مايك بومبيو

زيارة بومبيو ومسألة الجولان

شكّل موضوع زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو الأخيرة الى بيروت وما رافقها من كلام سياسي عبّر عنه خلال لقاءاته مع بعض المسؤولين اللبنانيين مادة جدلية في لبنان، خاصةً وأنها ترافقت مع مبادرة الرئيس دونالد ترامب الى إعلان سيادة إسرائيل على هضبة الجولان. فبين موقف بعض اللبنانيين المؤيد للزيارة ولما تضمنته من كلام عالي السقف تجاه حزب الله وموقف البعض الاخر منهم والرافض لهذه الزيارة شكلاً ومضمونًا أين توجد المصالح اللبنانية العُليا؟ بداية لا بدّ من الإشارة الى انه، وبخلاف ما يشير اليه البعض، ليس هناك بعد من وجود لتحالفات بكل ما للكلمة من معنى في الشرق الأوسط. بل إن ما نشهده في الواقع هو مجرد تقاطع مصالح بين الدول الكبرى وبعض الدول الإقليمية والتي تتخذ من دول المنطقة، ومن بينها لبنان، مسرحا لها. وباتت معظم هذه المصالح معروفة من الجميع، فالمصالح الأميركية الكبرى، والتي لم تتبدل أقله منذ الحرب العالمية الثانية، هي أمن دولة إسرائيل، وذلك لأسباب أيديولوجية ودينية، وتأمين سلامة استخراج النفط ونقله الى دول العالم. وتحقيقًا لهذه المصالح رأينا في أواخر ستينات القرن الماضي الموافقة المبدئية لأميركا على الصفقة التي أقامتها إسرائيل مع وزير الدفاع السوري وقتذاك، حافظ الأسد، والتي اقتضت باحتلال إسرائيل للجولان مقابل دعم غير مباشر لوصول الأسد الى السلطة. وتحقيقًا لمصالح الولايات المتحدة الأميركية قامت هذه الأخيرة بإجراء صفقة مع إسرائيل وايران في ثمانينات القرن الماضي افضت الى بيع اسرائيل أسلحة إسرائيلية الى ايران التي كانت تخوض حربًا ضروس ضد غريمها صدام حسين مقابل قيام ايران بتحرير رهائن اميركيين تمّ احتجازهم في لبنان. وتحقيقًا أيضا لمصالح الولايات المتحدة قامت هذه الأخيرة، وبسبب حاجتها الى دول عربية وإسلامية وازنة للدخول معها في التحالف الدولي لتحرير الكويت في العام ١٩٩٠، الى تلزيم لبنان لسورية. أما اليوم، فتمثل السياسة الإيرانية التوسعية في المنطقة خطرًا على مصالح الولايات المتحدة الأميركية الكبرى، ففحين لا ترى هذه الأخيرة الى حد اليوم خطورة استراتيجية في استتاب الامر لروسيا في الساحل السوري، ترى في وصول ايران الى شاطئ المتوسط، والعائد الى أسباب أيديولوجية ودينية وسياسية، خطرًا كبيرا على امن إسرائيل من جهة، كما على نقل النفط الى الغرب من جهة اخرى. أمام هذا الواقع وبهدف الحدّ من التوسع الإيراني، تقوم الولايات المتحدة بمحاصرة النظام الإيراني بشتى الوسائل، منها على سبيل المثال لا الحصر من خلال فرض العقوبات عليه كما على ادواته في المنطقة. من هنا نرى انه من اليوم فصاعدًا أضحت ايران الهدف المحوري للولايات المتحدة الأميركية، وليس النظام السوري بحدّ ذاته، الذي وبكل الأحوال وامام الوهن الذي أصابه وما يزال منذ اندلاع الحرب في سورية، لا يشكّل خطرًا لا على أمن إسرائيل ولا على امدادات النفط. لذلك وانطلاقا من هذه المعطيات، نرى أن مسألة إعلان ترامب السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان قد تندرج في اطار صفقة مثلثة الاضلاع تؤدي أولاً الى تخفيف الضغط على نظام الأسد، وثانيًا الى حصول إسرائيل بطريقة رسمية وشرعية على الجولان، وثالثًا الى ابعاد ايران عن الحدود السورية الجنوبية، كما عن شاطئ المتوسط. أمام هذه المعطيات التاريخية وانطلاقًا من هذا الواقع الجيو سياسي اين يجب ان تكون المصالح اللبنانية العُليا؟ في الواقع لا نرى مصلحة لبنان إلاّ من خلال اعتماد سياسة الحياد التي تبقى ومن دون ادنى شك الخيار الوحيد والعملي القادر على تجنيب لبنان نار ما قد ينتج عن تضارب المصالح الدولية. ولبنان وبحكم طبيعته السياسية والاقتصادية والاجتماعية غير قادر على اللعب على مصالح الدول الكبرى والدول الإقليمية، إلا أنه يستطيع الاستفادة من هذه المصالح على ان يكون في ذلك خيار تعزيز الدولة وتقويته المعيار الأساسي والوحيد. من هنا نرى ضرورة التواصل مع روسيا من اجل تفعيل المبادرة الروسية الخاصة بعودة اللاجئين السوريين الى مناطقهم، كما في تعزيز الروابط مع الولايات المتحدة التي تعتبر من اهم داعمي الجيش اللبناني ومن ابرز المساهمين في المشاريع الإنمائية في كافة المناطق اللبنانية، كما في تقوية العلاقات مع أوروبا، وتحديدًا مع فرنسا، نظرًا للدفاع المستميت من قبل هذه الأخيرة عن لبنان في المحافل الدولية، كما في تمتين العلاقات مع الدول العربية، وخاصةً الخليجية منها، التي تعتبر من أكبر الداعمين للاقتصاد اللبناني. أما فيما خصّ العلاقات مع ايران فلا نرى الى حدّ اليوم أنها تؤدي الى تعزيز دور الدولة اللبنانية، بل وللأسف يرى معظم اللبنانيين ان الدور الإيراني يؤدي الى تحويل لبنان الى ساحة لابتزاز الدول الكبرى واللبنانيين الى مجرد أدوات لمشروع أيديولوجي أكبر منهم بكثير. وغني عن القول أن تعزيز دور الدولة عبر تقوية مؤسساتها سيجعل من الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة القادرة على حماية جميع أبنائها. د. مارك م. أبو عبدالله

loading