزير العدل، الذي عليه إرسال كتاب إلى رئيس مجلس النواب، كون الدعوى شملت مسؤولين منتخبين، وفق شحادة. قانون أم عيش مشترك؟ الهدف الأساسي من هذه الدعوى إطلاق رسالة واضحة للجميع أن القانون اللبناني يجرّم هذه الخطابات، كما قالت شحادة. وينتظر "المبادرون" سلوك الدعوى مسارها القانوني، وبيان ما إذا كان لبنان دولة قانون ومؤسسات. فالخطابات التي تلغو بالعيش المشترك، كما يبرر رئيس بلدية الحدث، تعيد صياغة مفهوم هذا العيش خلافاً لمقاصد اتفاق الطائف. فالعيش المشترك لديه ولدى باقي المحرضين، يعني الحفاظ على الانتماء الطائفي وإشهاره ضد الطوائف وضد "الغرباء". أي تكريس منطق الحرب ولغتها، على خلاف اتفاق الطائف الذي أتى لوضع حدّ للحرب، مقرّاً بتعايش الجميع. إطلاق واستمرارية يعقد الناشطون الحقوقيون مؤتمراً صحافياً يوم الخميس في 22 آب عند الساعة الواحدة والنصف ظهراً في فندق سمول فيل- بادارو لإطلاق "المبادرة"، والإعلان عن الدعوى القضائية التي ستتقدم بها إلى النيابة العامة التمييزية في بيروت بحق عدد من المسؤولين بتهمة إثارتهم نعرات طائفية وأهلية. وستستمر المبادرة في توثيق جميع الخطابات والتقدم دورياً بدعاوى ضد من يرتكب هذه الجرائم، بحسب شحادة.

سياسيُ التعصّب والعنصرية يأخذ لبنان مخموراً إلى حتفه

من أساسيات السياسة بعلومها وفنونها، أن تتكامل مع الاجتماعيات، فلا سياسة بلا مجتمع، ولا مجتمع بلا سياسة. وللصواب في بناء تحليل سياسي، لا بد من دراسة وافية للواقع الاجتماعي. ولبنان عينة وافية لما طرحه مؤسس علم الاجتماع السياسي ابن خلدون، في عدم فصله بين الحالة الاجتماعية والحالة السياسية. وفي قوله إن الأزمات تتحول إلى نكات، أصاب ابن خلدون، قبل مئات السنين، المجتمع اللبناني الراهن. كأنه عرّى بدقّة بعضاً من حال النكران التي يعيشها اللبنانيون. فهو كتب: "إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، إعلم أن الفقر قد أقبع عليهم، وهم قوم بهم غفلة، واستعباد ومهانة، كمن يساق إلى الموت مخموراً". التكاذب وغربة العاقل تكاد هذه الجملة تكون الأدق وصفاً للادعاء اللبناني في التغلّب على المشاكل والهموم، بالضحك واللامبالاة. وفيها تعرية لمجتمع لا يعيش إلا على التكاذب والانتصارات والانجازات الوهمية. وهذا ينطبق بقوة على حال المجتمع اللبناني، التي يختصرها اللبنانيون تجميلاً بـ"حب الحياة" أيام الحروب، والسهر على وقع الانفجارات أو القصف. ويمثّل هذا نوعاً من النكران، والهروب إلى الأمام، بدلاً من مواجهة المشكلة لمعالجتها. ولا يقتصر ذلك على حب الحياة في زمن الحرب، بل يطال الجوانب الاقتصادية والمعيشية والمالية والبيئية. لا أفضح من حديث المسؤولين اللبنانيين عن الانهيار، فيما هم يتبارزون في تسجيل الانتصارات كل في سجّله، مدّعياً أنه المنقذ. لا عناء في إعلانهم عن ترهل الدولة وانهيارها. وهذه الحال حسب ابن خلدون، تُكثِرُ من "المنجمين والمتسولين والمنافقين والمدعين. ويكثر فيها المتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون. فيضيع التقدير ويسوء التدبير. ويختلط الصدق بالكذب". ومن أسوأ ما ينطبق على اللبنانيين أيضاً، لجوئهم إلى طلب الحماية من طوائفهم. فذلك مؤشر على سقوط مجال الأفكار كلها وإنتاجها، فيعلو الباطل، وتعمّ الشائعات، وتزداد غربة العاقل، ويصبح الانتماء إلى القبيلة أشد التصاقاً، وإلى الأوطان ضرباً من الهذيان. وهذا واقع الأساسيات اللبنانية التي تتجلى اليوم في تنامي الفرز الطائفي بين الجماعات. ومن يقود هذا المسار التعصبي والاستعلائي، هو من يثبّت وجهة نظر ابن خلدون التي اقتبسنا منها أعلاه. فطالما النظام طائفي، يستمر الناس في الدفاع عن حقوق طوائفهم ولا نهاية لهذا بغير الوصول إلى دولة مدنية. فالدفاع عن حقوق الطائفة، نتاج مباشر لحال تآكل أفكار الناس، وإصابتهم بالضعف والوهن وفقدان الأمل بأي طرح جديد، وغياب أي مشروع يمكن البناء عليه لتحقيق التقدّم. هذه الحال، تنتج تعصباً اجتماعياً طائفياً أقوى، لدى الجماعات على اختلافها. فيتحلل مفهوم الدول، ويصبح رجل السياسة في حاجة إلى رفع صوته أكثر، لـ"شدّ العصب" وتقديم خطاب يستفز الآخرين، ويدغدغ مشاعر المريدين والمؤيدين، عازفاً على وتر حساس لديهم في حالات الفراغ التي يعيشيونها، ويكونون في حاجة إلى "قائد ملهم أو مخلّص" هو الذي ينتشلهم من الهوان والإحباط، فيكون البديل تعصب الخطاب وعصبية الجماعة، على حساب الدولة. ولعلّ هذا النهج يكرّسه قائد سياسي أوحد، أو زعيم لا بديل منه. "الحقوق المهدورة" وفي غمرة الدفاع عن حقوق الطائفة، يجري تعطيل كل ما تبقى من مؤسسات، ويسقط الزعيم أو القائد رؤاه على المجتمع. وهذا ترجمته اللبنانية خطاب "استعادة الحقوق المهدورة والصلاحيات" إلى لعبة التوازن الطائفي، التي تذهب بالصراع إلى أفق آخر، وقد وصل أخيراً إلى إعادة تفسير الدستور من خلال المادتين 80 و95. ولا مشكلة لمتابعي هذا المسلك في تعطيلهم عمل المؤسسات، من مجلس وزراء أو مجلس خدمة مدنية أو الإدارات، طالما لم تحقق لعبة العصبية نتائجها المرجوة. وعندما يتلقى أمثال هؤلاء ردّاً بأن الدستور لا ينص على المناصفة في فئات الوظائف الدنيا، يهددون بأن لديهم خيارات أخرى، في حال عدم احترام المناصفة. ولا شك في أن هذه الخيارات تنطوي على العودة إلى نغمة قديمة - جديدة: الفيدرالية مثلاً، والتي تكون في مجتمع مثل لبناني أبرز تجليات التعصب والالتصاق الشديد بالقبيلة أو الطائفة، على حساب الدولة. ومن تكون هذه الفكرة راسخة في خلفية تفكيره، لا يمكن أن يتصرف على أساس وجود دولة. العدّ والهد وهذا المنطق يقود إلى معادلة أساسية: منطق العدّ يقود إلى الهدّ، على عكس ما يطالبون به. ووقف العدّ، لا يمكن أن يتحقق بدون وقف الهدّ. هدّ أعمدة المصالحة بين اللبنانيين، هدّ الاستقرار والوحدة الوطنية، وهدّ الدستور والمؤسسات والقضاء، والتنسيق بين الأجهزة الأمنية التي تُحرّض على التنافس في ما بينها. وفي حال توقف الهدّ، يمكن للمرء أن يتوقف عن العدّ. والمقصود بالعدّ هنا، ليس التعداد البشري أو السكاني، بل عدّ التجاوزات كلها وإحصاؤها، والتي لا تؤسس إلا لتعزيز خطاب العنصرية بين الشرائح الاجتماعية اللبنانية. وتتجلى العنصرية اللبنانوية في أبشع صورها ضد اللاجئين السوريين والفلسطينيين.

loading