أزمة القنصلية.. اختبار دبلوماسي للعلاقات الإسرائيلية البريطانية

تتجه العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل إلى اختبار دبلوماسي حاد، مع اقتراب الموعد المحدد لإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، في خطوة إسرائيلية جاءت ردًا على إجراءات بريطانية استهدفت النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية. 

وأبلغت السلطات الإسرائيلية في التاسع من سبتمبر أيلول الماضي، القنصلية البريطانية في القدس الشرقية ‌بوجوب إغلاقها، وبأن الدبلوماسيين المعينين فيها سيفقدون اعتمادهم خلال 30 يوما.

لندن قابلت الخطوة الإسرائيلية، بنقل السفير البريطاني لدى إسرائيل سايمون والترز رسالة إلى مسؤولين إسرائيليين مفادها أن لندن سترد على إغلاق القنصلية بطرد 27 دبلوماسيًا إسرائيليًا من السفارة في لندن.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع زيارة غير معلنة أجراها مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول إلى إسرائيل الأسبوع الماضي، في محاولة لإقناع الحكومة الإسرائيلية بالتراجع عن قرار إغلاق القنصلية أو تأجيله، إلا أن الزيارة لم تفضِ إلى اتفاق، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤولين إسرائيليين.

ومن شأن القرار الإسرائيلي، الإضرار بصورة كبيرة في قدرة السفارة الإسرائيلية في لندن على العمل، إذ يزيد عدد دبلوماسييها على 27، كما أن منصب السفير الإسرائيلي في لندن شاغر منذ عودة تسيبي حوتوفلي إلى إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2025، وتتولى السفارة حاليًا أعمالها بقيادة القائم بالأعمال كريس كانتور، وفق ما نقلته صحيفة يديعوت أحرنوت. 

وكشفت الصحيفة العبرية أن إسرائيل لن تترك أي خطوة بريطانية من دون رد، مضيفة أن تل أبيب أثبتت بالفعل أن كل خطوة ضد إسرائيل ستُقابل برد مناسب، في إشارة إلى احتمال استمرار الإجراءات المتبادلة إذا دخل قرار الإغلاق حيز التنفيذ.

كيف بدأت الأزمة؟
تعود جذور التصعيد إلى قرار بريطاني اتُخذ في سبتمبر/أيلول بفرض إجراءات اقتصادية على  المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، شملت حظر استيراد سلع منتجة في المستوطنات وعقوبات على أفراد وشركات تقول لندن إنهم يدعمون النشاط الاستيطاني.

وقالت الحكومة البريطانية إن إجراءاتها تستهدف المستوطنات وليس التجارة مع إسرائيل بصورة عامة، وإن الهدف منها الضغط على السياسات التي ترى لندن أنها تقوض فرص إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. 

ورد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بإجراءات مضادة شملت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإنهاء مشاركة بريطانيا في بعض الأنشطة المرتبطة بتدريب قوات السلطة الفلسطينية، وإبعاد ممثلين بريطانيين عن مركز التنسيق الدولي للمساعدات الخاصة بقطاع غزة، إضافة إلى منع دخول عدد من المواطنين والمسؤولين البريطانيين إلى إسرائيل.

لماذا القنصلية في القدس الشرقية؟
تكتسب القنصلية البريطانية في القدس الشرقية أهمية تتجاوز وظيفتها القنصلية التقليدية، إذ تمثل بريطانيا في تعاملاتها مع الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وتضطلع بملفات سياسية واقتصادية وأمنية وقنصلية.

ومن المقرر أن يدخل قرار إغلاقها وسحب الاعتمادات الدبلوماسية من العاملين فيها حيز التنفيذ يوم الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، الأمر الذي فقد معه عشرات الموظفين وظائفهم، فيما يستعد الدبلوماسيون البريطانيون للمغادرة.

وأثار قرار إسرائيل غضبًا بريطانيًا، خصوصًا بسبب المهلة القصيرة البالغة 30 يومًا التي مُنحت للدبلوماسيين لمغادرة القنصلية.

أزمة تتجاوز القنصلية
ويظهر أن سبب الخلاف أعمق من مسألة القنصلية، فقد أصبحت الحكومة البريطانية أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، بينما تتمسك حكومة بنيامين نتنياهو بمواقفها الرافضة للضغوط الخارجية في ملف الاستيطان.

وانضمت فرنسا وكندا إلى إجراءات مرتبطة بمنتجات المستوطنات، لكن إسرائيل لم تتخذ بحقهما حتى الآن، إجراءات مماثلة لتلك التي اتخذتها ضد بريطانيا.

المعارضة الإسرائيلية
في الداخل الإسرائيلي، أخذت الأزمة مع بريطانيا بُعدًا سياسيًا متزايدًا مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.  

وانتقد زعيم المعارضة يائير لابيد قرار إغلاق القنصلية معتبرًا أن "افتعال الأزمات ليس سياسة وأن الدخول في خصام مع العالم كله ليس سياسة".

وتساءل لابيد، بحسب "يديعوت أحرنوت"، عن جدوى إضعاف السفارة الإسرائيلية في لندن، وهو موقف يأتي في وقت تتنافس فيه الأحزاب الإسرائيلية على مواقف الناخبين بشأن إدارة الحرب والعلاقات الخارجية، فيما اتهم وزير الخارجية جدعون ساعر بريطانيا، عند إعلان إجراءاتها ضد المستوطنات، بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية.

وكان مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول قد عارض في وقت سابق المضي في بعض الإجراءات ضد المستوطنات خشية أن تخدم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انتخابيًا.

وفي المقابل، قال لابيد إن العقوبات قد تعزز موقع وزير المالية بتسلئيل  سموتريتش والأصوات اليمينية داخل إسرائيل قبيل الانتخابات.

في المحصلة لا تبدو أزمة القنصلية منفصلة عن السجال الانتخابي الإسرائيلي، إذ تحولت الإجراءات البريطانية والرد الإسرائيلي عليها إلى جزء من النقاش الداخلي حول كلفة السياسة الخارجية للحكومة وعلاقات إسرائيل بحلفائها الغربيين.