بيروت

المباني المستأجرة مصدر واضح للهدر المستمر

أكد نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني لـ«الشرق الأوسط». أنه بالرغم من الإشارة في الموازنة الأخيرة الى مشكلة المباني المستأجرة من قبل الدولة اللبنانية والتي تشكّل مصدراً واضحاً للهدر المستمر يفوق 200 مليار ليرة، (نحو 136 مليون دولار)، إلا أن تصحيحه ليس محسوماً في ضوء أسباب وعوامل عدّة، أهمّها المحاصصة والتنفيعات السياسية، ولاحظ مشروع الموازنة للعام 2019 قانوناً قديماً جديداً حمل عنوان «برنامج لتشييد أبنية للإدارات العامة في سبيل استغناء الدولة وإداراتها الرسمية عن أعباء وتكاليف استئجار المباني والإنشاءات التي تشغلها كمراكز ومكاتب لها». ووزعت اعتمادات الدفع على الشكل التالي، عن العام 2020 يدفع 200 مليار ليرة وعن العام 2021 مبلغ 165 مليارا وعن العام 2022 يدفع 275 مليار ليرة وعن العام 2023 يدفع 100 مليار ليرة. وبذلك تكون الحكومة قد أضافت تعديلات محدودة على المشروع نفسه الذي كان قد أدرج في موازنة العام 2018 بإلغاء المبلغ الذي كان مرصوداً له عام 2019 ورفع ذلك الذي كان مرصوداً للعام 2022 من 175 إلى 275 مليار ليرة وإضافة اعتماد للعام 2023. وكان لافتاً أن هذا البند أتى منفصلاً عن بند آخر تضمّن «قانون برنامج لإنشاء أبنية وزارة المالية وتنفيذ مشروع إنشاء المبنى الموحّد لإدارة الجمارك في حرم مرفأ بيروت»، بحيث رصد مبلغ 29 مليار ليرة موزعاً بين عامي 2019 و2022 لوزارة المالية ومبلغ 22 مليارا لمبنى إدارة الجمارك، وهو ما أشار إليه حاصباني مرجحاً أن سبب الفصل هو التوجّه لإعطاء أولوية لهذين المبنيين بعدما حدّدت العقارات التي ستشيّد عليهما. وفيما كان يفترض أن تكون مشاريع المباني هذه في طريقها إلى الانتهاء اليوم، يؤكد حاصباني للصحيفة، أنه إضافة إلى أنه لم يتم البدء بها فحتى الآن ليست هناك أي خطط ودراسات لها، وهو ما يثبت غياب أي نوايا إصلاحية، مشيراً في الوقت عينه إلى عدم إيلاء المسؤولين أهمية لتقليص حجم هذا الهدر عبر مصدر آخر وهو الاستفادة على الأقل من المباني التي تمتلكها الدولة وتتقاضى بدلاً عنها إيجارات زهيدة أو متروكة من دون الاستفادة منها. ويلفت حاصباني إلى عوامل أساسية تعيق السير بمشروع كهذا واصفاً إياه بـ«النظري» بالنسبة إلى الدولة اللبنانية. ويقول للصحيفة: «إضافة إلى غياب الجدية بالعمل وضرورة إيجاد مصادر لتمويل هذا المشروع الذي سيؤدي إلى توفير تكاليف الإيجارات، فهناك التنفيعات السياسية التي تحول دون بذل الجهود لتنفيذه، بحيث إن كل مستفيد من الإيجارات سيحاول تأخيرها». مع العلم أن معظم المباني المستأجرة مملوك لجهات محسوبة أو مقرّبة من الأفرقاء السياسيين. وعن موضوع المباني التي تملكها الدولة، يقول حاصباني: «تم التطرق إلى هذا الموضوع خلال جلسات بحث الموازنة لكنه لم يناقش بجدية فيما تركز البحث على صغائر الأمور ولم يعط هذا الملف كما غيره من الملفات المهمة الحيز والاهتمام الكافيين». وتقدّر بدلات الإيجارات التي تدفعها الحكومة سنوياً للأبنية والعقارات التي تشغلها المؤسسات من وزارات ومدارس والجامعة اللبنانية ومؤسسات عامة أخرى بنحو 200 إلى 220 مليار ليرة. وبعض هذه المقرات لا يتم تشغيلها وتبقى فارغة، فيما لا يتطلب إنشاء أبنية حكومية أكثر من 750 مليار ليرة، بحسب ما أكدت دراسة «الدولة للمعلومات» في نهاية عام 2018، ويعود الإيجار الأكبر لمبنى «إسكوا» الذي تدفعه وزارة الخارجية وقيمته السنوية 15 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل 10 ملايين دولار، كما أن الدولة تنفق نحو 34 مليار ليرة بدل إيجار للأبنية المدرسية. في المقابل، فإن الدولة اللبنانية تملك في بيروت وعدد من المناطق عشرات العقارات بمساحات شاسعة وهي مهملة وغير مستخدمة تقدر قيمتها بمئات ملايين الدولارات. أما القليل المستخدم منها فيؤجّر بمبالغ زهيدة، على غرار نادي الغولف اللبناني الوحيد في البلاد والذي بقي مشغلوه يدفعون بدل إيجار بقيمة دولار واحد سنوياً منذ العام 1963 حتى تم رفعه في العام الماضي إلى 50 ألف دولار سنوياً.

فوضى في نقابة الأطباء: حسابات غير سليمة إتلاف للمعلومات وسرقة!

كشفت صحيفة الأخبار عن تقرير محمد كلش، المستشار المالي لوزير الصحّة جميل جبق، حول الوضع المالي لنقابة الأطباء في بيروت، الذي خلُص إلى غياب أسس المحاسبة السليمة، وعجز النقابة عن إصدار بيانات مالية صحيحة. وأشار التقرير إلى عملية «تلف» للمعلومات في برامج المحاسبة تستدعي التحقيق «لأنّ إخفاء أو إتلاف هذه المعلومات وعدم وجود نسخ إضافية تحفظها في أكثر من مكان خطأ جسيم». وكشف التقرير بحسب الصحيفة، وجود خلل جوهري في حسابات الأطباء في السنوات السابقة. إذ وصل رصيد ذمم الأطباء المُستحقّة عليهم عام 2017 إلى أكثر من 7 مليارات ليرة، فيما تبيّن وجود ذمم ديون مشكوك بتحصيلها تقدّر بنحو 4 مليارات ليرة. ولفت الى أن المشاكل في حسابات الأطباء والذمم التي ظهرت من ضمن حسابات عام 2015 حتى عام 2018، قد تكون ناتجة عن هذه السنوات وعما قبل 2015 من دون أن يجري العمل لتصحيحها وتسويتها، مشيرا الى ضرورة درس هذا الملف «لأهميته المادية والمعنوية منذ عام 2015 وما قبله، واعادة تكوين الحسابات من 1/1/2015 حتى تاريخه». وكان جبق أوعز، في نيسان الماضي، بفتح تحقيق مالي للتثبّت من اتهامات بالفساد والهدر توجّه الى النقابة، وكلّف كلش «إبداء الرأي الأولي» في الوضع المالي للنقابة بين 2015 و2018». التقرير لفت إلى أن أسعار برامج التدقيق المالي المعتمدة في النقابة غير منطقية نسبة الى حاجات النقابة، فيما تفيد معلومات «الأخبار» أن كلفتها تلامس 750 الف دولار. وأظهر التقرير ان النقابة لا تقوم بجردة فعلية للأصول الثابتة وغير المادية «ما يُعبّر عن خلل واضح وجوهري في البيانات المالية ويُعرّض موجودات النقابة للسرقة أو الضياع». وبعد الإطّلاع على عينات من المدفوعات، اتّضح ان هناك مدفوعات كثيرة «من دون قرارات» من المجلس، «كما أنّ المشتريات لا تتم وفقا للآلية المطلوبة من حيث استدراج عروض أو طلبات شراء وغيره». وبيّن التقرير أنه لا يوجد توصيف وظيفي يحدد آلية العمل ومهام كل موظف، موصيًا بضرورة العمل على إعادة هيكلة قسم المحاسبة وضرورة توظيف مدير مالي مسؤول عنه. وبما يتنافى مع مبدأ الشفافية ويُشكّل تضارباً في المصالح، تبيّن لمعدّ التقرير بحسب الصحيفة «أنّ السيد د.ح الموظف لدى شركة ابو سليمان التي تقوم بعمليات التدقيق الداخلي للنقابة، هو نفسه الذي قام بعمليات التدقيق والمحاسبة مع شركة BDO المسؤولة عن عمليات التدقيق الخارجي». وينسجم ذلك وواقع الفوضى الذي حكم الحسابات المالية منذ سنوات. فقد اتّضح، مثلاً، أنه لا يوجد يوميات للعامين 2014 و2015، وبالتالي لا توجد قيود «ما يعني انه يجب إعادة تكوين الحسابات للعام 2015 لإصدار ميزان المراجعة وبيانات مالية جديدة». والأهم، أن الميزانيات العمومية في نهاية كل عام يجب أن تتطابق مع إفتتاحية العام الذي يليه، وهو أمر لم يحصل في الأعوام الأربعة الماضية! إذ أظهرت الأرقام وجود فروقات مالية كبيرة بين الميزانيات الختامية للعام السابق والافتتاحيات للعام المقبل «وبالأخص بحسابات الذمم، وهذا خلل جوهري جسيم». وبمقارنة الحسابات الختامية للعام 2017 مع الحسابات الافتتاحية لعام 2018، تبيّن وجود فروقات هامة تجاوزت 100 مليار ليرة! فضلا عن وجود حسابات إعانات غير مدفوعة وحسابات أخرى وحساب مؤونات بقيمة نحو 4 مليارات و220 مليون ليرة غير واضحة! كما تبيّن وجود حسابات أرصدة أطباء سلبية «وهو خلل جوهري»، وفق ما يرد في التقرير، مشيرا الى اكتشاف وجود ارصدة سابقة منذ سنة 2015 بقيمة 78 مليونا و690 ألف ليرة غير محدد مصدرها! فضلا عن وجود حسابات ديون مشكوك في تحصيلها تبلغ قيمتها 42 مليار و208 ملايين ليرة، وحسابات غير صحيحة في حسابات التقاعد والورثة والأرامل بقيمة 269 مليونا و237 الف ليرة. وكشف التقرير أيضاً وجود رصيد بقيمة 191 مليوناً و85 الف ليرة عن سنوات 2016 و2017 تم سحبه من البنك ولم يتم تسجيله في البيانات المالية للنقابة. التقرير لفت الى عدم وجود جردة سليمة للمخزون من قرطاسية ومطبوعات وطوابع وغيرها، «كما ان عمليات الجرد لا تتم بشكل دوري او سنوي وهذا ما يجب البدء فيه». واللافت أنه وجدت سنة 2015 جردة للوصفة الطبية بمبلغ مليار و595 مليون ليرة لم يعرف اذا كانت صحيحة ام لا، اذ أنها لم تظهر في ارقام السنوات اللاحقة! إلى ذلك، فإن الجمعيات العلمية الطبية، البالغ عددها 50 جمعية، «لم تظهر حساباتها في كامل السنوات السابقة حتى العام 2016». وبالتالي، يجب مراجعة كافة الحسابات منذ تأسيس هذه الجمعيات أو سبع سنوات على الأقل. كما يجب النظر الى ايرادات الجمعيات المفترض تحويلها الى النقابة، «علما ان اكثرية الجمعيات لم تقدم مستنداتها وحساباتها غير مرفق معظمها بمستندات ثبوتية». أمام هذا الواقع، يأمل عدد من الأطباء المعترضين منذ أشهر على الواقع المالي للنقابة أن يُعدّ هذا التقرير بمثابة إخبار للنيابة العامة المالية التي سبق أن تقدّم عدد منهم أمامها بدعاوى هدر وفساد ولم تُفضِ إلى أي نتيجة.

loading