المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الاثنين 2 شباط 2026 16:59:04
يخطئ من يظنّ أن الصراع القائم في لبنان اليوم يقتصر على مسألة تسليم سلاح حزب الله وصواريخه. فالسلاح، على خطورته، ليس إلا الوجه الظاهر لمشكلة أعمق وأشدّ تعقيدًا: المنظومة الأمنية التي بناها الحزب داخل الدولة والمجتمع، والتي لا تقلّ خطرًا عن السلاح، بل قد تكون أكثر فتكًا لأنها تعمل بصمت، ومن دون ضجيج أو مواجهات مباشرة.
المنظومة الأمنية لا تُقاس بعدد البنادق ولا بمدى الصواريخ، بل بقدرتها على التحكم بالناس والمؤسسات والقرار العام. هي شبكة نفوذ وسيطرة تمتد من الشارع إلى الإدارة، ومن القضاء إلى الإعلام، وتُخضع الإرادة قبل الأرض، وتكسر هيبة الدولة من الداخل، لا عبر المواجهة، بل عبر التعطيل والترهيب غير المعلن.
فعليًا، تترجم هذه المنظومة من خلال عناصر موالية للحزب داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الرسمية، تعمل على تيسير مصالحه ومعاملاته بطرق خارجة عن القانون، من دون قرارات مكتوبة أو أوامر رسمية. في الجمارك والمرافئ، تمرّ شحنات بلا تفتيش فعلي لأن “الجهة المعنية معروفة”. في المعابر والمطار، تُطبّق الإجراءات بانتقائية. في القضاء، تُجمَّد ملفات حساسة أو تُسحب من التداول حين تقترب من خطوط حمراء. وفي الإعلام، يمارس كثيرون رقابة ذاتية قاسية، لا خوفًا من قانون، بل من كلفة يعرفون أنها غير مضمونة العواقب.
هنا تكمن خطورة المنظومة الأمنية: أنها تحوّل الدولة إلى واجهة شكلية. فالموظف يخاف، والقاضي يتريّث، والإعلامي يصمت، والمواطن يحسب كلمته قبل أن يقولها. يصبح الخوف بديلاً عن القانون، والتوازن القسري بديلاً عن العدالة، وتتحول الديمقراطية إلى ممارسة منقوصة تخضع لميزان القوة لا لسلطة الدستور.
من هذا المنطلق، فإن أي مقاربة لحصر السلاح بيد الدولة من دون تفكيك المنظومة الأمنية تبقى خطوة ناقصة، وربما مضلِّلة. لا سيادة فعلية مع جهاز أمني موازٍ، ولا دولة مع عقل أمني فوق المحاسبة. فالسلاح يمكن نزعه بقرار سياسي أو بتسوية، أما المنظومة الأمنية، إذا ترسّخت، فتحتاج إلى إرادة دولة صلبة، وقضاء مستقل، وحماية سياسية شاملة لإعادة الاعتبار للقانون.
المعركة الحقيقية في لبنان ليست فقط على الصواريخ والمخازن، بل على من يملك القرار، ومن يفرض الخوف، ومن يعطّل الدولة من الداخل. تفكيك المنظومة الأمنية ليس تفصيلاً تقنيًا ولا بندًا ثانويًا، بل شرط أساسي لقيام دولة فعلية، يشعر فيها اللبناني أن حمايته تأتي من القانون، لا من ميزان القوة، وأن الدولة ليست ضيفًا على أرضها، بل المرجعية الوحيدة والحاكمة.