أثمان سياسية بإنتظار أن يدفعها لبنان... فهل يقوم بإبرام صفقة؟

ثروة لبنان الغازية القابعة في البحر مُقابل الشواطئ اللبنانية تنتظر الضوء الأخضر من عواصم القرار ليتم البدء بإستخراجها. هذا الأمر يعود إلى أن أي بلد يدخل نادي الدول المُنتجة للنفط، يُصبح إلزاميًا ذات أهمّية إستراتيجية على الخارطة العالمية وبالتالي قراراته فيما يخص الإستخراج والتسويق لن تكون حرّة بالمُطلق.

في حال لبنان، هناك عناصر إضافية تتمثّل بـ:


أولًا – غياب الثبات السياسي والأمني وهو ما يزيد مخاوف عواصم القرار من إستخدام مداخيل الثروة النفطية للتسلّح. وهو ما يجعل إستخراج الغاز من المنطقة الاقتصادية رهن الاستقرار السياسي والعسكري والأمني في لبنان.

ثانيًا – إستخراج الثروات الطبيعية خصوصًا في البلدان في طور النمو، عادة ما يكون عرضة للفساد من قبل أنظمة سياسية تحكم البلد. وهو ما فرض مُعاهدات دولية تُلزم البلد صاحب الثروة بالإمتثال لعددٍ من الإجراءات التي تحفظ حقوق مواطني هذه الدول.

 

ثالثًا – حجم الثروة الغازية القابعة في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان تفوق المائتي مليار دولار أميركي مع إحتمال 95 بالمئة، بحسب الدراسة الإحصائية التي قمنا بها في العام 2011 في مؤتمر الجيش الأول. هذا الرقم كفيلٌ بجعلها تُسيّل لُعاب العديد من الدول سواء لناحية تشغيل شركاتها النفطية أو لناحية تزويد أسواقها بهذا الغاز.


رابعًا – هناك أثمان سياسية يجب على لبنان دفعها للإستفادة من هذه الثروة – التي هي مُلك وحق طبيعي له – فرضتها موازين القوى الدولية. وعلى رأس هذه الأثمان ملفان ضاغطان – عنيت بذلك ترسيم الحدود الجنوبية مع العدو وملف النازحين السوريين.

الحديث عن عدم وجود غاز في البلوكات 4 و9 كما سبق وأعلنت الشركة المُنقّبة هو أمرٌ غير صحيح، وإلا لكانت الشركة أفادت السلطات اللبنانية والرأي العام بالتقرير التقني الصادر عن عملية التنقيب. أضف إلى ذلك وبحسب تقارير العديد من الشركات التي قامت بالبحث الرسمي عن الغاز والنفط في لبنان، للمنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان جغرافيا تفاضلية نسبة للمناطق الاقتصادية الخالصة الأخرى المجاورة. وأخيرًا، لماذا يوجد في غاز في جنوب المنطقة الاقتصادية الخالصة على بعد عشرات الكيلومترات ولا يوجد عندنا في لبنان؟ هل توقفت الطبقات الجيولوجية عند الحدود؟ بالطبع لا!

 

من كل ما تقدّم نرى إستخراج الغاز من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان خاضع قبل كل شيء للتسويات السياسية في المنطقة وللضوء الأخضر الدولي.

على هذا الصعيد، يستعدّ الوسيط الأميركي آموس هوكستين للعودة إلى المنطقة لإعادة إحياء ملف التفاوض على ترسيم الحدود بين لبنان والأراضي المُحتلّة. بالطبع، لن يكون هذا الأمر قبل إتفاق وقف الهدنة بين حماس وإسرائيل. وبحسب المعلومات المُتداولة في الأروقة، يسعى هوكستين إلى تسويق خطة متكاملة تُطبّق على مراحل لتهدئة الوضع في جنوب لبنان، على أن تتمّ في المرحلة الثانية من الخطّة بدء البحث في مشكلة الحدود الجنوبية موضع الخلاف بين لبنان والعدو الإسرائيلي. وسيكون للملف الاقتصادي دورٌ كبير في عملية إقناع الجانب اللبناني بالسير في هذه الخطّة، خصوصًا أن الحديث يجري حول مقترحات تتضمن مساعدات في إعادة إعمار الجنوب حيث بدأت السلطات اللبنانية عملية المسح كما وبدء التنقيب «الجدّي» عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان. بالطبع الأمر لا يقف عند هذا الحد، فبحسب المعلومات الدعم الاقتصادي للبنان رهن التنازلات اللبنانية التي سيُقدّمها في عدّة ملفات وعلى رأسها ملف الحدود الجنوبية وملف النازحين السوريين. ومن بين هذه الأمور، هناك إستجرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن، الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، إعادة إعمار الجنوب، فتح الباب أمام الإستثمارات الأجنبية في لبنان، إيداع ودائع في المصرف المركزي اللبناني، التنقيب عن النفط على البر اللبناني (منطقة نهر إبراهيم...) وغيرها من الوعود التي وكما سبق الذكر تبقى رهينة التنازلات اللبنانية.
 
المعلومات تُشير إلى أن وقف الحرب في غزّة سيؤتي بثماره سريعًا على لبنان خصوصًا أن هناك مسودّة إتفاق شبه مُكتملة بين لبنان والعدو الإسرائيلي وتحتاج إلى عدد جولات قليل من قبل الوسيط الأميركي هوكستين. وبحسب التحاليل، هناك عدة عوامل تذهب في هذا الإتجاه:


أولًا – الوضع الاقتصادي الصعب القائم في لبنان والذي يتفاقم يومًا بعد يوم والذي إن إستمرّ سيؤدّي إلى إضطرابات شعبية وبالتالي مع النزوح السوري، هناك خطر توسع الإضطرابات؛

ثانيًا – الضغوطات الاقتصادية التي تُمارس على لبنان خصوصًا من باب إقتصاد الكاش؛

ثالثًا – استفزاز الغرب للمسؤولين اللبنانيين من باب العقوبات وتجميد أصولهم في الخارج؛

رابعًا – الحراك الدولي الكبير في لبنان سواء عبر اللجنة الخماسية أو عبر الموفدين الخاصين (لودريان، هوكستين...) وهو ما يدلّ على أهمية إنخراط لبنان في هذا المسار بالنسبة للمجتمع الدولي.


عمليًا، يُمكن القول إن كل الوضع مرهون بإتفاقية الهدنة بين حماس والجانب الإسرائيلي. وإذا تمّ هذا الاتفاق، فستكون الأمر على مسار التسوية في فترة قد لا تمتدّ كثيرًا. وبحسب مقال لصحافي أميركي، تسعى إدارة الرئيس الأميركي بايدن إلى التسريع في هذه العملية قبل شهر أيلول – أي قبل بدء مرحلة الانتخابات، ليُسجّل على رصيده نجاحًا وما دعوة رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس الأميركي إلا رشوة لشراء الموقف الإسرائيلي تجاه القبول بوقف الحرب.

إذًا كل المؤشرات تُشير إلى أن هناك أملا ولو بسيط ببدء الخروج من النفق المُظلم الذي يعيش فيه لبنان منذ العام 2019. فكيف ستكون التداعيات في الداخل اللبناني؟ هل سيتم شطب أموال المودعين كجزء من الحل؟ هل يُكافئ السياسيون على الاتفاق عبر الإستمرار في النهج القائم منذ تسعينات القرن الماضي؟ هل تتغيّر موازين القوى في الداخل اللبناني؟ كل هذه الأسئلة تبقى رهينة الجواب على سؤال واحد وهو: هل يقبل لبنان الطلبات الدولية تجاه إسرائيل وإتجاه النزوح السوري؟ الوقت وحده كفيل بالرد على هذا الأمر.