أزمة تهدّد قطاع الاتصالات: اعتصامات واستقالات بالجملة!

يسود في صفوف موظفي هيئة الاتصالات "أوجيرو" كما في شركتي الخليوي "ألفا" و"تاتش" غليان متصاعد. فالعاملون في القطاع الذي يشكّل أحد أبرز مصادر إيرادات الخزينة العامة، يستشعرون خطرًا حقيقيًا على مستقبلهم. ويتجلى هذا القلق بشكل أكبر لدى العاملين في هيئة أوجيرو، الذين رفعوا الصوت في الأيام الماضية، احتجاجًا على ما يرونه "خطوات ناقصة" في إطلاق مشروع "ليبان تيليكوم" بعد سنوات من صدور قانون الاتصالات، من دون استكمال مقوماته القانونية والمالية والتشغيلية، وهو ما يعتبرون أنه يضع مستقبل نحو 2400 موظف في الهيئة على المحك. 

 

اعتصامات واستقالات

وفيما صعّدت نقابة موظفي "أوجيرو" اعتراضاتها يوم أمس الخميس، ونفذّت اعتصاماً مركزياً في رياض الصلح تأكيدًا على وحدة الموقف حيال مستقبل العمال، علمت "المدن" بتصعيد موازٍ برز في شركة "تاتش" تحديدًا، يستكمل تحركات نقابة موظفي "ألفا" و"تاتش" الهادفة لتأكيد الحقوق المكتسبة للموظفين، ولا سيما في ما يتعلق بالترفيع في الرتب والرواتب.

ووفق معلومات "المدن"، فقد تبلغت إدارة شركة "تاتش" من نحو عشرين مهندسًا من أصل ثلاثين في الأقسام التقنية، توجههم للاستقالة إذا استمر تجاهل مطالبهم المتعلقة بالترقيات والرواتب. 

يعمل الملوحون بالاستقالة في أقسام الإرسال وصيانة الشبكة، ويتولون معالجة الأعطال وضمان استمرارية التغطية في مختلف المناطق اللبنانية. ومعظمهم يملك، وفق ما يؤكدون، خبرة تتجاوز خمسة عشر عامًا، فيما رافق بعضهم تأسيس الشبكة وتطورها، ما يجعلهم يشكلون أحد أعمدتها التقنية الأساسية، وبالتالي فإن استقالة أي منهم من شأنها أن تزعزع استقرار الشركة وتنعكس سلباً على استقرار الشبكة، خصوصًا بعد ما عانته الأقسام الفنية من نقص في كوادرها الهندسية. 

غير أن هذا التلويح بالاستقالة لا ينفصل عن الخلفيات الاعتراضية التي برزت لدى نقابة موظفي الشركتين، على ما وصفته بـِ "التوظيفات المقنّعة واستحداث مواقع وظيفية تتجاوز حقوق الموظفين الحاليين". حيث أصدرت النقابة في الأسبوع الماضي منشورًا يقول " نحن حجر الأساس... نريد حقوقنا قبل أي توظيف، الأولوية لنا".  وقد عمم موظفو "الفا" و"تاتش" الشعار على حساباتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي، تأكيدًا على وحدة الموقف حيال ما ضجت به أروقة الشركتين عن استقدام مستخدمين جدد، وتوقيع عقود مع موظفين إضافيين، ومن بينهم من قدموا استقالاتهم في مرحلة الأزمة المالية التي حلّت بلبنان. 

 

تآكل الثقة بين الموظفين والإدارات

غير أن الاعتراضات التي خرجت إلى العلن، سواء في أوجيرو أو في شركتي الخليوي خلال الأيام الماضية، لا تبدو مرتبطة بالتوظيفات حصرًا، بقدر ما تعكس تآكلاً للثقة وقلقاً من النيات المبيتة حيال العاملين في القطاع.

فبالنسبة إلى موظفي "ألفا" و"تاتش"، تمثل التوظيفات الأخيرة عنوانًا لاختلال في الأولويات، إذ يعتبرون أن أي استحداث لمواقع أو استقدام موظفين جدد، سواء بعقود مؤقتة أو دائمة، يفترض أن يسبقه إنصاف العاملين الذين ينتظر كثير منهم ترقيات مستحقة منذ سنوات بموجب عقد العمل الجماعي. 

أما بالنسبة لموظفي "أوجيرو" فإن "الخطوة الإصلاحية الناقصة" التي تحاول وزارة الاتصالات أن تنطلق بها في تطبيق القانون 431، تعزز الشكوك حول انتقال لا يقدم للموظفين الضمانات الكافية حول حقوقهم المكتسبة، وترفع من مخاوفهم من أن يتحول القانون إلى باب للصرف الجماعي أو لإعادة هيكلة غير مدروسة، خصوصًا أن آلية انتقال العاملين في أوجيرو إلى ليبان تيليكوم ما زالت موضع مراجعة أمام مجلس النواب.

المخاوف من هذه التغييرات في هيكلية إدارة القطاع تتجلى أيضًا لدى موظفي "ألفا" و"تاتش"، خصوصًا مع مضي الحكومة بمشروعها لنقل إدارة الشركتين " إلى مشغّل خاص. وعليه يخشى الموظفون من أن تتحول المرحلة الانتقالية بين الإدارة الحالية والإدارة اللاحقة، إلى فرصة لتكريس واقع وظيفي، بما قد يضعف قدرتهم لاحقًا على المطالبة بحقوقهم أو تثبيت مكتسباتهم.

 

الانتقال إلى "ليبان تيليكوم"

وفيما ينتظر أن يأتي تحرك موظفي أجيرو بتوضيحات إضافية من وزارة الاتصالات، خصوصًا حيال تعديل المادة 49 من قانون الاتصالات الذي يضمن حقوق موظفي الهيئة عند الانتقال إلى مرحلة "ليبان تيليكوم"، تحاول إدارتا شركتي الخليوي احتواء الاعتراضات داخلهما وإبقائها خلف الأبواب الداخلية. وتعتبر مصادر الشركتين أن التوظيفات فيهما شأن إداري تنظمه حاجات العمل، مع التأكيد أن حقوق الموظفين محفوظة بموجب العقود، حتى وإن تأخر تنفيذ بعض بنودها. وتمتنع المصادر في المقابل عن التعليق على مسألة التلويح بالاستقالة، معتبرة أن الحديث عن تداعياتها سابق لأوانه ما دامت الاستقالة لم تتحول إلى خطوة فعلية.

إلا أن الاحتقان المتصاعد لدى موظفي "تاتش" أخرج عمليًا النقاش من الأروقة الداخلية، وأظهر أن اعتراض المهندسين لا ينطلق من مطلب مالي آني، بل من شعور بتراجع الاعتراف بدورهم.

يشرح أحد المهندسين الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن الحالة الاعتراضية في شركتي "ألفا" و"تاتش" ليست "رمانة بل قلوب مليانة"، حتى لو فجّرتها إعادة تعيين مدير سابق ومهندس غادرا الشركة مع بداية الأزمة المالية عام 2019 على أن يعود أحدهما بمنصب إداري وبراتب أعلى، فيما يشغل الآخر موقعًا أفضل من السابق. 

ويضيف المهندس: "تحمل كل واحد منا مسؤولياته ومسؤوليات عدد من زملائه الذين غادروا، من دون أي تعديل على الراتب لسنوات. وفيما استعادت الأجور قيمتها بفضل تحرك النقابة، بقيت الترقيات المنصوص عليها في عقد العمل الجماعي معلقة. هذا في وقت فاجأتنا الإدارة بالمضي في تعيينات جديدة وإعادة توظيف موظفين سابقين في مواقع أفضل من تلك التي غادروها".

بالنسبة للمعترضين، فإن هذه الخطوة تحمل دلالة رمزية تتجاوز حالتي التعيين، إذ تبدو وكأنها تكافئ من غادر الشركة خلال الأزمة، فيما يُترك من بقي وصمد من دون أي اعتراف بحقوقه المماثلة.

ولا تقتصر أسباب الاستياء في الشركتين على إعادة توظيف موظفين سابقين، بل تشمل أيضًا تعيين خريجين جدد في مواقع يعتبر العاملون أنها تتجاوز مبدأ التدرج الوظيفي، في وقت لا يزال أصحاب الخبرة ينتظرون تسوية أوضاعهم.

غير أن الأخطر بالنسبة لهؤلاء كان في ما نقله إليهم أحد مدراء "تاتش" الذي دخل على خط امتصاص الغضب، من تأكيدات على توجه الإدارة للاستعانة بمهندسين إضافيين برتب عالية من خارج الشركة، محاولًا طمأنة المعترضين أن عقودهم سنوية وغير ثابتة. فرأى المهندسون أن ذلك سيخرق صفوفهم بمتعاقدين سيتقاضون أجورًا أعلى من أجورهم، مع إمكانية عالية لتثبيتهم في الشركة لاحقًا في ظل ظروف غير متساوية.

 

الأزمة على طاولة لجنة الاتصالات

وانطلاقًا من هنا يجمع موظفو الشركتين على أن جوهر الأزمة ليس في التعيينات نفسها، بل في تراكم سنوات من تجميد الحقوق، شارحين، على سبيل المثال، أن عقد العمل الجماعي ينص على ترقيات دورية كل سنتين أو ثلاث سنوات، إلا أن عددًا من المهندسين يؤكدون أنهم لم يحصلوا على أي ترقية منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، فيما نال آخرون ترقية واحدة فقط طوال هذه الفترة، رغم ارتباط تلك الترقيات مباشرة بالرواتب والتعويضات.

هذا النقاش تجاوز على ما يبدو حدود الشركتين في الأسبوعين الماضيين، بعدما حضر على طاولة لجنة الاتصالات النيابية. وقد أثير مؤخرا من قبل النائب في اللجنة سعيد الأسمر، الذي طرح بحضور وزير الاتصالات تساؤلات حول آلية استقدام موظفين جدد، معتبرًا أنها لا تراعي الأصول الإدارية، ولا سيما لجهة الإعلان عن الوظائف الشاغرة وإتاحة المنافسة عليها. وقال الأسمر لـ"المدن" إن المعلومات التي وصلت تفيد بأن الشركتين بدأتا توقيع عقود مع موظفين مؤقتين من دون إعلان مسبق عن الشواغر أو طبيعة المشاريع المطلوبة، الأمر الذي يثير، بحسب تعبيره، "شكوكًا حول وجود تنفيعات".

وأضاف أن إدارة "ألفا" أبلغت اللجنة بأن اختيار الموظفين جرى من خلال السير الذاتية الموجودة لدى الموارد البشرية، إلا أنه يرى أن الإعلان العلني عن أي وظيفة يبقى الضمانة الأساسية لتكافؤ الفرص والشفافية.